سارتر؛ موقف حازم ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر وملتبس حيال الفلسطينيين

سارتر؛ موقف حازم ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر وملتبس حيال الفلسطينيين

(فرنسا تحتفل بمئوية جان بول سارتر وتتساءل عمّا تبقي من الإرث الوجودي)


بسرعة تحولت الوجودية إلي عنوان مرحلة ما بعد الحرب وارتبطت بما عُرِفَ بـ الأعوام المجنونة التي دامت من نهاية الحرب حتي بداية الستينيات. مرحلة من الخفة الوجودية يشع فيها نمط حياة جديد تجسد في الحي اللاتيني والسان جرمان بباريس حيث تتكاثر المقاهي والملاهي ودور النشر والمكتبات علي إيقاع موسيقي الجاز والغناء الشعبي الفرنسي الذي بلغ أوجه آنذاك مع المغنية إديث بياف وموريس لوشوفالييه وشارل تريني وجولييت غريكو التي كتب لها سارتر إحدي أغنياتها! وكانت مرحلة حسية أطلق فيها الفرنسيون العنان لغرائزهم بعد صدمة الحرب وانغمروا في الحياة بنهم منقطع النظير منتشين بالملذات مجربين شتي الأحاسيس والمتع. لهذا فالوجودية ارتبطت باكرا بحرية الفرد في عيش حياته كما يحلو له بعيدا عن الضغوط الاجتماعية والدينية والسياسية والجنسية. ومن هنا الشهرة المدوية التي حظي بها سارتر وعشيرته دوبوفوار اللذان جسدا هذه الحرية بعيشهما علاقة حب علنية من دون زواج ودون عائلة أو قيود اجتماعية. حياةٌ مبنية علي الولع بالفكر وأواصر الإبداع والالتزام بالحرية الأبدية.

في تلك السنوات تربع سارتر وعشيرته علي عرش حي السان جرمان محاطين بجوقة من المعجبين والمعجبات متمتعين بنفوذ قلما تمتع به كاتب فرنسي فإشارة منه كانت تكفي لإدخال كاتب شاب عالم الشهرة، مثلما ما حدث مع الكاتب جان جينيه أو كلود لانزمان، ومقال في مجلة هامشية يكفي كي تباع نسخها بالآلاف ومساندة علنية منه كفيلة بحشد الدعم لقضية مغمورة. وكان سارتر يسحر الجميع وخاصة الشباب بمفهومه الشامل للالتزام. فالكاتب الملتزم يحقق نفسه في الحركة والمبادرة والكلمات مسدسات ملقمة والفعل الثقافي ليس فقط نشاطا أدبيا بل نمط حياة مبني علي الحرية أولا وأخيرا. كما أن سحره يعود أيضا إلي العدمية المتشائمة والسوداوية التي طبعت كتاباته الأدبية والتي كانت تتناقض مع الروح النضالية الجذلي التي اتسم بها نشاطه السياسي.

ولم يبن سارتر شهرته علي أفكاره فقط فقد كان رجلا اجتماعيا يتمتع بشخصية منفتحة تميل للمرح والسمر وروح النكتة. وكان يتميز بصدر رحب وبتلقائية كبيرة في التعامل مع الآخرين كيفما كانوا مثقفين أو عمالا أو طلابا... كما أنه اشتهر بكرمه الباذخ . ولم يكن يعير أدني قيمة للمال وكان يحرر الشيكات لأصدقائه بلا حساب ويدفع بسخاء خاصة أنه كان يربح الكثير بفضل مبيعات كتبه. ورغم افتقاده للوسامة فقد كان يسحر أجمل الجميلات بفضل جاذبيته الفكرية ولا يجد غضاضة في قضاء لية معهن رغم التزامه الاستراتيجي مع دوبوفوار التي هي أيضا كانت تنهل ما طاب لها من المعجبين الشباب.
لكن رجل الغليون لم يكن محل إجماع في الساحة الفرنسية فشهرته ونفوذه أزعج الكثيرين خاصة المكرسين منهم في الأوساط الثقافية والجامعية والسياسية في اليمين كما في اليسار. فاليمينيون كانوا يرون فيه رجلا بوهيميا يشكل خطرا علي القيم الأخلاقية. أما الشيوعيون فكانوا يعتبرون وجوديته نظرية متشائمة لا تتناسب مع التفاؤل المطلق الذي تحمله الثورات وحركات التحرر ونظرية صراع الطبقات. ورغم إيمانه بالاشتراكية وتعاطفه مع الشيوعيين هو الذي قال ذات مرة كل المعادين للشيوعية كلاب فهذا لم يمنعه لاحقا من التأكيد بأن سياسة الشيوعيين الستالينيين غير منسجمة بتاتا مع مهنة الكاتب الشريف لكن الحزب الشيوعي في تلك الفترة كان يتمتع بنفوذ قوي وحتي مثقف من حجم سارتر كان يحجم عن الدخول في صراع مباشر معه. وحاول سارتر إيجاد طريق ثالث بين الشيوعية والاشتراكية ما حدا به عام 1948 إلي تأسيس حركة سياسية جديدة مع مجموعة من رفاقه سماها التجمع الديمقراطي الثوري لكن هذه الحركة لم تعمر طويلا. وظلت علاقته مع الشيوعيين بين شد وجذب إلي أن وصلت حد القطيعة النهائية عام 1968 بعد اجتياح الدبابات السوفييتية العاصمة التشيكية لقمع ربيع براغ.

