سلمان ناطور يفتح ابواب الذاكرة على شواطئ يافا

سلمان ناطور يفتح ابواب الذاكرة على شواطئ يافا

بدأ مسرح "السرايا" العربي الفلسطيني في مدينة يافا، هذا الأسبوع، عرض عمله المسرحي الجديد، "ذاكرة"، التي كتبها ويقوم بتمثيلها الأديب سلمان ناطور، مقدماً مقتطفات من ذاكرته التي تجمع بين الذاتي والجماعي، عبر قصص وحكايات لا تقوم على ترتيب زمني ومكاني.

إنها ذاكرة بلا زمان ولا مكان محددين، وهي رواية الكاتب بشخصه ورواية شعبه الفلسطيني بشخصيات لها عالمها الخاص، بحيث تشكل في نهاية الأمر الرواية الفلسطينية الجماعية مختزلة في ساعة من الزمن. هذه الرواية التي ينشغل الكاتب منذ أكثر من خمسة وعشرين عامـًا في بنائها وتوثيقها، بدءًا بمجموعته القصصية "الشجرة التي تمتد جذورها إلى صدري" (1978)، وإلى "سيرة الشيخ المشقق الوجه" (1983) وحتى "هل قتلتم أحدًا هناك" (2000).

"ذاكرة"، هي حكايات بسيطة لكنها تكشف عن عالم كبير، فيه ألم بحجم المأساة وفيه ابتسامة بحجم سخريات القدر وفيه حكمة بحجم العالم الفلسطيني العبثي. إنها ذاكرته الخاصة، وفي الوقت نفسه ذاكرة شعبه، ذاتية وجماعية، له وحده ولنا جميعـًا، عنه كمن لا يحتفل بيوم ميلاده وعنا كمن نحتفل بمناسبات موتنا واستشهادنا.

شيخ فقد ذاكرته فأكلته الضباع، وأبو صلاح اللواح جعل من الحطة علمـًا، وأغنية الشمالية نشيدًا وطنيـًا، خلف نكاته وسخريته وحماسه اللامحدود. للدبكة شخصية مأساوية تجسد حياة الفلسطيني بمرحه وحزنه. شخصية أبي صلاح اللواح تستحوذ على شخصية الكاتب فيتقمصها على المسرح، ويؤدي دورها ليزيل الحد الفاصل بين ما هو مسرحي وما هو واقعي. أبو صلاح يبدأ مع الكاتب في غرفته، في مكتبه حيث يحاول الكاتب بناء شخصيته الدرامية عبر عملية تذكر، ولكن هذه الشخصية التي يخلقها الكاتب تسحر خالقها وتنزعه من غرفته إلى عالم أبي صلاح الذي فقد كل شيء إلا الحطة التي كان يلوح بها.

هذا العمل لا بطل فيه إلا "الذاكرة" نفسها التي تحول كاتبـًا غاضبـًا إلى حكواتي يسرد القصص، ثم تفرض عليه أن يتقمص الشخصية التي أحبها، ليؤديها على المسرح في أشد حالات انفعالها. صرخة أخرى ضد القتل والدمار، تجربة مختلفة في التعامل مع النص الأدبي، وحضور يشذ عن المعايير المتعارف عليها، كاتب يمسرحه النص.
ولد في دالية الكرمل جنوبي مدينة حيفا عام 1949. أنهى الثانوية في حيفا وواصل دراسته الجامعية في القدس ثم في حيفا. درس الفلسفة العامة وعمل في الصحافة منذ العام 1968 وحتى 1990 حيث حرر الملحق الثقافي لجريدة "الاتحاد" الحيفاوية ومجلة "الجديد" الثقافية. يحاضر في مواضيع الثقافة الفلسطينية والفلسفة العربية ويحرر مجلة "قضايا اسرائيلية" التي تصدر عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية في رام الله، ويدير معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية والإسرائيلية في حيفا. شارك في تأسيس وإدارة عدد من المؤسسات العربية، بينها: الرئيس الأول لاتحاد الكتاب العرب، ورئيس جمعية تطوير الموسيقى العربية، ورئيس مركز إعلام للمجتمع الفلسطيني في إسرائيل، ورئيس حلقة المبدعين العرب واليهود ضد الاحتلال ومن أجل السلام وعضو ادارة جمعية عدالة.

