هل كان آينشتاين حقا أعظم عالم في العصر الحديث؟/ عصام عراف

هل كان آينشتاين حقا أعظم  عالم في العصر الحديث؟/ عصام عراف


قال أبو العتاهية:
والصمت أجْمَلُ بالفتى مِن منطقٍ في غير حِينه
ويقول الجاحظ في البيان والتبيين عن عقلاء الرجال:
"وكانوا يأمرون بالتبيُّن والتثبُّت، وبالتَّحرُّز من زَلَل الكلام، ومن زَلَل الرّأي، ومن الرأْي الدَّبَريّ، والرأيُ الدَّبَرِيُّ هو الذي يَعرِض من الصّواب بعد مُضيِّ الرأي الأوَّل وفَوتِ استدراكِه، وكانوا يأمرُون بالتحلُّم والتعلُّم، وبالتقدُّم في ذلك أشد التقدُّم".

يروى عن النابغة الذبياني أنه كان يقعد في خيمة تنصب له في سوق عكاظ ثم يأتي الشعراء والشاعرات ينشدونه ما نظموه وما نظمنه، وكان جوابه واحدا: "يا ابن (ـة) أخي، أنت أشعر العرب"، وما زلنا نعيب على النابغة مثل هذا الزلل.

"سقطات آينشتاين النسبية"، هذا هو عنوان مقال لا معنى له في فقه اللغة، بل "ليس من لغة العرب في شيء" كما كان يقول الشيخ إبراهيم اليازجي، يضع الكاتب فيه أكاليل من غار على هامة الفيزيائي المعروف ألبرت آينشتاين ويستهل مقاله بالكلمات التالية:
"لن أفتتح المقال بمكانة ألبرت آينشتين (1879-1955) العلمية الشامخة، فهي معروفة للجميع، وشهرة هذا الفيزيائي العظيم أوسع من حاجة التعريف. وهو أيضًا المثقّف والمفكّر والمواكب والراصد والمؤثِّر في الأحداث العظمى للنصف الأول من القرن العشرين.
لذا فإن آينشتين يختلف عن العلماء الذين ينظرون إلى الدنّيا من زاوية أو زوايا محدودة، فهو مثقف ومفكّرٌ شموليٌّ، يذكّرنا بفلاسفة الإغريق، الذين بحثوا بعلومهم وفلسفتهم عن معنى الوجود والحياة، وكالصّوفيين والحلوليين الذين يبحثون عن الله في عظمة الكون "الذي هو جسد الله" بحسب تعبيرهم. وكأننا نرى آينشتين يستعين بالرياضيات والفيزياء ليكتشف حقائق الكون، أو ليستطيع الرقص على أنغام نداء الكون بحسب تعبيره. وقد مات مؤمنًا بنظريته الكليّة التي تفانى لأجلها في آخر أيامه حتى توفي دون أن يتممها فأُطلِق عليها "سمفونية اينشتاين الناقصة".

