إطلاق "معهد دراسات الثقافة العربية في الفنون البصرية، والتصميم والعمارة"

إطلاق "معهد دراسات الثقافة العربية في الفنون البصرية، والتصميم والعمارة"

عقد في مدينة الناصرة مؤتمر "التبعية الاستعمارية، السياسة والهوية في الثقافة الفلسطينية"، يوم الخميس الماضي، لإطلاق مبادرة إقامة "معهد دراسات الثقافة العربية في الفنون البصرية، التصميم والعمارة".

وافتتح المؤتمر عضو اللجنة الاستشارية للمعهد د. حسني خطيب شحادة، حيث أكد أن اختيار الناصرة لم يكن بمحض الصدفة وإنما خطوة مستمدة من عنوان المؤتمر، مشددا على أن الناصرة مدينة مهمشة ومطموسة سياسيا، اجتماعيا وتاريخيا، مما يجعلها شاهدة على سيرورة فرض الهيمنة والتبعية على المستوى اليومي، لافتا إلى أن إطلاق المعهد من قلب البلدة القديمة جاء ليؤكد وعي القائمين عليه لهذه السيرورة، وأهمية محاولة تفكيكها وبناء سيرورة جديدة. 

وقال صاحب المبادرة لتأسيس هذا المعهد، البروفسور سنان عبد القادر، في سياق مداخلته الافتتاحية في المؤتمر، أن الفكرة بدأت تجول في خاطره منذ رجوعه من خارج البلاد بعد أن أنهى تعليمه الأكاديميّ في ألمانيا، حيث صدمته بدايةً مسألة انفصام العمارة وتخطيط المدن عن الهوية العضوية المحلية.

وأوضح أنه قبل ثلاث سنوات بدأ يتحاور مع إدارة كلية "بتسلئيل"، حيث يحاضر في مجال العمارة، وتحديدًا في وحدته "العمارة غير الرسمية"، بشأن ضرورة إقامة منبر لنقد وتفكيك المنظومة المعرفية المهيمنة وبناء منظومة تعتمد زخم وتراكم الثقافة العربية عامة والفلسطينية خاصة.

وأكد رئيس "بتسلئيل"، البروفسور عدي شتيرن، في تحيته للمؤتمر، دعمه لهذا المشروع قائلًا: "أنا أؤمن إيمانا شديدا بهذه الخطوة. إنها خطوة غير بسيطة، وليست أولية ولا مفهومة ضمنا. ثمة تحديات كبيرة تنتظرنا، ولكنني أعتقد أنه هذا واجبنا كأكاديمية فنون وتصميم. علينا أن نكون مقدامين".

 وأشار عبد القادر إلى أن "أكاديمية بتسلئيل قائمة منذ 113 سنة وهذا هو أول معهد دراسات يقوم بين جدرانه، وهو معهد عربي سيضع الثقافة العربية في صلب عمله لتفكيك المنظومة الاستعمارية".

وأضاف أن "هذا بالطبع واحد من عدة أوجه للنضال في سبيل التحرّر، ولكنه مهم جدًا؛ واجبنا أن نتيح للطلاب العرب وغيرهم المجال لتناول والإنتاج في مجالات الفنون البصرية، التصميم والعمارة من خلال خطابهم المستقل، اعتمادا على ثقافتهم العربية كمرجع. وهذا يتجلى في كون لغة المعهد الرسمية، وكذلك لغة المؤتمر اليوم، لغتنا العربية".

وفي السياق نفسه أكد المؤرخ البروفسور محمود يزبك، في تحيته، ريادية هذه الخطوة في الحيّز الأكاديمي العام، وأشار إلى أن المؤسسة الأكاديمية في إسرائيل غير قادرة بعد حتى على استقبال نشاط صغير يحمل عنوان المؤتمر.

كما حيّا المؤتمر نائب رئيس أكاديمية بتسلئيل د. يوفال كارنيئيل، فاعتبر هذه الخطوة بمثابة الرد المناسب على "قانون القومية" الإسرائيلي.  

وفي ختام مداخلته الافتتاحية دعا عبد القادر أعضاء اللجنة الاستشارية، التي تقود إلى جانبه عملية تأسيس هذا المشروع، وقال إنه كان واضحًا له منذ البداية أنه لا يمكن تأسيس مثل هذا المعهد من دون مشاركة كوكبة من الفنانين والمثقفين العرب. 

