إبراهيم الكوني العربي الوحيد بين 50 روائيا لتمثيل أدب القرن الـ21

إبراهيم الكوني العربي الوحيد بين 50 روائيا لتمثيل أدب القرن الـ21

اختارت مجلة «لير» الفرنسية الروائي الليبي ابراهيم الكوني عربياً وحيداً بين خمسين روائياً من العالم اعتبرتهم يمثلون اليوم «أدب القرن الحادي والعشرين»، وسمتهم «خمسون كاتباً للغد». طبعاً يستحق هذا الروائي الفريد أن يُدرج اسمه في هذه اللائحة العالمية، فهو استطاع أن يبهر قراءه الغربيين مثلما بهر قراءه العرب، ولقيت رواياته رواجاً في الترجمات الأجنبية يشبه رواجها في العالم العربي ان لم يكن أوسع منه. فالعالم الذي «بناه» هذا الروائي يقوم على التخوم الفاصلة بين الواقعي والمتخيل، وقد أشبعه ألواناً وظلالاً وسرابات استوحاها من عمق الصحراء التي سلبت منه المخيلة والكيان. وهذا العالم الذي تميّز به كان لا بد له من أن يغوي القارئ الغربي الذي يحن دوماً الى هذا الحيّز الصحراوي الطريف والغرائبي و»البدائي». لكن ابراهيم الكوني لم يعمد البتة الى كتابة نصوص «تغريبية» و»اكزوتيكية» سعياً منه الى اغراء القارئ الغربي. فهذا الروائي الذي يعيش حالاً من العزلة جعل من الكتابة أداة وجود وكينونة، ولم يشغله الوصول الى القارئ أياً يكن، عربياً أو غربياً. وعزلته دفعته أيضاً الى الابتعاد عن الأضواء والصخب الاعلامي، حتى بات من النادر جداً أن يُجري حواراً صحافياً أو يطل في برنامج تلفزيوني.

ابراهيم الكوني هو الثاني الأكبر سناً (57 عاماً) بين الروائيين الشباب الذين اختارتهم المجلة، وسبقه عمراً الروائي الكوري هوانغ سوكيونغ (62 عاماً) وقد يبدو كلاهما بمثابة والدين لبعض الروائيين الشباب من أمثال البريطاني أدام ثيرلويل (27 عاماً) والبريطانية زادي سميث (29 عاماً) وهذه من الأسماء الصاعدة بقوة. قد لا يجوز التساؤل عما «يفعل» الكوني أو الروائي الكوري بين هؤلاء الكتّاب الشباب، فالعمر لا حساب له في الأدب، وهناك أدباء كبار في السن أشد فتوة من كتّاب في مقتبل العمر. وما يمثله أدب ابراهيم الكوني هو في غاية الجدة في نظر القراء، العرب والغربيين، الذين لم يجدوا مثيلاً له، في أصالته وطرافته وعمقه. لكنّ ما يدعو الى التساؤل هو اختصار العالم العربي كله في روائي واحد فيما حظيت اسرائيل بروائي وايرلندا بخمسة وبريطانيا بثلاثة والمانيا بثلاثة أحدهما كردي يكتب بالألمانية هو شيركو فتاح (41 عاماً)، ناهيك بما حصلت أوستراليا والهند والولايات المتحدة الأميركية وسواها من الدول الحاضرة بشدّة.

وان كان ابراهيم الكوني يستحق أن يمثل الرواية العربية الحديثة في هذا الملف، فإن هذه الرواية – العربية – تستحق أن تمثلها أيضاً أسماء أخرى، ليس لأن العالم العربي يضم أكثر من عشرين دولة فحسب، بل لأن الرواية العربية هي «روايات» تختلف باختلاف الأمكنة والأجواء والتقاليد... ولا أحد يدري لماذا اعتبرت المجلة جيبوتي أفريقية فقط مختارة منها كاتباً فرنكوفونياً هو عبدالرحمن وابري وقد أسقطت عنه هويته العربية.