لن أناقش في هذا الرد, عقيدة آينشتاين الدينية ولا موقفه من الصهيونية الذي تضمنها كتابه "رأي في الصهيونية" وقد نشره سنة 1930 فمثل هذه الآراء في الدين والسياسة نُشر وينشر منها كل يوم عدد لا يحصى ولكل إنسان الحق في اعتقاد ما يقتنع به، ولا حق لأحد أن يحكم على مواقفه وممارساته بأنها "سقطات" أو زلات.
أما عن إنجازات آينشتاين العلمية فهذه مسألة فيها نظر، وقد قرأت الكثير عنها، وما زال بعض العلماء والباحثين يكتب عنها حتى اليوم، منها على سبيل المثال: "تصنيع وتسويق القديس آينشتاين" لكريستوفر جون بيركنس وهو مؤلف ضخم يقع في 2825 صفحة يمكن تنزيله بكامله من الموقع التالي:
www.jewishracism.com/SaintEeinstein.htm
عندما درست النظرية النسبية الخاصة في الجامعة لم يكن لدي أدنى شك بأن ألبرت آينشتاين أحد كبار العلماء في كل العصور، لأن الذي جاء به من تفسير لتجربة مايكلسون – مورلي, ووضعه لمعادلات النظرية النسبية الخاصة التي نشرها سنة 1905 كانت خطوة كبيرة في علوم الطبيعة, تشبه ما قام به كبار العلماء أمثال نيوتن وماكسويل على سبيل المثال، لا الحصر، وقد حرصت في ما بعد على ترجمة المادة وتدريسها لطلاب الصف الثاني عشر العلمي.
حيث أنني كنت, ولا أزال أحاول الاطلاع على آخر المستجدات في علوم الطبيعة فقد كنت أقع بين الحين والآخر على مقالات وأبحاث تتهم آينشتاين بانتحال أعمال علماء ورياضيين سبقوه ومن أشهرهم هنري پوانكاريه ( 1854 - 1912 ( العالم والرياضي والفيلسوف الفرنسي المرموق, الذي كان أول من صاغ مصطلح النسبية وقد نشر في سنة 1898 بحثا يلخص فيه الكثير مما توصل إليه وذلك قبل نشر آينشتاين لورقته بسبع سنوات. أما المعادلة الشهيرة التي تفيد بأن المادة والطاقة هما صنوان وأن الطاقة الكامنة في كتلة ما تساوي حاصل ضرب الكتلة بتربيع سرعة الضوء (E=mc^2) فقد نشرها قبله العالم الإيطالي أولينتو دي پرِتّو في السادس عشر من حزيران سنة 1903 في المجلة العلمية ( Atte ) كما يقول مؤرخ الرياضيات البروفيسور أمبرتو بارتوتشي الذي نشر كتابا باللغة الإيطالية بعنوان: " ألبرت آينشتاين وأولينتو دي پرِتّو", وقد أعيد نشرها في السابع والعشرين من شباط من السنة التالية 1904 في مجلة ( Veneto's Royal Science Institute ) لكن المعادلة أغفلت لعدم فهم ما تعنيه، وقد لفت السويسري الإيطالي ميشيل بِسّو نظر آينشتاين إلى المعادلة سنة 1905. هذا ما نشرته صحيفة الچارديان الصادرة في الحادي عشر من تشرين الثاني لسنة 1999 وفي ما يلي الرابط لذلك النشر:

http://www.guardian.co.uk/world/1999/nov/11/rorycarroll/print

الأغرب من ذلك, أن ذلك "الفيزيائي العظيم" استعصى عليه فهم ما اكتشفه ونشره العالم الألماني آيزنبرچ سنة 1927 باستحالة تحديد كمية الحركة وإحداثيات كتلة ما في آن واحد، وما زال تعقيب آينشتاين على اكتشاف آيزنبرچ موضع تهكم حتى اليوم إذ قال آينشتاين في ذلك الحين: "إن الله لا يلعب بالكون وكأنه يلعب بمكعبات النرد"
ليس من الصعب على أي طالب فيزياء فهم مبدأ آيزنبرچ، فكيف استعصى ذلك على آينشتاين؟
الأهم من ذلك: كنا نتوقع من أي عالم رصين يعتقد أن عالما آخر قد أخطأ، أن يبين خطأ زميله ببرهان علمي، كأن يلفت النظر إلى ظاهرة طبيعية تنفي استنتاج زميله، أو يأتي بمعادلة تنقض معادلته. ماذا فعل آينشتاين؟ لجأ إلى الله يستعين به، وقرر أن الله لا يفعل مثل هذا (لعله كان أمين سر الله؟ . ( أوليس هذا هو التهور بعينه؟
أما نظرية النسبية العامة التي طرحها آينشتاين سنة 1915 فقد ثبت بطلانها بتجربة كان رائدها ومصممها الفيزيائي فرنسيس إيڤريت من جامعة ستانفورد الأميركية، وقامت بتنفيذها وكالة الفضاء الأميركية في العشرين من نيسان 2004 وقد بلغت نفقاتها ما يقارب سبعين مليون دولار ساهمت بقسط منها إحدى دول الخليج العربي. الغريب في الأمر أن معظم أجهزة الإعلام تجاهلت تلك التجربة الهامة وظل خبرها محصورا في الأوساط العلمية فقط حتى عهد قريب.
من يرغب في مشاهدة العرض الوثائقي الشيّق عن هذه التجربة الفريدة يستطيع مشاهدته على الرابط التالي:

http://www.abc.net.au/catalyst/stories/2594259.htm

كما أن هناك العديد من المواقع التي تشرحها لمن يبغي الاستزادة.
وقد أثبتت تلك التجربة بما لا يدع مجالا للشك أن مجال الجاذبية لا ينحني نتيجة دوران الأجرام كما زعم آنيشتاين. ، ولو زعم مثل ذلك عالم آخر ليس له شهرته، لما اكترث أحد لنظرية لم يعط صاحبها أقل دليل عليها, أو أي ظاهرة طبيعية تشير إلى صحتها، ولكنه آينشتاين وكفى. حصل إيڤريت منذ شهور على جائزة وكالة الفضاء الأميركية "للخدمة المتميزة للجمهور" اعترافا بفضله في تنفيذ تلك التجربة التي ظل يحلم بها منذ سنة 1960 . الإعلان عن الجائزة موجود على الرابط التالي:

http://news-service.stanford.edu/pr/2005/pr-everitt-051105.html

أما "السيمفونية الناقصة" فهي ليست سيمفونية أصلا لتكون ناقصة، بل هي إحدى بنات أوهام آينشتاين أيضا، اعتقد الرجل أنه يستطيع أن يكتب معادلة تعالج حقول الجاذبية والكهرباء والمغناطيسية معا، وهذا أمر لو زعمه غيره لكان موضع سخرية أيضا ولكنه عاد وسَخّر شهرته للترويج لها، فظن البعض أن الرجل يقف على حافة اكتشاف سيترك العلماء فاغري الأفواه لسنوات طويلة. وهنا أيضا من العدل والإنصاف والحق أن أقول: "تمخض الجبل فولد فأرة" لكن الفأرة كانت ميتة هذه المرة. لماذا؟ لأن كل تلميذ أنهى القسم العلمي في الثانوية يعرف أن قيمة المجال الكهربائي تتناسب عكسيا مع تربيع البعد عن مركز الشحنة وكذلك هو الأمر في قيمة مجال الجاذبية. الفرق الكبير بينهما هو أن المجال الكهربائي للبروتون مثلا أعظم بما لا يقاس من مجال الجاذبية الناجم عن كتلته، كما أننا نعرف بدقة متناهية خصائص المجال الكهربائي والمغناطيسي وخصائص الأمواج الكهرومغناطيسية من معادلات جيمس ماكسويل ( 1831 - 1879 ) الأربع, وهو الذي اعتكف في بيته مدة 11 سنة حتى أنجزها، وهي أهم إنجاز على الإطلاق من الناحية التطبيقية، لأنها فتحت الباب لتطوير جميع وسائل الاتصال من أجهزة بث واستقبال وكثير غير ذلك. لكننا نجهل كل شيء عن طبيعة مجال الجاذبية، وشكل أمواجه، وسرعة انتشارها، وهذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه علماء الفيزياء حتى اليوم، ولا يبدو حتى الآن بصيص أمل في الوصول إلى كنه الجاذبية التي تحدد مسار المجرات والكواكب وما عليها. لذلك فإن بحث آينشتاين عن معادلة تجمع بين كل هذه الظواهر كان ضربا من المحال. ولكنه آينشتاين وكفى!
أضف إلى ذلك أن المجال المغناطيسي لا وجود له مستقل في الطبيعة كمجال الجاذبية الملازم لكل كتلة أو المجال الكهربائي الملازم لكل شحنة. المجال المغناطيسي هو نتيجة لحركة شحنة كهربائية، وما المجال المغناطيسي للأرض سوى نتيجة لتيار من الجسيمات المشحونة في جوفها السائل، الذي يتكون من المعادن الثقيلة كاليورانيوم، الذي ينشطر ويغذي بالحرارة هذا التيار بحيث يصبح مغناطيسا بسبب دوران الأرض حول محورها، لذلك عندما يسري تيار كهربائي، أي سيل من الإلكترونات، أو البروتونات، أو أي جسيمات مشحونة، في فضاء، أو معدن أو أي حيز آخر، ينتج عن ذلك مجال مغناطيسي تتناسب شدته مع شدة تيار تلك الشحنات، كما اكتشف ذلك العالم أندريه ماري أمپير ( 1775 – 1836 ) الذي لم يعل رأسه سقف مدرسة قط، إذ تولى والده تعليمه بنفسه، ولذلك أطلق اسمه على وحدة التيار الكهربائي اعترافا بفضله.
