"الصالون الأدبيّ" يسرد تطوّر الرواية الفلسطينيّة بالداخل كنصٍّ أدبيّ وتاريخيّ

"الصالون الأدبيّ" يسرد تطوّر الرواية الفلسطينيّة بالداخل كنصٍّ أدبيّ وتاريخيّ

د. جهينة خطيب: "التطور الحقيقيّ للرواية العربيّة في فلسطين 48 كان في مجال التقنيات السرديّة وخروجها من بوتقة المباشَرة"
د. منار مخول: "الروايات كنزٌ معرفيّ سوسيولوجيّ، تحكي الحقب التاريخيّة التي عاشها الفلسطينيّون في الداخل" 

نظّمت جمعيّة الثّقافة العربيّة، مساء الجمعة 12.10.2012، أمسية "الصالون الأدبيّ" حول الرواية العربيّة في فلسطين 48، حضرها عددٌ من الكتّاب والباحثين والمهتمين في الشأن الأدبيّ، وتناولت الأمسية مسارات تطوّر الرواية، كنصٍ أدبيّ وكوثيقة تاريخيّة تعبّر عن مكنونات الهويّة وتحوّلاتها، في سياق الفلسطينيّين في الداخل.

في بداية الأمسية، رحّب إياد برغوثي، مدير المشاريع في جمعيّة الثّقافة العربيّة، بالحضور وقال إنّ لهذه الأمسية من "الصالون الأدبيّ" طابعا خاصا إذ أنّها لا تتركّز حول إصدار بعينه، بل تحاول فهم مسيرة تطور الأدب الروائيّ الفلسطينيّ في الداخل، ضمن مجمل مسار تشكّل الهويّة والثّقافة الفلسطينيّة، من خلال استضافة باحثَين شابَين بحث كل منهما هذا الأدب من زاوية تخصصّية مختلفة.

وقبل تقديمه للمحاضرين، تحدّث عريف الأمسيّة، الروائيّ والشاعر علاء مهنا، عن أهمية خروج الخطاب الأكاديميّ من الجامعة ولقائه مع الكتّاب في الساحة الأدبيّة، لأنّ النقد هو من أهم سبل تطوير الحركة الأدبيّة.

أدب مُغيّب

في مداخلتها، تحدّثت د. جهينة خطيب، المحاضرة في كلية سخنين، عن بحثها حول تطوّر الرواية العربيّة في فلسطين 48 (1948-2012)، وقالت إنّها اكتشفت، خلال دراستها للدكتوراه في جامعة اليرموك الأردنيّة، أنّ الأدب العربيّ في فلسطين 48 مغيّب تمامًا، باستثناء أعلام أدبيّة بارزة  من الجيل الأول، ورغبت في فهم سبب هذا التغييب، وسعت إلى إعداد دراسة تأسيسيّة تجمل النتاج الأدبيّ الروائيّ في فلسطين 48، تكمل ما سبقها من دراسات تأسيسيّة وتمهّد لأبحاث جديدة حوله، وتستعرض مدى تطوّر الرواية العربيّة من الناحية المضمونيّة والسرديّة الأسلوبيّة.

وتحدّثت د. خطيب حول الاختلاف بين الرواية الفلسطينيّة قبل نكبة 1948 وبعدها، كما شرحت الأسباب التي أشار إليها الكتاب الذين حاورتهم حول الأسباب المختلفة لعدم وصول الرواية المحليّة إلى العالم العربيّ، وكيف أنّ معاناة أدباء الداخل هي جزء من معاناة شعبهم جرّاء الظروف السياسيّة القاهرة التي يعيشها، وقالت إنّ الرواية هي أرشيف لهذه المعاناة.

اتجاهات فنيّة وتطوّر في السرد

وحدّدت د. خطيب الاتجاهات الفنيّة في الرواية العربيّة في فلسطين 48؛ الاتجاه الواقعيّ السياسيّ، الاتجاه الرومانسيّ، الاتجاه التهكميّ، والاتجاه النفسيّ، والاتجاه النسويّ، واتجاه السيرة الذاتيّة، كما تطرّقت إلى ظاهرة كتابة الكتّاب العرب باللّغة العبريّة.

وقالت د. جهينة خطيب إنّ التطور الحقيقيّ للرواية العربيّة في فلسطين 48 كان في التقنيات السرديّة، حيث كان الأدب في البداية أدبًا مباشرًا "يلهث وراء الأفكار" وتغيّر تدريجيًا من خلال الخروج من بوتقة المباشَرة، وتنوّعت الصيغ السرديّة لتشمل السرد الذاتيّ وتعدّد الأصوات والاسترجاع وما إلى ذلك.

