" المعذبون في الارض " \ د. فؤاد خطيب

"  المعذبون   في الارض  " \ د. فؤاد خطيب

منذ زمن غير بعيد كان سكان الارض ستة مليارات من البشر .

منهم مليار ونصف المليار ينعمون بهذه الارض ويستاثرون بحوالي 70 بالمئة من خيراتها ومنهم 4.5 مليار هم " معذبوا الارض " وملحها يعملون ويكدحون ويعرقون ويلاحقون رغيف الخبز الهارب من امامهم ابدا كشمس الشتاء التي تظهر حينا وتختفي احيانا وراء الغيوم السوداء المتلبدة.

بقت شريعة الغاب وصراع البقاء والبقاء للاقوى هي الوصفة الفلسفية الابدية التي تحكم هذه الارض منذ ان خلقت ولم تتغير وكان قوانين الاختيار الطبيعي التي وضعها داروين في تفسيره للتاريخ الطبيعي للمخلوقات الحية هي ذاتها التي تحكم القوانين الاجتماعية وتدير دفة تطور المجتمعات الانسانية الاجتماعية السياسية . اذا هذه هي دورة الحياة السرمدية فوق قشرة هذه الارض .

ترقى امم وتتطور وتتجبر وتتعثر اخرى وتذوب وتزول كانها اثر بعد عين .

تقوم الامبراطوريات العسكرية التي تفرض سيطرتها على سائر البشر ارادوا

ام ابوا فتقتل وتسرق وتغتصب الانسانية على الملا كل يوم . تفعل هذا بقوة السلاح وبالقدرات العسكرية التي تمتلكها . يبقى سلاح الضعفاء كما كان ابدا الزمن والثورة .

الزمن - بصيرورته الابدية التي تسير دوما للامام وتتخطى كل الحواجز والعقبات التي تضعها ايادي البشر . يطحن الامم المعذبة ويبقي منها رمادا تذروه الرياح يلف ويدور في اديم الارض . يترك حروفا في ذمة التاريخ تكتب احيانا بماء الذهب واحيانا كثيرة بالخزي والعار والقطران الاسود

لتبقى هما ونكدا على جبين الانسانية الى يوم الدين .

الزمن لايقف عند حجر ولاشجر ويابى الا يدور في متاهات ماضية كالحة واخرى حاضرة قاسية وموجعة .. وثالثة مستقبلية لا تلمسها يد البشر .

الثورة - طفرة في عمر الزمن يحدثها البشر بعد ان تشتد وطاته عليهم وتحبس انفاس الخلق والخليقة . الثورة لا تحدث كل يوم ولا كل جيل ولا كل عصر. هي وليدة الزمن تحرق الماضي منه وتحاول خلق حاضر اجمل وارقى . الانسان هو صانع الثورة الاول والاخير وهو القادر على لجم جماح الزمن وترويضه وجعله زمنا مواتيا لشرائع البشر فيه عدل وحب وفيه الكثير من روعة الحياة ومن اسبابها.

اوروبا تنعم وتتطور وامريكا الشمالية تقوى وتتجبر وافريقيا تموت عارية حتى من ورقة التين واسيا البعيدة تبعث حية من جديد وعالمنا العربي وكانه خارج الزمن وخارج هذه اللعبة البشرية يدور في متاهات قديمة وواهية حتى نساها الزمن . اصبح يركض نحو حتفه ونهايته مسلما امره لخالق الحياة والبشر مهدود الحيل عاجز عن استمرارية الحياة فما بالنا اذا انتظرنا منه ثورة وطفرة على الزمن كتك التي خلقتها الشعوب الاوربية في القرن التاسع عشر والعشرين وكتلك التي تحدثها الان شعوب جنوب دول اسيا وخاصة الصين . مازال عالم العرب خارج الزمن وخارج التاريخ .

ان الشعوب التي تصبوا الى التحرر والازدهار يجب ان يكون لها احزاب ثورية حقيقية تسعى نحو ذاك الهدف وليس احزابا " وطنية برجوازية " اكثر ما احدتثه في الماضي وما يمكن ان تحدثه في المستقبل هي ان تكون وسيطة بين الاستعمار الذي كان و هذا الجديد النيوليبرالي وبين جماهير الشعب المسحوقة التي تعاني الامرين من عودة هذا الاستعمار وهذه المرة بشراسة تفوق كل تصور .