أما المعايير التي اعتمدتها المجلة فلم تكن مقنعة تماماً بحسب ما ورد في مقدمة الملف. هل يكفي أن يقرأ معدّو هذا الملف الكثير من الروايات العالمية المترجمة الى الفرنسية طوال أشهر ليتمكنوا من رصد المشهد الروائي العالمي؟ ثم ماذا يعني البحث عن الملامح الأولى لما يمكن تسميته بـ «الأثر» الأدبي، وكذلك البحث عن «الأسلوب» الذي يلفت للوهلة الأولى متضمناً «روح الشباب»؟ وتوضح المجلة أن «الشباب» هنا لا علاقة له بالعمر، فبعض الروائيين المدرجين في الملف بلغوا «سنّ النضج» ولهم حضورهم على «الخريطة» الروائية «المحلية». ويعترف معدّو الملف أيضاً بأن ما من «مدرسة» روائية جديدة تلوح في الأفق، فالصنيع الروائي غدا وقفاً على أفراد متفرقين في العالم، وعلى أعمال هي أشبه بـ «الجسور» التي تصل القارئ بالجهات الأخرى من الكون وبالماضي والحاضر والمستقبل. ولم تتوان المجلة عن تسمية هؤلاء الخمسين روائياً بـ «خمسين عظيماً غداً»، ورأت أن أعمالهم «تسبر أغوار عالمنا الراهن في طريقة مفاجئة وعميقة». وهؤلاء ينطبق على رواياتهم قول كونديرا: «في العالم الحديث الذي هجرته الفلسفة وجزّأته الاختصاصات العلمية، تبقى الرواية آخر مرقب نرى من عليائه كلية حياة الانسان». وهؤلاء، كما ورد في المقدمة، قادرون حقاً على ترسيخ التفاؤل ازاء أحوال الأدب في العصر الراهن، ومن خلالهم تتضح معالم المستقبل الروائي وهو مستقبل مشرق يتحرر فيه الخيال بعد طول انتظار.

ولعل فكرة «المكان» التي تركز المقدمة عليها هي فكرة صائبة جداً، المكان بصفته وطناً ومنفى، وبصفته أيضاً انتماء الى ثقافات مختلفة في آن واحد. في لندن مثلاً يعيش ويكتب الهندي هاري كونزرو والأنغلوجامايكية زيدي سميث والسريلانكي روميش غونيسيكيرا، وفي برلين يقيم بعض أهم الكتّاب الألمان، واحد من أصل هنغاري (زوسا بانك) وآخر من أصل كردي (شيركو فتاح). وفي نيويورك، «دائماً وأبداً» يجاور الايرلندي (كولم ماكان) ساكن الضواحي (ريك مودي) والهاييتية (ايدويدج دانتيكات). وأخيراً أوكسفورد حيث يجدد براد واتسون وتوم فرانكلين أدب الجنوب الكبير في ظل شبح فولكنر.

وتستبق المجلة أي رأي نقدي يتناول غياب بعض الجنسيات والبلدان ولا سيما فرنسا نفسها التي غابت تماماً، قائلة انها لا تتعامل مع مثل هذه الأمور الا من خلال المقارنة. فالتوازن يختل لدى المقارنة بين ثقافة مألوفة وثقافة أخرى يصنعها العالم وتنقلها الترجمة.

الا ان الملف جميل ومهم على رغم نقصانه، فهو يرسم خريطة حديثة جداً للرواية العالمية الجديدة والشابة. وقد لا يكون مجدياً ذكر الكثير من الأسماء التي لم ترد فيه، فـ «الاختيار» يظل «شخصياً» دوماً وربما «اعتباطيا»ً ما دام يخضع لذائقة شخص واحد أو لذائقة مجموعة من الأشخاص اتفقوا حول معايير معينة أو مقاييس.

ترى، لو عمدت احدى المجلات العربية الى اعداد ملف مماثل لهذا الملف، ولكن حول الرواية العربية الجديدة والروائيين الشباب، أي أسماء ستختار؟

لا جواب عن مثل هذا السؤال الا من خلال انجاز مثل هذا الملف، ولو أنجز لألقى ضوءاً على الأدب العربي الجديد الذي ما زال ملتبساً ان لم يكن على شيء من الغموض!



(الحياة)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018