بيروت: عرض فيلم يُناقش قضية المختفين منذ الحرب الأهلية

بيروت: عرض فيلم يُناقش قضية المختفين منذ الحرب الأهلية
مشهد من الفيلم

عُرض فيلم "طرس... رحلة الصعود إلى المرئي"، لمخرجه اللبناني غسان حلواني، خلال مهرجان "ما بقى إلا نوصل" لقضايا حقوق الإنسان والهجرة، والذي انتهى أمس الأحد بعد أن امتدت فعالياته على مدار ثلاثة أيام، في سينما "متروبوليس أمبير صوفيل" في بيروت.

ويركز الفيلم على قضية لا زالت تؤجج مشاعر اللبنانيين بعد انتهاء الحرب الأهلية التي دمرت البلاد على مدار عقدين من الزمن، وهي قضية المخطوفين والمختفين قسرا، ما دفع المخرج لإثارتها سينمائيا.

ويقدم حلواني الفيلم معتمدا على السرد والتوثيق بأسلوب غير تقليدي بعيدا عن العاطفة والابتزاز لقضية شائكة ترتبط بالذاكرة الجمعية للبنانيين ولم تُحسم بعد رغم صدور قانون في تشرين الثاني/ نوفمبر الماض، يُتيح كشف حقائق الإخفاء والخطف ومحاسبة المسؤولين عنهما.

الفيلم الفائز بثماني جوائز في مهرجانات كبرى مثل لوكارنو وقرطاج تكمن أهميته في اشتغال حلواني على أرضية بصرية تجمع بين الوثائقي والتجريبي مع إعلاء شأن القيمة الفنية للعمل.

واختار حلواني لغة شفافة كما رسوماته المتحركة التي تظهر في الفيلم ليخلق من ملف سياسي وإنساني قاس جمالية تحفر في ذاكرة اللبنانيين الجماعية، وحساسية مرهفة تجاه قصص بشر "ما زالوا أحياء على سجلات القيد الرسمية في لبنان" كما يؤكد الفيلم.

ويبني حلواني فيلمه على عناصر موجودة وغير موجودة، مرئية وغير مرئية، لها بداية وليس لها نهاية. وينطلق من رسم لصبية وشاب بلا ملامح واضحة كأنهما هنا وليسا هنا، يمشيان ولا يصلان إلى مكان محدد.

ثم يدور حوار بين المخرج ومُصور صحافي نسمع صوتهما فقط على خلفية صورة فوتوغرافية ثابتة وهما يتحدثان عنها لكن الصورة أيضا غير واضحة لأن حلواني أراد أن يجردها من شخص نفهم لاحقا أنه اختُطف ولا يزال مختفٍ، ومن عنصرين تابعين لإحدى ميليشيات الحرب الأهلية اللبنانية هما أيضا مختفيان وهو "ما يخفي الجريمة" كما يرد على لسان المخرج في المشهد.

وهنا تبدأ الحكاية الرسمية والشائكة لحوالي 17 ألف مفقود ومخطوف في لبنان خلال الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990.

ويعتمد الفيلم في كثير من مواده على دلالات ورموز منها الصورة التي حصرت فيها قضية المفقودين، فبعدما كانوا بشرا يضجون بالحياة ولهم عوالم خاصة وأقارب وعائلات ومنهم من كان مناضلا أو شخصا عاديا قرر الامتناع عن تعاطي السياسة، أصبحوا بقايا صور.

في عملية البحث في "معالم الجريمة" كما يسميها حلواني، يذهب الفيلم إلى مشاهد بطيئة ومتكررة من التنقيب عن مفقودين عُلّقت صورهم في الماضي على جدران قديمة في بيروت، فيختار المخرج أن يحمل ريشة وملقط ويقرر البحث عن صور هؤلاء تحت ملصقات وصور دعائية متراكمة بحكم السنين، جدران متروكة لمئات الصور فوق بعضها، ينزع حلواني أوراقها بهدوء وإتقان واحدة تلو الأخرى كأنه ينقب في طبقات جيولوجية عميقة ليكتشف الحقيقة.

هذه المشاهد تحيل المشاهد إلى المقابر الجماعية التي يتناولها الفيلم والتي اختفت هي أيضا إما بفعل فاعل أو مع تغير معالم المدينة، مثل مقبرة جماعية في مكبّ للنفايات وأخرى بُني عليها ملهى، أو بفعل الزمن.

وقال حلواني الذي اختُطف والده في عام 1982 وتابع مسار القضية وتشعباتها منذ البداية من دون أن يدخل الفيلم في قصته الشخصية، إن "الفيلم جاء نتيجة ضرورة إذ لم أعد قادرا على الصمت وعلى مشاهدة قضية تكبر من دون أن تنتهي، وتُمحى من ذاكرة الناس شيئا فشيئا".

وأضاف أن "طمس الحقيقة وكذبة السلم الأهلي الذي تعيش فيه بيروت اليوم، كان يؤلمني. الكذبة تأكل يوميا من ذاكرتي التي ترى بيروت تتغير معالمها ويعاد ترتيبها وإعمارها على أنقاض ضحايا ومقابر جماعية وحرب لم تجر فيها مصالحة".

وشمل المهرجانالذي تنظمه مؤسسة "هاينريش بل" الألمانية المستقلة في بيروت 11 فيلما من دول عربية وأجنبية تتقصى وقائع الهجرة وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط والعالم.

 

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية