الحوار ينزل "منزلة الحقيقة"

الحوار ينزل "منزلة الحقيقة"

يقول الفيلسوف الفرنسي الشهير جان جاك روسو "تكلّم، حتى أعرفك". وفي هذا الكتاب يتكلم الفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن باستفاضة معرفًا عن نفسه ومشروعه الفكري، ومتفرعًا في مواضيع وقضايا مثارة في فضاءات الثقافة والفكر والفلسفة، ومجيبًا عن تساؤلات شتى تبحث عن أجوبة محددة وشافية.

الكتاب صدر عن "الشبكة العربية للأبحاث والنشر"، للدكتور طه عبد الرحمن، بعنوان "حوارات من أجل المستقبل"، وصدرت الطبعة الأولى منه في عام 2011 أتت في 177 صفحة.

الكتاب عبارة عن حوارات أجرتها مؤسسات إعلامية عربية مع عبد الرحمن، الذي أعاد ترتيبها وصياغتها، بما يسهل على القارئ فهمها، على أن هذه الحوارات لم تكن من نوع "الدردشات" التي يُملئ بها الفراغ في الصحف، كما يشدّد المؤلف، بل هي بمثابة بيانات كاشفة، وتأملات هادفة، لا يقل فيها هم الاجتهاد والتجديد، عما تنطوي عليه مؤلفاته الأخرى الكاملة.

من هذا المنطلق يحتل الحوار أهمية كبيرة في فكر الفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن، الذي عُني على مدار عشرات السنين بسبل تعزيز الحوار، بما يخدم الفضاء الفكري الكوني، ويصحح المفاهيم الخاطئة التي يؤمن بها بعض المفكرين.

ويرى عبد الرحمن في كتابه "حوارات من أجل المستقبل" أن الساحة الفكرية في بلاده مازالت تنأى بنفسها عن هذا الفضاء الحواري الجديد، وأن "أهل الفكر المغاربة لا يتحاورون"، داعيًا إياهم إلى "التعجيل بوضع خطة تربوية دقيقة وشاملة توفر تكوينًا متينًا في منهجيات الحوار وأخلاقياته".

مؤكدا أننا لا نحتاج إلى شيء خلال منعطف التغيير الذي دخلت فيه المجتمعات العربية في مطلع القرن الجديد، قدر احتياجنا إلى "الروح العقلانية النافعة"، و"الروح الجماعية الصالحة"، اللتين تورثهما الممارسة الحوارية.

الحوار.. منزلة الحقيقة

ينطلق عبد الرحمن في كتابه "حوارات من أجل المستقبل"، من اعتبار أن "الحوار ينزل منزلة الحقيقة،" موضحًا أنه إذا كان الأصل في الكلام من جهة مضمونه هو الحقيقة، فكذلك الأصل فيه من جهة قائله هو الحوار".

ويقول المؤلف "إن طريق الوصول إلى الحق ليس واحدًا، وإنما طرق شتى لا حدّ لها" معتبراً أن "الحق هو نفسه على خلاف الرأي السائد، ليس ثابتًا لا يتغير بل أصله أن يتغير ويتجدد، وما كان في أصله متجددًا، فلابد من أن يكون الطريق الموصل إليه متعددًا، ومتى وُجد التعدد في الطرق، فثمة حاجة إلى قيام حوار بين المتوسلين بها".

إن تواصل الحوار بين الأطراف المختلفة، من وجهة نظر المؤلف، يُفضي مع مرور الزمن إلى تقلص شقة الخلاف بينهم، فالحوار يسهم في توسيع العقل، وتعميق مداركه، لأن الحوار هو بمنزلة نظر من جانبين اثنين، وليس النظر من جانب واحد كالنظر من جانبين اثنين.

يقسم عبد الرحمن كتابه إلى تسعة فصول، يتضمن كل فصل منها حوارًا دار حول موضوع ما أو قضية معينة، في مقدمتها "قضية التراث"، والتي شكلت محورًا مهمًا في مشروع المؤلف الفكري، ولذا خصص لها مؤلفات مستقلة.

وفي الفصل الأول الذي جاء على شكل أسئلة طُرحت عليه، يفسّر المؤلف أسباب تراجع الاشتغال بالتراث الاسلامي العربي، نافيًا أن "يكون دليلاً على أن اشكالية التراث قد وجدت حلّها النهائي أو أن وزنها قد ضعف في النفوس"، ومؤكدًا أن "التعامل مع التراث الأصلي كان وسيبقى مطلوبًا لنا كلما أردنا أن نجدد ثقتنا بقدراتنا، ونُؤصل مصادر استلهامنا".

ويدحض الكاتب المنهجيات والنظريات المطروحة على الساحة الفكرية للتعامل مع التراث، موضحًا أن "أغلبها يصعب قبول مسلماته، بسبب وقوع هذه المنهجيات، والنظريات في أخطاء صريحة بصدد مضامين التراث، فقد استعجل أصحابها إصدار الأحكام على هذه المضامين، مع أن واجبهم الأول هو أن يطلبوا معرفتها على حقيقتها". مضيفًا إلى ذلك، "ضعف قدرة هؤلاء على امتلاك ناصية الأدوات المنهجية، العقلانية والفكرانية، التي توسلوا بها في نقد التراث"، ويستعرض هنا وجهة نظره التي كان قد طرحها في كتابه "تجديد المنهج في تقويم التراث" وتعرّض فيه لنموذج المفكر الشهير محمد عابد الجابري في نقده التراث مبينًا أوجه القصور في هذا التناول.

آفات الفلسفة العربية

في الفصل الثاني الذي خصصه لقضية "الفلسفة"، يشخّص عبد الرحمن الواقع الفلسفي في العالم العربي، باعتبار أنه "واقع مترد لا يقل سوءًا عن تردي الوضع السياسي لهذا الوطن، لأنه واقع تقليد بالغ، وتبعية عمياء". مشيرًا إلى أن "الخطاب الفلسفي العربي، مصاب بالكثير من الآفات أهمها الآفة السلوكية، وهي الخلط بين الفلسفة والسياسة، والآفة الخطابية التي يقع فيها المقلدون من المتفلسفة العرب، وهي آفة الفصل بين الفلسفة والمنطق".