لايهدف الارض العربية والنفط العربي بل يعمل جاهدا على سرقة الحضارة العربية وسرقة الروح العربية وابقاءها كفزاعة المقاثي في اوائل تشرين الأول

تنفخ فيها رياح السموم من كل حدب وصوب .

كتب جان بول سارتر الكاتب والفيلسوف الفرنسي اليساري الوجودي المادي عام

1961 في مقدمة وضعها لكتاب " معذبوا الارض " للطبيب – الكاتب الفرنسي من اصل مارتينيكي الذي كان طبيبا نفسيا ارسلته حكومة الاستعمار الفرنسية للعمل في الجزائر ابان الثورة هناك . ترك عمله واستقال من وظيفته.

ووضع كتابه ذاك لتعرية الاستعمار وفضحه وفضح موبقاته واسفافاته وجرائمه في حق الانسانية التي لا تغتفر . قال عنه بن بلا قائد تلك الثورة مرة " لم يكن فانون رفيقا في المعركة فحسب بل كان مرشدا وموجها لانه ترك لنا من انتاجه الفكري والسياسي ماهو ضمانة الثورة الجزائرية " .

.. كتب سارتر في حينها اي عام 1961 ما يلي " ..ان جيش الاحتلال يصبح كاسرا . يقوم بعمليات تطهير ويشن حملات انتقامية ويقتل النساء والاطفال .

المناضل يعرف ذالك . ان هذا الانسان الجديد يبدا حياته من نهايتها .انه يعد نفسه ميتا بالقوة . سوف يقتل . انه لايرضى ان يعرض نفسه للقتل فحسب بل هو موقن

بانه مقتول لامحالة . ان هذا الميت بالقوة فقد زوجته وابناءه . لقد بلغ من فرط رؤيته لاحتضار الاخرين انه لايريد ان يعيش بقدر ما يريد ان ينتصر . غيرة سيستفيد من النصر لا هو . لكن الامه هذه هي مصدر شجاعة لا تصدق . نحن نجد انسانيتنا سابقة على الموت والياس . اما هو فيجدها بعد العذاب وبعد الموت .

نحن ننثر هواءا اما هو العاصفة .انه ابن العنف يستمد منه كل لحظة انسانيته . لقد كنا بشرا على حسابه وهو يصبح بشرا على حسابنا .يصبح انسانا افضل . "

مارايكم بهذا الكلام وعظمته وصدقه وانسانيته وخلوده .اذا اخذنا بعين الاعتبار ان الكاتب كان فرنسيا ليس عربيا ولا افغانيا وليس مجاهدا في سبيل الامة وعام الكتابة كان 1961 ؟؟. كتب هذا الكلام قبل ان تتاسس منظمة التحرير الفلسطينية

وقبل نكسة حزيران عام 1967 وقبل الحادي من سبتمبر 2001 وقبل ان يعلن الارهابي العالمي حربه على الارهاب وقبل ان يدخل مغول العصر شوارع بغداد.

لاشك انها الكتابةالانسانية الصادقة الخالدة التي لاتابه للزمن ولايمكن لهذا الزمن من محوها مهما كان عنفوانه ومهما كانت جبروته . رفض سارتر عام 1964 جائزة نوبل واصفا اياها ب " الجائزة الصفراء " بعد الجرائم التي فعلها الاستعمار الاوروبي في صطيف في الجزائر وهانوي ومدغشقر . وضعها الغرب ليكفر عن ذنوبه بعد ان امتص دم وخيرات الشعوب المستعمرة في افريقيا واسيا وامريكا اللاتينية .

اذا لم يبق لنا نحن شعوب الارض في هذا الزمن الامريكي الوقح الا الزمن والثورة.

الزمن الوجودي المادي الواقعي وثورة المفاهيم كلها .البرجوزية الوطنية المنتفعة

التي بدلت الاستعمار القديم باحكام توليتارية تتسلط على رقاب شعوبها بالحديدوالنار . مازالت تلك الفئات المنتفعة وان تغير اسمها ولقبها في هذا العصر

الراهن تقوم بدورها السافل في الوساطة بين الاستعمار – الاحتلال الجديد التي يهدف الارض العربية والروح العربية والثقافة العربية في كل مكان وبين جماهير هذه الامة التائهة التي مازالت تدور ضائعة في متاهات الزمن .
.