الأدب كمصدر معرفة بديل عن الهويّة

في بداية مداخلته، تحدّث د. منار مخول، منسق التحشيد والمناصرة في مركز بديل (بيت لحم)، الحاصل على شهادة الدكتوراه في الدراسات الشرق أوسطية من جامعة كامبريدج-المملكة المتحدة، عن منطلقاته البحثيّة والمعرفيّة السوسيولوجيّة-السياسيّة لتناول مسألة الهويّة من خلال الأدب، كطريقة عمل بديلة للمعرفة الموجودة عن الفلسطينيّين في الداخل، وعن قراءة وبحث الرواية كنصّ تاريخيّ وليس كنصِّ أدبيّ، وقال إنّه بحث 61 رواية من أصل 75، كتبت منذ العام 1948، متجاوزًا "الكانون" (مجموعة الخيرة) ليشخّص بشكل شمولي، من خلال تحليل جميع النصوص، كلّ أطياف الخطاب.

كما أكّد الغنى العظيم الموجود في الرواية الفلسطينيّة في الداخل عن الحياة والمجتمع والفكر السياسيّ فاق بأضعاف توقعاته كباحث، معتبرًا الروايات كنزًا سوسيولوجيًا ومعرفيًا.

ثلاث مراحل وتحوّلات في الهويّة

واستعرض د. مخول استنتاجات بحثه، حيث قسّم الفترة منذ 1948 إلى ثلاث حقبٍ تاريخيّة وروائيّة، المرحلة الأولى من 1948-1967، مرحلة الحكم العسكريّ، والتي تبدأ مع روايات "عن مذكرات لاجئ" (أو حيفا في المعركة) لتوفيق معمّر، التي تعبّر عن بقايا الخطاب القوميّ الفلسطينيّ وتقرير المصير والحق على الأرض، وعن مأساة تهجير حيفا كتدوين تاريخيّ، ولكن في أواسط الستينيات نشهد خطابًا فلسطينيّا "حداثيّا" بقالب صهيونيّ يسعى للاندماج في المنظومة الصهيونيّة، رغم علاقات القوة والظلم التاريخيّ، مما يطمس الهويّة الفلسطينيّة، وسرعان ما انكسر هذا الخطاب في أواخر الستينات.

المرحلة الثانية 1967-1987، بعد محاولات التأقلم حدث فسخ بين المركب الصهيونيّ والمركب الحداثيّ، وروايات سنوات السبعينيات هي ردّة فعل على هذين الخطابين، وهناك مجموعتان من الروايات: الأولى هي روايات المحو المضاد، حيث تدور أحداثها في فضاء إسرائيليّ (مدن يهوديّة) لكن بدون وجود أي شخصية يهوديّة أو موجودة لكنها مهمّشة تمامًا، محو الآخر كان بهدف محو خطابه كردّ على محو الفلسطينيّ وتطهيره العرقيّ وطمس وجوده وتاريخه، كما محوه الفكريّ الإبستمولوجيّ.

بالنسبة لمركب الحداثة، كان هناك تفاوت بالنسبة لردود الفعل على خطاب الحداثة، بعض الكتاب حاول ملاءمة فكرة الحداثة للسياق الفلسطينيّ وعرض إيجابياتها، وأخرى حكت عن سلبيات الحداثة مثل رواية "الجثة المجهولة". جانب آخر من مميزات المرحلة الثانية، هي روايات تميّزت بالصدام التام مع الفكر الصهيونيّ ومكانة الفلسطينيّ في الداخل وبمواجهة معضلة ازدواجية الهويّة.

المرحلة الثالثة 1987 حتى الآن، كان للانتفاضة الأولى ولاتفاقية أوسلو بعدها أثر كبير على الفلسطينيّين في الداخل، أدّيا بهم لإعادة النظر في مسائل عديدة متعلقة بهويتهم ومواقفهم الوطنيّة والسياسيّة. ركّزت خلالها روايات الفولكلور على أحداث النكبة وآثارها الماحية للهوية والوجود الفلسطيني، وأنهت الحيرة المتجسدة بالهوية المزدوجة/المتناقضة، مكثفة لهويتها، وتاريخها، وثقافتها الفلسطينية.

بعض الروائيين رأى أهمية سرد نضال الفلسطينيين تحت الاحتلال، مدوّنين في رواياتهم قصص الانتفاضة ونضال الفلسطينيين للحرية. هدفت روايات الانتفاضة أن تعيد الصلة، والتواصل، بين جميع الفلسطينيين في كل أنحاء العالم، ووحدة صراعهم ومصيرهم. وبينما كان الخطاب الحداثي في السابق يشدّد على الفردانية، فإن الخطاب الحالي يعكس جماعية الهوية الفلسطينية. كلتا المجموعتين (الفولكلور والانتفاضة)، بالنتيجة، تعبّران عن الإغتراب (alienation) الفلسطيني في داخل الخط الأخضر والبحث عن حلول لهذا الاغتراب في الماضي والحاضر الفلسطيني. وهنالك مجموعة ثالثة من الروايات التي لا ترى حلاًّ في الماضي أو عبر الخط الأخضر، إنما تعكس غربة الفلسطينيين في الداخل وحيرتهم بالنسبة لمستقبلهم، لكن الخطاب في هذه الروايات أيضا هو جماعيّ فلسطينيّ.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018