أبديّة الفكرة بين مدينة الجبل والرّمل المتحرّك في رواية "أهل الجبل"

أبديّة الفكرة بين مدينة الجبل والرّمل المتحرّك في رواية "أهل الجبل"

'أهل الجبل'، هي رواية للكاتب والأديب المقدسيّ إبراهيم جوهر، والتي تقع في مئة وأربع وستين صفحة من الحجم المتوسط، صاغها الكاتب بلغة رصينة ومتماسكة وألفاظ جزيلة غنية، واستحدث أو عرّب مفردات لم نعهدها من قبل مثل 'أسمست' ص9 (أي بعثت رسالة س.م.س) ما يغني النّصّ ويجعل اللّغة مائيّة متطورة، كما واستخدم بعض الكلمات الشعبيّة القريبة والدّارجة ك 'البصلة المحروقة' ص53، 'الحجر مطرحو قنطار' ص90.

ندرك من الوهلة الأولى ومن خلال الإهداء، أنّ الرّواية تحمل طابعًا إنسانيًّا قريبًا إلى السّياسة، فهو يقدّم الرّواية إهداء لروحي الطّفلين، محمّد دودين، ومحمد أبو خضير، وإلى أرواح شهداء مجزرة رمضان 2014، كما لم تخلُ الرّواية من مشاهد وأحداث عاشها الشّعب الفلسطينيّ.

إحسان موسى أبو غوش

يجول بنا الكاتب في رحلة استكشافية، بين أزقة التناقضات المكانية والحياتية، إن جاز التعبير، هنا التناقض كلّه، الطيبة مقابل التوجس والشّكّ، هنا أناس يمثلون الوطن بكل تناقضاته' ص18، وبين زنقات مفارقات الخليل ورام الله، الجبل والرمل المتحرك، و'ما الذي يجمع اليانسون بالقهوة' ص85، باحثًا عن حقيقة إنسان الجبل والمكان. تجوال يذكرنا ب 'هكذا تكلّم زرادشت' لنتشيه، و'النبي' لجبران خليل جبران، لكنْ كلّ يبحث عن الحقيقة من منظور آخر.

صولات وجولات تحمل في طيّاتها أسئلة لا تخلو من العمق الفلسفيّ، 'ما أثر البيئة على إنسانها؟'، 'وما سرّ صلابة ابن الخليل وطبيعته؟' ص15، و'هل للمكان امتداد في إنسانه' ص16. أسئلة تحتاج إلى فحص وتمحيص واستقراء وقد لا نصل إلى إجابة واحدة ووحيدة.

الخليل 'وكل واحد منا له خليله' رمز العنفوان والأصالة، راسخ رسوخ الجبل الصامد الذي لا تشوبه شائبة، هكذا يراه الرّاوي 'هنا الخليل، هنا الناس وعنفوان الرجال' ص18، خليل اللغة، والتراب والأرض والهواء والتاريخ' نهتم بالتراب... نخلطه مع بعض الأطعمة... الجبل يفرض هويّته وعبقه على الإنسان... ومن ينسجم مع لغة الجبل ويفهمها يواصل بقاءه...' ص27، وإنسان الجبل يمتاز بالكرامة والتحدي والقدرة على الانتقام والإهانة،  بينما رام الله مدينة تتورم بسرعة، كما أنّها فقدت هويّتها، عايشها سعيد الظافر ابن الجبل وأدرك أنَّ عليه التكيّف مع مدينة عصريّة تأكل أبناءها، وتعلُمَ لغتها الخاصّة، إسمنتيّة خالية من خضرتها المرئيّة والمجازيّة، تبحث عن هويّتها بين أوراقها المتناثرة 'المدينة نفسها تبحث عن ذاتها' ص155، مدينة الرّمل المتحرّك، بيد أنّ رملها يختلف عن رمل غزة فـ'الرّمل الغزيّ يدري طريقه، يكون سائرًا ويصير قبرًا...' ص128. وبين الخليل ورام الله يقبع هذا الحاجز الذي يفصل بينهما، بين نقيضيْن وقد يتكوّن كلّ نقض من نقيضيْن آخريْن.

نستطيع أن نستشفّ من خلال ايماءات الكاتب أنّه يميل إلى حياة الجبل والخليل أكثر ممّا يميل إلى حياة الرّمل المتحرّك، ويبقى السّؤال ماذا عن الوسطيّة؟! ماذا عن احتضان الإيجابيّات من كلا العالميْن؟!

وفي ظلّ هذه التّناقضات، تخرج الفكرة التي لا تموت فهي أبديّة تنمو وتتوالد تظهر بأشكال مختلفة لكنّها تبقى أصلانيّة، إنّ تسليط الكاتب الضّوء على الفكرة الأبديّة يذكرنا بالمثل الأفلاطونيّة التي هي أصل النسخ المستمدة منها 'الفكرة لا تموت... تبقى تشرب من النبع ذاته' ص82.

ويشير الكاتب إلى موضوع فلسفيّ جدلي نوقش على مرّ العصور والأزمنة، وهو موضوع 'تناسخ الأرواح'، والذي ذكره الكاتب في سياق الحديث عن المكان والتشبث به وعلاقة الإنسان به، 'هل يمكن أن يكون (تناسخ الأرواح) حقيقة!! أم ترى الأمر اتّحادًا روحيًّا تواصل على امتداد التاريخ والجغرافيا والمزاج...' ص79. موضوع الرّوح أثار جدل الفلاسفة ورجال الدين فهناك من أنكر وجودها وهناك من أوجدها بطرق مختلفة (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) كما أنّ '(الوطن) هو الرّوح التي تسكن الوطن، لا حياة بلا روح، ولا حياة بلا وطن' ص142.