صدر له حوالي ثلاثين كتابـًا بينها كتاب باللغة العبرية وأربعة كتب للأطفال وخمس ترجمات عن العبرية. منها رواية: "أنت القاتل يا شيخ"، صدرت عام 1976، والقصص القصيرة والساخرة: خمس مجموعات، بينها: "خمارة البلد"، و "أبو العبد في قلعة زئيف"، و "كاتب غضب". كذلك يعتبر من رواد الأدب التسجيلي الفلسطيني : "وما نسينا أو سيرة الشيخ المشقق الوجه" (1983) عن النكبة والذاكرة الفلسطينية، و "هل قتلتم أحدًا هناك؟" (2000) سيرة ذاتية و "فلسطيني على الطريق"، و "أريحا، رحلة يوم وعشرة آلاف عام"، كما صدر له كتاب "آراء ودراسات في الفكر والفلسفة" وهو كتابه الأول (1971) وخمس مجموعات في النقد الثقافي والسياسي والاجتماعي.

كتب أربع مسرحيات: "المستنقع"، الناصرة ،1982 اخراج رياض مصاروة. "موال"، الناصرة ،1990، اخراج راضي شحادة. "هزة الغربال" الناصرة،1992، اخراج سليم ضو. "هبوط اضطراري"، القدس،1999 المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) اخراج مازن غطاس.
"الحياة فكرة مسرحية والمسرح تكثيف لفكرة الحياة، وأنا في هذه المسرحية لا أمثل شخصية خارجة عن فلسطيني مثلي تحمل ذاكرته حكايات التشرد والمعاناة ويسخر من هذا الواقع ليخفف من ألمها ومرارتها".
يجيب: "مساهمة متواضعة لإحياء ذاكرة هذه المدينة الفلسطينية التي كانت منارة ثقافية قبل النكبة، ولإعادة الحياة الابداعية العربية اليها مع مسرح "السرايا" ومجموعة رائعة من مبدعي يافا، بقيادة المخرج أديب جهشان الذي أمضي عقدين من حياته في خدمة المجتمع اليافاوي ويواصل عطاءه الابداعي تطوعـًا مع الآخرين".
يقول المخرج أديب جهشان، المدير الفني لمسرح السرايـا الفلسطيني ومخرج المسرحية: إنها تجربة جديدة ومثيرة أن تعمل مع كاتب على تمثيل نصه، وهو ليس ممثلا، وعندما قرأت النص واقترحت على سلمان ناطور بأن يقوم هو بنفسه بتقديم العمل، تردد لكن بعد المراجعة الأولى زاد إصراري وهو أخذ يتعود على الدور الجديد الذي يؤديه في حياتنا الثقافية، إنه لا يُـمثل شخصية أحد سوى شخصيته هو ككاتب يحمل رسالة، وشيـئـًا فشيئـًا يتقمص شخصياته التي تسكن في ذاكرته وإبداعه، إنه يحب هذه الشخصيات ويريدنا، أيضـًا، أن نحبها لأنها تعبر عن الصدق والبساطة والإنسانية وعمق التجربة المأساوية التي يعيشها الإنسان الفلسطيني.

ولد أديب جهشان في حيفا عام 1943، أقام فيها قبل أكثر من 30 عامـًا مسرحـًا عربيـًا (المسرح الناهض)، كان المحرك الأول لحركة مسرحية عربية فلسطينية امتدت في ما بعد إلى مدينة الناصرة، وتمتد لتتشعب إلى القرى والمدن العربية الأخرى. واليوم هناك عدد كبير من المسارح العربية منها "الميدان"، "الكرمة"، "جبينة"، "الغربال"، الجوال"، "اللجون"، "النقاب"، "ويضاف إليها مسرح "السرايا"، الذي أسسه أديب جهشان في مدينة يافا.
عمارة "السرايا" القديمة قائمة منذ العهد العثماني، وقد كانت ديوان حاكم المدينة وهي لا تبعد كثيرًا عن عمارة "السرايا" الحديثة التي فجرتها عصابة "الإيتسيل" الإرهابية عام 1947. عمارة "السرايا"، عبارة عن بناية من حجر تطل على ميناء مدينة يافا، وفي أحد أقسامها، أقيم متحف إسرائيلي، وفي القسم الآخر أقيم مسرح "السرايا" الفلسطيني. ولم يكن سهلاً تحريره من أيدي بلدية تل أبيب التي استولت على البناية.

وأنتج مسرح "السرايا" خلال عامين عدة أعمال مسرحية من بينها، "أيتام يافا"، "قمر غائم" من تمثيل وتأليف عماد جبارين، "ناطرين غودو" لبيكيت، "عنترة"، و"مفتاح القلب للأطفال". وفي مهرجان المسرح استضاف مسارح فلسطينية بينها المسرح الوطني الفلسطيني "الحكواتي"، وأما مهرجان السينما، فقد افتتح بفيلمي "الأرض تورث كاللغة" عن محمود درويش، و "لما زفوك"، عن أمهات شهداء تشرين أول/أكتوبر 2000 في الجليل والمثلث.


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018