حوار خاص: سهى عراف تمثّل فلسطين في مهرجان فينيسيا

حوار خاص: سهى عراف تمثّل فلسطين في مهرجان فينيسيا

فيوليت، جولييت، أنطوانيت، وبديعة، هن الشخصيات الرئيسية في "فيلا توما"، الشريط الروائي الطويل الأول لإبنة قرية معليا، كاتبة السيناريو والمخرجة سهى عرّاف. في شريطها الأول والذي صورته بين حيفا ورام الله، تقدم عرّاف قصة عائلة فلسطينية مسيحية أرستقراطية تسكن في مدينة رام الله. تتكون العائلة من ثلاث أخوات فاتهنّ قطار الزواج، ويهربن من واقعهن تحت الإحتلال الى الماضي. تتغير مجريات حياتهن الرتيبة حين يستقبلن ابنة أخيهم اليتيمة التي نشأت في دار للأيتام في منزلهن الكئيب، وسط تفاعلات درامية، تطرح من خلاله المخرجة جانبا من الجوانب الحياتية والإجتماعية للفلسطينيين مسيحيي الضفة الغربية، بما فيها قضية الزواج المتأخر، والقهر الطبقي، والزواج المختلط تحت واقع الإحتلال.

 كان لفصل المقال مع عرّاف هذا اللقاء:

كيف كانت تجربتك الأولى في إخراج فيلم روائي طويل، بعد تجاربك ككاتبة سيناريو، وبعد أفلامك الوثائقية التي قمت بإخراجها، علما أنك لم تدرسي الإخراج في معاهد أكاديمية

لا شك أن خبرتي ككاتبة سيناريو لأفلام روائية طويلة (شجر الليمون، العروس السورية) أتاحت لي فرصة التواجد بموقع التصوير إلى جانب المخرج عيران ريكليس الذي أحترم مسيرته، راقبت العملية الإخراجية عن كثب، وتعلمت من تجربة ريكليس بإدارة الممثلين وتوجيههم، وكذلك أخرجت أفلامًا وثائقية عديدة ك"نساء حماس" وغيرها، وكوني كاتبة سيناريو في الأساس،عزّز لديّ الأبعاد بصريّة والتخيّلية لشكل الكادر واللقطة السينمائية وموقع التصوير، لدرجة أن الفنيين الذين تعاونوا معي تفاجأوا من درجة التدقيق في التفاصيل المكتوبة في السيناريو، وبالتأكيد استفدت كثيرًا من خبرة الطاقم الذي عملت معه في الفيلم من مصورين وقائمين على المونتاج ، وكان الفيلم بالنسبة لي تحديًا كبيرًا لأنه مصور تقريبًا في موقع واحد، ما يلقي على المخرج مسؤولية أكبر لخلق ديناميكية وتوتر على الشاشة في موقع تصوير واحد.

كيف بدأت قصة الفيلم في ذهنك؟

 بدأت الفكرة عندما كنت مراسلة وأنوي تحضير تقرير عن مدينة رام الله وتأثيرات اتفاقية أوسلو على المدينة، وعندها نصحني رئيس البلدية آنذاك بزيارة فندق كانت تديره مدام عودة، والذي أغلق منذ حرب ال1967. فوجئت أن امرأة جميلة عزباء، تسكن لوحدها في الفندق المهجور، غرفة مغلقة ولا زال أثاثها القديم كما هو، مغطى بشراشف بيضاء، ومن حوله شموع ، بدت لي وكأنها تحيا في كبسولة زمنية تجمد فيها الوقت ، مستذكرة أمامي كبار الضيوف الذين حلوا على الفندق، كالملك حسين وفاتن حمامة وغيرهما من الشخصيات المعروفة،  واحتوي أرشيفها على صور ولقطات فيديو قديمة تعكس رقي تلك الفترة. ومنذ ذلك الوقت حفرت في ذهني صورة تلك المرأة التي تعيش على ذكريات الماضي عازلةً نفسها عن محيطها، وأتيحت لي الفرصة مؤخرًا باستلهام شخصيتها، ومناخ معيشتها وتنفيذه سينمائيا في "فيلا توما".

هل كان اختيار العائلة المسيحية اعتباطيا أم كان من ورائه دوافع مقصودة؟

احتوت مدينة رام الله في تاريخها الحديث على نسبة كبيرة من الطبقة الأرستقراطية بمسيحييها ومسلميها، إلا أنّ نسبة هجرة المسيحيين بعد الحرب زادت وتحولوا إلى أقلية بعدما  كانت المدينة ذات أغلبية مسيحية في وقت من الأوقات، لذا قررت تسليط الضوء على هذه الشريحة التي قلما تم التطرق إليها في السينما الفلسطينية التي تناولت كثيرًا الإحتلال المباشر والجدار واللاجئين، في فيلمي أعرض جانبا آخر لحياة الفلسطينيين في الضفة تحت الإحتلال.

