خالد الحروب: عزمي بشارة ويهودية إسرائيل

خالد الحروب: عزمي بشارة ويهودية إسرائيل

لا يقدم عزمي بشارة في رؤيته المعمقة لمسألة يهودية دولة إسرائيل وتناقضاتها الداخلية بياناً سياسياً تحريضياً منفصلاً من موقعه "كناشط سياسي", ولا يقدم تأريخاً يأخذ مسافة عن الحدث ولا يرى في تحولاته الكبرى بطشه اليومي بالآخر, هوية وحياة ومستقبلاً. بل في الواقع يقدم في نصه الجديد مزيجاً من ذلك كله, خليطاً من الأكاديميا, والسياسة, والتأريخ.

السؤال الكبير الذي يطرحه بشارة هو حول "ديمقراطية إسرائيل" وتناقضاتها, وإشكالاتها, وطبيعتها, وكيف تطورت, والإعاقات البنيوية التي لازمتها وقولبتها في تشكيل خاص متميز ربما لا نظير له في أي بقعة من العالم. ذاك أنها ديمقراطية وليست ديمقراطية في آن واحد, فيها أهم معالم العملية الديمقراطية (انتخابات دورية, أحزاب, تداول على السلطة), وفيها أيضاً أهم ما ينقض أية صيرورة ديمقراطية (عدم المساواة بين المواطنين, التفريق بينهم بحسب الدين, الاختلاط المعيق للدين والدولة, وهكذا). عزمي بشارة يدخلنا في "دوامة الدين في الدولة" الإسرائيلية, ودوامات الهوية, وإشكاليات العلمانية وصداماتها مع البنية التأسيسية للهوية الإسرائيلية.

رغم مرور ستين سنة على قيام إسرائيل فإن الغريب هو أن هاجس يهودية الدولة لا يني يتزايد قوة وتوتراً عوض أن يخف بالتوازي مع تكرس الدولة وقوتها. فتوترات المشروع الصهيوني الأول و"الرواد الأوائل" الذين لم يترددوا في الإطاحة بشعارات التحرر القومي وبناء الدولة الديمقراطية على مذبح التمسك بالهوية اليهودية للدولة, تجد صداها اليوم عند شارون والليكود وقطاعات واسعة من المؤسسة السياسية والعسكرية وحتى الأكاديمية الإسرائيلية. فالهدف هو تكريس وترسيخ "يهودية دولة إسرائيل", أي أنها دولة لليهود وليس لمواطنيها بما يكرس في الواقع تعريفها العنصري. بل إن التوكيد المتوتر على هذا التعريف طال سن القوانين في الكنيست إلى درجة أن قانوناً جديداً يمنع أي حزب سياسي من حق المشاركة في الانتخابات ما لم يقر بأن إسرائيل هي دولة لليهود. وتفاقم التوتر الهوياتي هذا ليصل إلى عصبة جورج بوش الحاكمة, بما دفعه في يونيو 2003 للإعلان بأن "أميركا ملتزمة بقوة بأمن إسرائيل كدولة يهودية مفعمة بالحيوية"!

غير أن ذلك, على علاته, يقود إلى تناقض بنيوي آخر وهو سؤال من هو اليهودي؟ هل هو المنحدر من أم وعائلة يهودية من دون أن يكون ممارساً للدين أو متديناً, هل من الممكن أن يكون علمانياً ويهودياً رافضاً للخلط بين الدين والسياسة؟ وما هو موقع اليهود غير المؤمنين في الدولة والمجتمع؟ اليسار الصهيوني حاول تاريخياً تقديم إجابة على هذا التساؤل بالدعوة إلى هوية يهودية علمانية قومية وغير دينية دلالة تؤكدها الخدمة العسكرية. لكن ذلك لم يحل المشكلة وما زال السؤال قائماً إلى اليوم.

