الانفجار الكبير. بداية التكوين وسرمدية الزمن\ د. فؤاد خطيب .

الانفجار  الكبير.
بداية  التكوين  وسرمدية  الزمن\ د. فؤاد  خطيب .

تجربة " الانفجار الكبير " big bang " التي تجري في هذه الساعات والايام تحت الأرض ما بين سويسرا وفرنسا تعتبر كما كتب عنها وبحق تجربة العصر العلمية . ليس فقط لتكاليفها الباهظة التي بلغت إلى ألان 7 مليارات دولار أمريكي ولا بسبب عدد علماء الفيزياء المشاركين بها، اذ وصل عددهم الى عشرة ألاف من عشرات الدول من أوروبا والعالم بل لأنها تحاول خلق حقيقة بالغة الأهمية وربما الأهم في تاريخ العلوم من صميم فكرة عبقرية لامعة ومصيرية . إذا دلت التجارب على صحتها ستخلق انقلابا في العلوم الطبيعية وخاصة الفيزياء والرياضيات ومعها ربما انقلابا في العقائد والفكر والفلسفة الذي سينعكس تأثيرها ليست على العلماء والمهتمين فقط بل ستؤثر ولا شك على الفكر والعقائد وربما على الوجود الإنساني برمته .
بنظرنا لا يضاهي هذه التجربة العلمية الهائلة في العقود الثلاثة الأخيرة إلاّ التجارب والمحاولات التي أدت قبل أعوام قليلة الى اكتشاف " الجينوم البشري " والحيواني والنباتي أي رسم خريطة مفصلة تماما للمخزون الوراثي للحياة على الأرض . أدت تلك التجارب والنتائج عنها وبصورة نهائية كما نعرف إلى تجارب الاستنساخ الناجحة التي حصلت في العلن وتحصل كل يوم في الستر وبعيدا عن الإعلام خوفا من ملاحقة القوانين والشرائع الحكومية التي تحاول أن تحد من ثأثير مثل هذه التجارب المباشر على المجتمعات سلبًا وإيجاباً . كتبنا حينها عن تلك التجارب والنتائج وقلنا إنها كانت فتحا مبينا ستساهم في المستقبل المنظور في حل الكثير من الآفات الحيوانية والنباتية التي بدورها تساهم بالسيطرة على الأمن الغذائي للبشرية التي يتزايد عددها بعشرات ملايين الأفواه كل عام وخاصة في العالم الفقير في ظل عولمة راسال المال والنيوليبرالية الجديدة التي لا تهتم لمصير البشر ولا ترى في افقها إلا الربح وحال رأس المال .
السؤال الوجودي الأول الذي طرح نفسه على الإنسان عندما بدا بالتفكير خارج نطاق غرائزه وعندما تطور وعيه للوجود وامتد قليلا خارج قوقعته الحيوانية .. ما هذا ؟؟ وما سر كل هذا الجمال؟؟ .
اهتز كيانه الفكري الذي بدا يتطور عندما بدا يشعر بشروق الشمس وغروبها وبطلة القمر كل مساء وتكوره ودورانه وغيابه خلف الغيوم وعندما رأى المد الأزرق الهادر في بحر اللازورد . سأل نفسه ولا شك عن سر غياب الشمس الأرجوانية كل مساء في غياهب الجج الزرقاء. سال نفسه مرارا
ما هذا حولي وأمامي وورائي وفوقي وتحت قدمي؟ ما لي ولكل هذا الجمال ؟ ما سبب وجود هذه البدائع وعللها ؟ من علق الشمس في كبد السماء وأرسى الجبال على متن الأرض وبعث الريح تنفخ في روح الوجود والمطر يغسل أديم الأرض ويبعث في رحمها الحياة التي أورثت بشرا وشجرًا وعصافير وحيوانات؟ من سرّح الغيوم البيضاء النقية التي سمرتها أشعة الشمس في الاماسي وحضرها مراكب وسروجاً لخالق أبدع وايما إبداع وربما مراكبا لجيوش مجيشة غير مرئية تنظم وتراقب و تدير هذا الإبداع وهذا النظام الأزلي وتبقيه على صيرورته وصورته التي حيكت بوثائق وبوشائج سحرية على أجمل صورة وأجمل خلق . من خلق هذا البلبل الذي يقفز باكرا من فنن إلى فنن ويبعث للدنيا الحان الوجود ويعلل سر وفن الخلق ؟ من صور وكون هذه المرأة التي يشتهيها القلب بأجمل التكوين والتي بعيونها يختفي سحر وسر وشجن هذا الكون العجيب ؟
من انبت شقائق النعمان لتعود كل مرة بالربيع وتشهد على لون الخلق الأول الأحلى والأجمل؟ من زرع سنابل الذهب لتموج وترقص مع عرائس المروج وتخلق معادلة أزلية في فن البقاء والخلود ؟.