واستمرت مجلة الأزمنة الحديثة في لعب دور المختبر الفكري والأدبي في تلك الفترة وانطلاقا من عام 1956 ستتحول إلي منبر للدفاع عن القضية الجزائرية وفضح جرائم الاستعمار الفرنسي في بلد المليون شهيد. ودخل سارتر في صراع مباشر مع الجنرال دوغول معلنا دعمه لجبهة التحرير الوطني الجزائرية واستعداده لإيواء المناضلين الجزائريين الذين تطاردهم الشرطة الفرنسية. وفي تلك الفترة كتب مقدمته الشهيرة لكتاب فرانز فانون المعذبون في الأرض والتي اعتبرت صراحة أن عنف المقاومة الجزائرية ضد الفرنسيين أمر مشروع. ورغم انخراطه المحموم في السياسة تمكن من اتمام عمله النظري الضخم نقد العقل الجدلي ونشره عام 1960.

وبعد حصول الجزائر علي استقلالها انغمر سارتر في معركة سياسية أخري وهذه المرة ضد الحرب الأمريكية في فيتنام إلي جانب لفيف من كبار الأسماء في الساحة الفرنسية. وفي عام 1964 سيفوز بجائزة نوبل للآداب ويرفضها محدثا ضجة اعلامية كبيرة أعادت سارتر إلي الأضواء في سياق تحولت فيه الوجودية الي تيار متقادم في ساحة فكرية فرنسية ملتهبة تضج بالنظريات الجديدة وبالأسماء اللامعة مثل ليفي ستراوس وميشال فوكو وجاك لاكان وجيل دولوز ورولان بارت. وعند اندلاع انتفاضة الطلاب عام 1968 سيساند سارتر الطلاب ويتبني الطروحات الماوية التي كان لها آنذاك صدي كبير في الساحة الطلابية. لكن الرجل كان في مرحلة متقدمة من العمر ويشكو من العمي ومن امراض الشيخوخة التي أدت إلي وفاته عام 1980.
إذا كانت مواقف سارتر من حرب الجزائر وفيتنام واضحة لا غبار عليها في فضح الغطرسة الاستعمارية واستعباد الشعوب فإن موقفه من الاحتلال الاسرائيلي كان مشوبا بقدر كبير من الإلتباس وعكس الصعوبة التي عاني منها العرب بشكل عام في اقناع كبار المثقفين العالميين بعدالة القضية الفلسطينية.

فعام 1967 وقبيل اندلاع حرب الأيام الستة قام سارتر رفقة سيمون دوبوفوار وكلود لانزمان رئيس تحرير مجلة الازمنة الحديثة آنذاك بزيارة إلي مصر بدعوة من صحيفة الأهرام وثلة من المثقفين المصريين من بينهم لطفي الخولي واحسان عبد القدوس وفتحي خليل وانيس منصور الذين حاولوا بكل السبل تحسيسه بالظلم الذي يحيق بالشعب الفلسطيني وبسياسة اسرائيل العدوانية والتوسعية حيال العرب. وقد مكث الضيوف الثلاثة أسبوعين في مصر وزاروا معاملها وجامعاتها و قراها استقبلهم خلالها جمال عبدالناصر بنفسه. كما نظم لهم المصريون زيارة إلي قطاع غزة للتعرف عن كثب علي معاناة اللاجئين الفلسطينيين. وحين استفسره أحد الطلاب في جامعة القاهرة أثناء لقاء مفتوح عن ارتساماته بعد زيارة المخيمات أكد سارتر أنه أتفهم مأساة اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في ظروف بئيسة وقاسية عند حدود بلدهم المطرودين منه. وأعتبر أن حق الشعب الفلسطيني في العودة إلي بلاده حق لا نقاش فيه لكنه أضاف بأنه لا يدري بأي طريقة يعود بها الفلسطينيون إلي بلادههم وأي صيغة يتعايشون بها مع الاسرائيليين. وأكد سارتر أن العدد المقبل من الأزمنة الحديثة سيكون مخصصا لاستعراض وجهتي النظر الاسرائيلية والعربية من القضية الفسطينية. وأنه لن يشارك في العدد التزاما منه بالحياد والموضوعية وبعد عودة سارتر لباريس اندلعت حرب الأيام الستة وإذا به يخيب آمال المثقفين العرب بتوقيعه علي عريضة في غاية الإجحاف تتضامن مع اسرائيل وتدين الأنظمة العربية الفاشية .