أما "مغناطيسية الكون" التي يذكرها الكاتب فلا أعلم مكانا لها سوى في أذهان الذين يتوهمون أشياء لا وجود لها.
أما رسائل أينشتاين إلى الرئيس روزڤلت فهذه قصتها:
في شهر تموز 1939 توجه العالم اليهودي المجري الأصل، ليو زيلارد بعد أن تداول في الأمر مع زميليه المجريين أيضا، إدوارد تِلَر (الذي حض على إنتاج القنبلة الهيدروجينية) ويوجين ڤيچنر، إلى صديقه آينشتاين (لشهرته التي طبقت الآفاق) وأقنعه بضرورة كتابة رسالة إلى الرئيس روزڤلت لحثه على إنتاج قنبلة نووية كي لا تسبق ألمانيا النازية إلى ذلك فيُخضع هتلر العالم لإرادته، كتب زيلارد الرسالة ووقع عليها آينشتاين ثم تلتها ثلاث رسائل إلى روزڤلت كانت جميعها من نص صديقه العالم ليو زيلارد، الأولى في الثاني من آب 1939 وفيها يقول:
"إن قنبلة من هذا النوع تستطيع أن تدمر ميناء بكامله ولا يمكن أن تقلها طائرة لضخامة وزنها"، والأخيرة في الخامس والعشرين من آذار 1945 ويعترف فيها بصراحة تامة أنه لا يعلم شيئا عن مدى التقدم الذي أحرزه "مشروع منهاتن" لأن صديقه زيلارد يلتزم الصمت حياله, ولا يفضي إليه بشيء للسرية المطلقة التي تكتنف المشروع.
نجح مشروع مانهاتن في إنتاج أول قنبلة نووية دون أن يكون لآينشتاين أي مساهمة فيه. هناك من يعزو ذلك لمعارضة أجهزة الأمن الأميركية.
الحقيقة التي يقرها جميع المؤرخين بدون استثناء هي أن أول من أجرى تجربة انشطار يورانيوم ناجحة كان العالمان الألمانيان أوتو هان وفريتز شتراسمان وذلك في أواخر سنة 1938، والذي فسر النتائج تفسيرا علميا صحيحا كانت العالمة ليزا ميتنر وابن أختها (أو أخيها) أوتو فريش، ولا فضل لآينشتاين في ذلك على الإطلاق.
من الجدير بالذكر أيضا, أن مشروع مانهاتن كان مجهودا مشتركا شارك فيه علماء ومهندسين من الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا والدانمارك وعمل فيه ما يقرب من 130 ألف شخص وزادت تكاليفه على ملياردي دولار في ذلك الوقت، أي ما يعادل أكثر من 22 مليارد دولار في الوقت الحاضر. أما الجانب المظلم لمشروع منهاتن فهو موت العديد من العلماء والباحثين والمهندسين والفنيين, إما بسبب تعرضهم للإشعة القاتلة أو بسبب حوادث العمل الناجمة عن محاولة المسؤولين عن المشروع إنتاج القنبلة بأسرع وقت ممكن، مع كتمان سبب الوفاة, وقد توفي مدير المشروع العالم أوپنهايمر بسرطان الحنجرة سنة 1967 (قد يكون ساعد على ذلك إدمانه الشديد للتدخين منذ سن مبكرة) وقد نشرت مجلة "ساينتيفيك أميركان" شهادات لشهود عيان عن تلك الحوادث القاتلة يمكن مشاهدتها وقراءة نصوصها على الموقع التالي:

www.scientificamerican.com/podcast/episode.cfm?id=the-manhattan-project-and-the-met-08-12-31
لعل المساهمة الوحيدة المهمة (في الفيزياء التطبيقية) لآينشتاين هي تفسيره للظاهرة الكهروضوئية وعلى هذا الإنجاز منحت له جائزة نوبل. كل من يدرس تطور الرياضيات والعلوم، لا يخفى عليه أن مساهمة آينشتاين لم تتعد مساهمات غيره من العلماء، بل من المؤكد أنها أقل بكثير من إنجازات البعض منهم. فلماذا حظي بهذه الشهرة التي لم يحظ بها عالم غيره؟
الجواب: لأنه فعل ما لم يفعله قبله ولا بعده عالم رصين يحترم التقاليد العلمية العريقة التي تقضي بأن لا يقدم عالم على نشر نظرية او معادلة, إلا بعد أن يتحقق من صحتها, أما آينشتاين فقد ملأ أسماع العالم بنظريات قبل أن يستطيع إثبات صحة أي منها. الأسوأ من ذلك هو أن تلك النظريات استنزفت عقول الكثيرين من العلماء الذين غرتهم شهرة آينشتاين فحاولوا عبثا إثبات نظريات لا تستند إلى دليل.
أوصى آينشتاين بجميع أوراقه بعد موته للجامعة العبرية, ولم يعرف حتى الآن أن تلك الأوراق أدت إلى اكتشاف علمي واحد!