صاحب هذه الفكرة - النظرية العبقرية عالم فيزيائي انكليزي اسمه " هاوكينج " يعيش سنوات طويلة على كرسي عجلات عاجزًا عن الحركة تماما بعد أن شلت عضلاته نتيجة مرض " ضمور العضلات " الخطير الذي افقده الحركة تماما . بقيت دماغه سليمة تعمل وتفكر حتى وسعت الكون كله وحاولت تفسير وجوده وتكونه. اعتقد هذا العالم العبقري بعد أن أوجز بفكره المتوقد القوانين الطبيعية والنظريات الفيزيائية التي سبقته كلها وأهمها باعتقادنا أمرين: الأول قانون بقاء المادة وعدم فنائها وتبدلها من صورة إلى أخرى. والثاني: النظرية النسبية للعالم الفذ " اينشتاين ". موجز فكر ته الذي نفهمها ونبسطها هي كالتالي: تكون هذا لكون الواسع الذي نعيش فيه ويحوي ملا ين وبلايين المجرات والكواكب والأجرام قبل مليارات السنين نتيجة لانفجار هائل كبير واحد ما زلنا إلى ألان نعيش ثأثير فعله. هذا الانفجار تم في ظروف بدائية سبقته لمواد أو أجسام اصغر من الذرة التي نعرفها والتي كانت سابحة في الفضاء الأزلي .
تم هذا الانفجار الكبير لتلك الأجسام الصغيرة عندما تصادمت صدفة بسرعة تعادل أو تفوق سرعة الضوء وبثأثير طاقة غير محدودة وغير مسبوقة أوجدتها تلك الظروف الأزلية . كان الانفجار الكبير الذي شابه نفخ بالون هائل مازال يكبر ويتمدد حتى الآن . أي أن هذا الكون مازال يتوسع ويتوسع ويتكون ويتبلور منذ مليارات السنين . مازالت إلى لحظتنا هذه مجرات تخلق وكواكب تتكون وأخرى تفنى وتموت وتبتلعها الثقوب السوداء – أو ما يعرف علميا- بمضاد المادة - التي لا يعرف العلم حتى الآن عنها الكثير . كان الانفجار وكانت بلايين الشظايا ..أي المجرات والكواكب والنجوم وكانت الأرض ..أرضنا هي بالحقيقة إحدى تلك الشظايا الصغيرة التي تسبح في فلك سرمدي . يسعى العلماء بهذه التجربة الهائلة، إلى فهم كنه هذا الانفجار وحقيقته، ومن ثم وضع علامة سؤال كبيرة حول السؤال الأكبر: إلى أي غد نسعى ونسير ؟ وما هي البداية والنهاية لهذا الكون الكبير ولهذا الوجود على الأرض ؟؟. الفلسفة تقول إذا كانت بداية فلابد من نهاية، وإذا كان خلق فلابد من موت. وإذا كان كيان فلابد من عدم .
اعتمد كما أسلفنا هذا العالم الفذ على معادلة اينشتاين المشهورة التي توجز نظريته النسبية وهي تقول" الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بسرعة الضوء المربعة". سرعة الضوء باتت معروفة ولم تعد مجهولا وكذالك الطاقة إذ بإمكاننا من هذه المعادلة الثلاثية الأبعاد إيجاد البعد الثالث إذا وُجِد بعدان.