وبعد بضعة أيام علي صدور هذه العريضة سيتصل سارتر بالكاتب المصري لطفي الخولي الذي كان في زيارة لباريس ويحاول تبرير موقفه الداعم لاسرائيل كما ذكر ذلك الخولي في كتابه حوار مع برتراند راسل وسارتر الصادر عن دائرة المعارف ضمن سلسلة إقرأ عام 1968. وحسب الخولي، الذي أحجم عن الاتصال بسارتر بعد علمه بخبر العريضة ولم يقبل بلقاءه إلا بعد إلحاح من هذا الأخير، فإن سارتر أكد له علي ضرورة ايجاد صيغة عادلة تتيح التعايش بين الاسرائيليين والفلسطينيين ضمن دولة واحدة وبأن الرأي العام الفرنسي منحاز لاسرائيل بسبب حرب الجزائر. والواقع أن سارتر كغالبية المثقفين الفرنسيين آنذاك كان يرزح دون شك تحت عقدة المحرقة ولم يتحل بالشجاعة الكافية وبالحد الأدني من البصيرة في موقفه من القضية الفلسطينية مثلما فعل إزاء الجزائر وفيتنام.
وعام 1979 أي بعد عشر سنوات علي ملف الأزمنة الحديثة قرر سارتر تخصيص ملف ثان عن الصراع العربي الاسرائيلي مباشرة بعد عقد السادات لاتفاقية الصلح مع اسرائيل. ومن بين المثقفين العرب والاسرائيليين الذين شملتهم الدعوة ادوارد سعيد. وقد سرد سعيد في احدي مقالاته المتميزة لقائي مع جان بول سارتر حكاية لقائه مع سارتر وبَيَّن بنبرة حزينة كيف أنه هو الآخر شعر بخيبة أمل كبيرة حيال الطريقة التي تم بها تنظيم اللقاء بين المثقفين الاسرائيليين والعرب والفرنسيين في شقة ميشال فوكو. واندهش سعيد من الحالة المزرية التي صار بها سارتر في نهاية عمره وخضوعه التام لشخص غريب الأطوار يدعي بيار فيكتور غير أن اسمه الحقيقي هو بيني ليفي وهو يهودي مصري تزعم تيارا طلابياً ماويا يدعي اليسار البروليتاري أثناء انتفاضة 68 وتعرف علي سارتر في مرحلته الماوية وساهم معه إلي جانب آخرين في تأسيس صحيفة ليبراسيون عام 1971 ثم تحول الي سكرتيره الخاص من 1973 حتي وفاته عام 1980. وهي الفترة التي تحول فيها سارتر إلي شيخ ضرير وصار يدخل في هلوسات كلامية بسبب أمراض الشيخوخة المزمنة. وقد أحكم عليه بيني قبضته وصار يتحكم في كل شاذة وفاذة تخصه وقنن لقاءاته حتي مع أقرب اصدقائه. وبما أن هذا الأخير ارتد من الماوية إلي اليهودية الأرثذوكسية في نهاية السبعينات فقد نشر سلسلة حوارات مطولة مع سارتر ظهر فيها هذا الأخير بوجه غير مألوف وتبني مواقف في غاية الإرتداد تراجعت عن كل الإرث الفكري السارتري ونشرتها أسبوعية لونوفيل أوبسيرفاتور . وقد أثارت هذه الحوارات حينها ضجة كبيرة دفعت بسيمون دو بوفوار إلي الاحتجاج واتهام بيني ليفي بالاستحواذ المطلق علي سارتر. ورغم ذلك ففي صباح 20 نيسان (أبريل) 1980 خرج الفرنسيون بعشرات الآلاف ليودعوه إلي مثواه الأخير في جنازة ضخمة ومهيبة قلما وهبتها باريس لأحد أبنائها. وكم كان المشهد مؤثرا عندما سأل أحد المعلقين في التلفزيون صبية فرنسية عن سر مشاركتها في جنازة سارتر فأجابت بعفوية مدهشة: أنا هنا احتجاجا علي موت سارتر! .



"القدس العربي"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018