لماذا رفض آينشتاين عرض بن چوريون لتسنم منصب رئاسة دولة إسرائيل؟
لا أعلم الجواب الشافي على هذا السؤال ولكن المعروف أن آينشتاين لم يكن يجيد العبرية، ولذلك خطب بالفرنسية في الاجتماع الذي دعي إليه لدعم إقامة الجامعة العبرية في السابع من شباط سنة 1923 حيث استهل خطابه ببضع جمل بالعبرية ثم قال:
"أنا آسف لأنني لا استطيع أن أقرأ خطابي بلغة شعبي، لكنني سأتابع باللغة التي يفهمها الجميع وهي اللغة الفرنسية".
قد يكون عدم إجادته للعبرية أحد الأسباب لرفضه العرض. الرئيس الذي لا يجيد لغة الدولة التي يرأسها قد يصبح موضع انتقاد مهما علت منزلته العلمية. قد يكون أيضا خوفه من تسخير بن چوريون وغيره من الساسة الإسرائيليين لشهرته لتحقيق مكاسب سياسية.
هل كان آينشتاين ذلك المفكر الشمولي حقا؟
عندما حاول آينشتاين الدفاع عن المزاعم الصهيونية في حوار له مع المؤرخ المعروف فيليب حتي (زميله في الجامعة), قال له حتي:
"يبدو أن إلمام الدكتور آينشتاين بالتاريخ يشبه إلمامي بالنظرية النسبية". فهل يعد مثقفا شموليا من يجهل تاريخ قضية يحاول الدفاع عنها؟
أما أنه كان راصدا للأحداث، فهذا ما يفعله كل إنسان يقرأ الصحف ويتابع ما يجري على الساحة الدولية ولا أظن آينشتاين يضاهي في ذلك صحفي مجتهد أو مؤرخ أو مجرد مثقف يتابع الأحداث.
كان بودي أن يذكر لنا الكاتب إسم أحد الفلاسفة الإغريق الذين كانوا يبحثون عن "معنى" الوجود والحياة، هل كان سقراط أو تلميذه أفلاطون أو أرسطو تلميذ أفلاطون منهم؟ وهل للوجود "معنى" لكي نبحث عنه؟ قد تكون له غاية، ولكن البشر يختلفون اختلافا شديدا في فهمها، كل حسب معتقداته التي ورثها عن والديه أو أجداده, أو توصل إليها باجتهاده وكان من نتيجتها ما شهدناه ولا نزال نشهده من حروب وويلات، ولذاك قال أبو العلاء المعري قبل أكثر من ألف عام:
إن المذاهب ألقت بيننا إحنا وأورثتنا أفانين العداوات
مهما كان من أمر فإن هَمّ فلاسفة الإغريق انحصر على الغالب في ثلاثة أمور: الرياضيات والطبيعيات وإقامة نظام حكم يحول دون استبداد الأفراد بالسلطة، وكتاب "الجمهورية" لأفلاطون أحد البراهين على ذلك، وهو الذي كتب فوق مدخل مدرسته: "من يجهل الرياضيات لا يدخل من هذا الباب". أما إبداعهم في ميادين الآداب والفنون المختلفة فلم يكن إلا نتيجة للحرية التي كانوا ينعمون بها.
أما "عظمة الكون" التي يزعم الكاتب أن الصوفيين والحلوليين كانو يبحثون عنها (هل وجدوا شيئا منها؟) فهي أيضا من التعابير التي لا معنى لها سوى في أوهام بعض الناس. وإذا كان الوجود المادي هو "جسد الله" فأين روحه يا ترى؟ ولماذا كل هذه الكوارث الطبيعية من أعاصير وبراكين وجفاف وفيضانات التي تحصد أرواح الأبرياء من البشر ولا تبقي على الحيوان والنبات والجماد وتخلف المناطق التي تجتاحها قاعا صفصفا؟ ألمثل هذا يسخر الله جسده؟
إلى متى سنبقى نحتج بمعتقدات الصوفيين والحلوليين والدراويش في عالم تنفق فيه الحكومات والشركات الأموال الطائلة على البحوث العلمية، أم لعلنا ننصحهم باستقدام بعض الدراويش لحل المعضلات العلمية واكتشاف الأدوية اللازمة لعلاج الأمراض المستعصية على العلاج حتى الآن؟
"نداء أنغام الكون" (حتى لو ذكرت مجازا) هو تعبير غير موفق، حتى لو زعم آينشتاين بأنه يحاول الرقص على إيقاعها، ولا وجود لأي أنغام حسب ما نعرفه حتى اليوم سوى على سطح الكرة الأرضية، فالفضاء يحتوي على ما يقرب من مائة بليون مجرة وفي كل مجرة ما يقرب من مائة بليون نجم، وأكثر المجرات بعدا عنا يحتاج الضوء إلى أكثر من عشرة بلايين سنة حتى يصل منها إلينا. أما الفضاء بين الكواكب والمجرات فإنه ليس سوى حيز فارغ بارد جدا، درجة حرارته 2.75 حسب سلم كِلْڤين أي أقل من ثلاث درجات فوق الصفر المطلق، تنتقل في أرجائه الامواج الكهرومغناطيسية بجميع أمواج الطيف الكهرومغناطيسي (هناك من يقول بوجود مادة سوداء أيضا)، أما الكواكب المضيئة فهي مثل الشمس التي تدور الأرض وغيرها من الكواكب والكويكبات والمذنبات حولها، وقد تختلف اختلافا بينا في حجمها عن شمسنا ولكنها جميعا ليست سوى أتون يحول الهيدروجين إلى هيليوم فيتحول الفرق في الكتلة إلى طاقة تنتقل في الفضاء كأمواج كهرومغناطيسية كما أسلفت.
وفي الختام لا بد لي من ملاحظة شخصية عابرة:
عندما قرأت المقال المذكور خطر على بالي على الفور جواب أبي العلاء المعري عندما ألقوا على مسامعه قصيدة إبن هاني الأندلسي بعد أن لاقت القصيدة استحسانا ورواجا كبيرا، وهذا مطلعها:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر وأمدكم فلق الصباح المسفر
وجنيتم ثمر الوقائع يانعا بالنصر من ورق الحديد الأخضر
قال أبو العلاء، ولم يزد:
هذه رحى تطحن قرونا!
كم نحن بحاجة إلى أمثالك في أيامنا هذه يا أبا العلاء!

مع تحيات
عصام زكي عراف
معليا، الجليل الغربي