التبعية الاستعمارية في ثلاثة مجالات مختلفة

وتعامل المؤتمر مع موضوعة التبعية الاستعمارية من خلال ثلاث جلسات بحثت المصطلح وإسقاطاته على الهوية من خلال رؤية باحثين وناشطين في ثلاثة مجالات مختلفة.

في الجلسة الأولى حول العمارة، التي أدارها الكاتب إياد البرغوثي، تناولت الباحثة يارا السعدي "البلدة التحتا" في حيفا كنموذج للبحث في مفهوم التبعية ومحو الهوية وتبعاتها على التخطيط والعمارة.  وتلاها د. توفيق دعادلة حيث تناول حالة مدينة اللد ليبين المعضلة التي يعيشها كباحث أمام منظومة الهيمنة والاستعمار والتي وصفها بأنها "حجر الرحى"، أو الطاحونة، التي ما زال يرزح تحتها بثقل.

واختتم الجلسة عبد القادر بالحديث عن الفرق بين تخطيط المدينة الحديثة وبين التطور التوافقي للمدينة، بين العمارة كأداة هندسية وبين العمارة كتعبير عن الذات، والتفاعل مع الأرض والآخر. كما ألقى الضوء على التشويهات التي تسببت بها الهيمنة الاستعمارية، وبالتالي التساؤلات التي أدت به إلى المبادرة لإقامة المعهد.

وافتتحت الجلسة الثانية، التي أدارتها قيمة المعارض رلى خوري، الفنانة التشكيلية منار زعبي حيث تحدثت عن العلاقة بين السياسة والعمل الفني وتطرقت إلى السلطوية التي "تتجلى بكثير من الأشكال بدءًا من الأكاديمية التي تضع قوانين المسموح والممنوع، وانتهاءً بالأوصياء على أنواعهم من نقاد ومعلمين". وتحدثت عن تجربتها كرافضة لفكرة الهيمنة التي تتجسّد عادة بموقعتها ضمن تعريفات معينة، ومن ثم عرضت عمل "خطاب المصعد" الذي كان رد فعل على محاولة محو اللغة العربية وعبرت من خلاله عن رفض الهيمنة التراتبية بأنواعها.

وتلاها الكاتب علاء حليحل حيث تحدث عن الرموز العسكرية مثل الطائرات، الدبابات والجرافات التي تشكل برأيه جزءا مهما من الهوية الفلسطينية المعاصرة. ومن خلال تحليل استخدام هذه الرموز في أعمال ثلاثة فنانين فلسطينيين معاصرين، فريد أبو شقرة، فؤاد إغبارية وعيسى ديبي، حاول أن يؤكد على أن الرمز العسكري، وهو أداة للاستعمار الإسرائيلي، يتحول إلى جزء من هوية الفنان الفلسطيني في الداخل، برغم أنه لا يعرفه عن قرب وإنما عبر إخوانه في المخيمات التي يتم قصفها يوميا.

واختتم الجلسة د. حسني خطيب شحادة في عرض تاريخي لتطور الفن الفلسطيني وتأثره من التراكم الحضاري منذ الآراميين والأشوريين وغيرهم، مرورًا باليهودية، المسيحية والإسلام.

وافتتح الجلسة الأخيرة، التي أدارها الأستاذ الجامعي د. نديم كركبي، الباحث صالح دباح حيث تحدث عن مراحل تطور السينما الفلسطينية من خلال عرض نماذج من سنوات الأربعين ومن ثم من فترتي النكبة والنكسة، وصولًا إلى الفترة الراهنة، وتطرّق إلى شخصية الإنسان الفلسطيني في السينما.

واختتم الجلسة الكاتب والناقد راجي بطحيش، حيث تمحورت محاضرته حول التفاعل بين المهيمن والمستضعف، كما يظهر في السينما الفلسطينية المعاصرة وفي نصوص لقيمين إسرائيليين لمعارض فنانين وفنانات فلسطينيات. كذلك تحدث عن محاولة الإسرائيلي كمهيمن أن يعرض نفسه كحالة طبيعية بينما يعرض الآخر كحالة بحاجة لعلاج. ومن خلال عرض نصوص لقيمين على معارض أظهر كيف تكون هناك محاولات واعية وغير واعية لفرض خطاب المهيمن ولفرض تعريفات معينة.

واختتم المؤتمر بنقاش بين جمهور الحاضرين والمشاركين في تقديم المداخلات. وتطرّق النقاش في جانب منه إلى مجموعة أسئلة وتحديات لا بدّ من أن يتناولها المعهد كجزء من مسيرته البحثية.