هل ترين أن من واجب المرأة المخرجة أن تطرح قضايا نسوية وتتطرق فقط لقضايا المرأة في أفلامها؟ وما رأيك بتجارب المخرجات النساء في العالم العربي وهل تحتذين بهن؟

لا أراه واجبًا بقدر ما أرى أنه من الأسهل علي كامرأة أن أكتب عن النساء، مع أني قمت بكتابة  قصص عن رجال، لكن قدرتي على تناول تفاصيل حياة المرأة هي أعمق وأصدق. أحترم تجربة إيناس الدغيدي ونادين لبكي ولكلتيهما جانب نسوي في الطرح، وأقدر تجربة الدغيدي تحديدًا والتي أعتبرها محاربة، لأنها بدأت بإخراج الأفلام في ثمانينات القرن الماضي إذ كانت من الطلائعيات هي ونادية حمزة وأسستا لموجة سينما المرأة، وتحترم لأنها فرضت نفسها وسط مجتمع عربي ذكوري . مع احترامي لتجاربهما، إلا أن نوع السينما التي أطمح أن أصنعها مختلف، وأسعى لأن أترك بصمة خاصة لي ترضي قناعاتي الفنية والفكرية.

بأي نوع سينما تأثرت سهى عرّاف؟

أكنّ عشقا وتقديرًا كبيرًا للسينما الإيطالية التي تعود لعقدي الستينات والسبعينات، وكذلك الأفلام المصرية القديمة إذ زادها الأبيض والأسود رقيّا وجمالا، لذا خرج فيلمي "مرحليّ"  يستنشق بقايا الأوج الثقافي الذي عشناه القرن الماضي، وتبدو الشخصيات في فيلمي وكأنها خارجة من ذلك الزمان المكان.

كيف تم اختيارك للممثلات الرئيسيات؟

كلهنّ صديقاتي وكلهن موهوبات وصاحبات خبرة وتجربة حياة، سواء على المستوى الفني أو الإنساني. أصريت أن يكن متقاربات شكلا وسنّا، وكنت أدرك مدى أهمية وجود نسرين فاعور دونًا عن سواها في شخصية جولييت، وعلا طبري صديقتي منذ أيام الدراسة الجامعية ولها بصمتها وطابعها الخاص والمتميز في التمثيل، وشيرين دعيبس صديقتي، التقيت بها في عدة مهرجانات كمخرجة واقترحت عليها التمثيل، وتجاوبت معي رغم انشغالها بفيلمها الأخير وأقدر تعاونها معي جدًا. أما الموهبة الجديدة ماريا زريق فقد كانت مفاجأة، إذ كان لدي صعوبة في إيجاد فتاة ذات ملامح تعتريها البراءة والسذاجة، وفي نفس الوقت يغلب عليها الإحساس بالقمع والخوف. وعدا عن الممثلات أنا فخورة بكل طاقم العمل، واستمتعت كثيرًا بالعمل مع هذه المجموعة من الأشخاص.

هل تتوقعين هجومًا من الإعلام الإسرائيلي على "فيلا توما" الذي يمثل فلسطين في المحافل الدولية، مع العلم أنّ جزءا كبيرًا من ميزانيتة مصدره من صندوق إسرائيلي؟

أتوقع الهجوم في جميع الأحوال ولا أعير لذلك اهتماما، وما أشدد عليه دائمًا هو أن هوية الفيلم هي هوية المخرج، وفيلمي مدرج تحت اسم فلسطين لأني فلسطينية، وقوانين المقاطعة تنص على أن من حق فلسطينيي الداخل الحصول على تمويل من الصناديق الإسرائيلية إلا أنه من المحظور تمثيل الدولة في المحافل الدولية المختلفة، وهذا ما قمت به، وأطمح أن تؤسس خطوتي هذه لنهج يتبناه جميع السينمائيين الفلسطينيين.

نشرت إدارة مهرجان فينيسيا مشاركة "فيلا توما" بمسابقة أسبوع النقاد، هل من مهرجانات أخرى سيشارك فيها الفيلم؟

بعد مهرجان فينيسيا، سننطلق بالفيلم إلى مهرجان الإسكندرية في شهر أيلول، وبعدها إلى مهرجان هامبورج في ألمانيا، وكذلك مهرجان آسيا و المحيط الهادئ في استراليا في كانون أول، وهنالك مهرجانات أخرى عالمية لا أستطيع أن أفصح عنها إلى أن يتم الإعلان الرسمي من قبلهم.

ما هو قولك الرئيسي في الفيلم وهل تتوقعين أن ينال رضا الفلسطينيين؟

أوّلا، أفضل أن يخرج كل مشاهد باستنتاجه الشخصي  وأن لا أطعمه الرسائل بالملعقة، لأن الفيلم مبني على كثير من الرسائل المبطّنة والموجودة ما بين السطور، الفيلم بالنهاية يتحدث عن تأثير الإحتلال على هذه العائلة العينية، ولا أستطيع إسقاط هذا التأثير على كل الفلسطينيين. ثانيا، أنا لا أصنع أفلاما كي تنال إعجاب الجميع، كل عمل يهاجم، ولا يوجد فيلم فلسطيني نال على إجماع أو رضا كامل، و هذا جزء من جمالية الموضوع. 

 

- مشهد من الفيلم -

 

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"