إذاً التجربة التي نحن بصددها والتي تجري الآن هي بالأساس محاولة لتطبيق هذه المعادلة التي أوجدتها عبقرية اينشتاين وعقل هاوكينج المقعد فكرة الانفجار الكبير حولها . في هذه التجربة الكبيرة يجري البحث في الأساس عن الكتلة التي هي الحيز الفضائي للمادة، والقصد هنا مادة الخلق الأولى التي تكون منها هذا الكون بأبعادة الواسعة والمختلفة . إذا وُجدت المادة وُجدت العناصر التي تركبها وإذا وُجدت هذه العناصر بإمكاننا البحث عنها في الطبيعة وفي الأجساد الحية وفي أرجاء الكون القريب والبعيدة وان كانت موجودة بأشكال غاية في التعقيد وأخرى غاية في البساطة . وجود الأشكال البسيطة والأخرى المعقدة التي تتشابه بالأصل وتختلف بالشكل والوظيفة لابد لها من التحول والتبدل وهذا يشير مباشرة إلى القانون الطبيعي العبقري الذي ذكرناه أنفا والتي أوجدته الفلسفة المادية في بداية العصر الحديث وكان احد أهم الدعائم والأسس التي ارتكزت عليه الفلسفات المادية و الماركسية كما نفهمها اليوم بان المادة لا تفنى بل تتحول من صورة إلى أخرى . هذه هي الفكرة العبقرية الأساسية التي بنت عليها العلوم الحديثة وجودها وخاصة الفيزياء والرياضيات والبيولوجيا وعلم الهندسة الوراثية وعلوم التقنية الرقمية التي نعيش آثار ثورتها في هذه اللحظات بالذات . اخترع العلماء هناك لهذه التجربة الفريدة من نوعها آلة فريدة ضخمة ومعقدة وضعوها تحت قمم الجبال بعمق لا يقل عن 100 متر تحت سطح الأرض قادرة على إطلاق البروتونات على شكل حزم وهي كما نعرف جزئيات صغيرة اصغر من الذرة بسرعة تعادل سرعة الضوء وهي سرعة هائلة بمفهومنا التقني - الميكانيكي اليوم 300.000 كم /ثانية اذا اخذنا بعين الاعتبار أن سرعة الصاروخ العابر للقارات لا تزيد عن 20-35 ألف كم /ساعة .
التجربة الأولى تمت بنجاح وكانت إطلاق تلك الحزم من البروتونات بسرعة الضوء وقد دلت أجهزة الاستشعار أنها بالفعل أطلقت بتلك السرعة ووصلت الهدف .
التجربة الثانية والغاية من هذه التجربة الكبيرة كلها هي إطلاق تلك الحزم في ذات الوقت من اتجاهين معاكسين وخلق تصادم بينهما كما في ظروف ما قبل الانفجار الكبير، والهدف هو إيجاد الكتلة أي المادة البدء التي تكون منها الكون بظروف متشابهة.













إذا نجحت هذه التجربة ووُجدت المادة في هذه الظروف المخبرية تكون برهانا ساطعا على نظرية " الانفجار الكبير" وما يتبعها من أحداث وحقائق علمية ربما تقلب ظهر المجن لما هو معروف وموثوق في ذاكرتنا الإنسانية ومنذ بدء الأصل والتكوين . ذاك نتركه إلى نتائج التجربة التي لم تتم إلى الآن ولكل مقام مقال ولكل حادث حديث.
السر الأكبر في كل ما كتبناه وكل ما فهمناه من هذه التجربة ومن التجارب التي أدت إلى اكتشاف الجينوم البشري وقضايا الاستنساخ والتهجين والتقنية الرقمية الرهيبة الذي نعيشها الآن هي غياب العنصر العربي عن تلك التجارب والانجازات العلمية الهائلة تماما ... وذاك براينا نتيجة امرين.
الأول- أننا نسير في فلك وفي كون غير هذا الفلك وهذا الكون له قوانينه وانفجاراته ونظمه الخاصة . مشاكلنا كلها قد حلت واستبدت وتحنطت ووُثقت منذ قرون فلا حاجة ملحة لنا للتجارب والبحث من جديد .
الثاني – ربما كنا عرضة في مسيرتنا الجبارة لثقب اسود بلعنا وبلع حضارتنا ووجودنا الذي ربما نعود إليه إن نجحت التجربة الحاصلة في أوروبا بحمده تعالى والتي ربما تكشف أيضا سر الثقوب السوداء المعتمة وسرنا معها بعد أن غبنا في عتمتها زمنا طويلا .
.