بيد أن هناك ما هو أعقد بكثير من الجوانب السياسية التطبيقة لتناقضات الديمقراطية الإسرائيلية على الصعيد الفكري والبنيوي. أولى تلك الإشكاليات هي علاقة الدين بالدولة, وهي علاقة ملتبسة في الكيان الإسرائيلي. فالدين مُتضمن في الأيديولوجية الصهيونية بالتعريف, رغم أن هذه الأخيرة عرفت على نفسها بكونها حركة تحرر قومي وليس دينياً وكان قادتها الكبار أقرب إلى الإلحاد منهم إلى الإيمان بأي دين. لكن وضح مبكراً جداً أن عملية تجييش يهود العالم لا تتم فقط عبر الحراك القومي وكان لابد من استثارة المشاعر الدينية. فهنا يورد بشارة نصاً من بن غوريون كان قد وجهه إلى شاريت في عام 1954 يقول فيه "ليس لنا أن نفصل الدين عن الدولة, فهنالك وحدة مصير بين دولة إسرائيل والشعب اليهودي". وفي سياق آخر قال بن غوريون وهو المشهور بعدم إيمانه "ولد هنا جيل ليس متديناً بغالبيته. وإذا كتبنا إسرائيلي فقط وليس يهودياً فهنالك خطر. عليه أن يعرف أنه يهودي... يجب أن نزرع في قلبه إدراك أننا قبل كل شيء يهود, أننا الشعب اليهودي ... ولذلك لا يجوز أن يكتب في بطاقة الهوية فقط إسرائيلي, يجب أن يكتب يهودي".

كما أن الأهم من ذلك أن قيام الدولة لـ"يهود العالم" نفى عنها السمة القومية التي هي صنو الدولة الديمقراطية وشرطها الشارط. أي تحييد الدين واعتبار فكرة المواطنة والمساواة هي معيار الانتماء إلى الدولة والآلية الناظمة للحقوق والواجبات بينها وبين الأفراد التابعين لها. فغير اليهودي هو باختصار غير مواطن في دولة إسرائيل.

ويقول بشارة إن إسرائيل استطاعت أن تفلت بعنصريتها ضد الفلسطينيين سواء أكانوا داخل الخط الأخضر أم في حدود 1967 لأنها دولة احتلال, ولأن كل ما قد يُرى من ممارساتها العنصرية يُرد إلى حقيقة أن الوضع القائم هو وضع احتلالي وبالتالي فهو ليس وضعاً طبيعياً ومن المتوقع أن تنشأ فيه ممارسات مرفوضة. بينما لو كان وضع إسرائيل مختلفاً, مثلا وعلى سبيل الفرض الجدلي لو لم تحتل أراضي 1967, لكانت قد ظهرت على طبيعتها العنصرية إزاء كل ما هو ومن هو غير يهودي. ولهذا فقد خبأت إسرائيل ممارساتها العنصرية خلف تعريفها كدولة محتلة, ومن هنا فإن بشارة ينحت لها وصف نموذج "أبارتهايد كولونيالي".

لكن ما هي التمظهرات القانونية والحقوقية والممارساتية للأبارتهايد الإسرائيلي المكشوف؟ منذ عهد بن غوريون وحتى عهد شارون هناك وضوح في النظرة إلى العرب الفلسطينيين والحقوق التي يجب أن تكون لهم. وبكلمات بن غوريون نفسه:"يوجد للمواطنين العرب حقوق في البلاد, وليس على البلاد", وهذا يعني, كما يوضح بشارة, أن الحقوق القومية على الدولة هي حقوق يهودية, وأن صاحب السيادة يمنح الحقوق في البلاد لمن ليس صاحب سيادة. وهذا يعني أن مفهوم المساواة غير ممكن, لأن مفهوم الحقوق معطوب أصلاً.

وينتشر الأبارتهايد القانوني ليصل المحكمة الإسرائيلية العليا التي يتطرق رئيسها الأكثر شهرة, بوصف بشارة, أهرون باراك إلى مصطلح يهودية وديمقراطية في القانون ليقول:"علينا أن نذكر أن المكانة المعيارية التي منحت لقيم الدولة كيهودية وديمقراطية هي مكانة معيارية دستورية فوق قانونية. وسوف يُلغى أي تشريع عادي يمس دستورياً بحق من حقوق الإنسان حتى لو كان هدفه مقبولاً, وحتى لو لم يتجاوز المدى المطلوب, إذا لم يتلاءم مع قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018