الأديبة اللبنانية هُدى بَرَكات: الأدب لا يعترفُ بالتصنيفات ولا بالحواجز..

الأديبة اللبنانية هُدى بَرَكات: الأدب لا يعترفُ بالتصنيفات ولا بالحواجز..

ما الأدب؟ سؤالٌ يبحثُ عن إجابةٍ شافيةٍ في ظلّ صراع الأيديولوجيّات والمدارس الأدبيّة والنّقديّة المتوارَثَة، المتنافِسَة، المتضَادَّة وحتّى المتهافتة منها. هل يتمحور الأدب حول اللّغة وجماليّتها؟ أم أنّه ينحصر في المضمون فقط؟ هل هو تمثيل للإنسانيّة وماهيّتها وما تحمله من قيم جوهريّة عليا أم تصوير للحالة المرضيّة والعبثيّة والمأساويّة الكامنة في بواطن هذه الإنسانيّة؟ هل اخترعت الإنسانيّة الأدب لتلتزم به للتاريخ والحضارة أم لتختزل هذا التّاريخ في اللغة؟

لا شكّ أنّ الأدب يستدعي إقصاء ذاتيّة الأديب أو خالق العمل بغية إصدار الحكم الصّافي حولَ التّكوين الإبداعيّ للعمل. يفيد الإقصاء والفصل ما بين الأديب وعمله الأدبيّ الحكمَ الصّحيح الصّادر في حقّ الاثنين: الدّخول في مغالطة قصديّة (ntentional Fallacy) أو في مبحث حول قصد المؤلف اعتماداً على انتمائه الجنسيّ والعرفيّ والإيديولوجيّ والبواعث التّاريخيّة والسّوسيولوجيّة التي آلت به إلى كتابة النّصّ؛ هذه المغالطات القصديّة والتأويلات ما هي إلاّ مرجعيّات ثانويّة حين مقابلتها بالعمل الأدبيّ. لا يحدّد توقيع المؤلّف على الغلاف نوع العمل أو انتماءه وغايته. يثير ظهور جانر «الأدب النّسائيّ»- أسئلة جمّة حول ماهيّة هذا الإبداع وحدوده. ما هي الكتابة النّسائيّة؟ وعلى أيّ أساس يصنَّف العمل على أنّه نسائيّ؟ هل مجرّد توقيع أنثى على الغلاف يجعل منه مادّة أدبٍ نسائيّ، أم أنّ المضامين هي التي تفرض هذه التّسمية؟

الأمر في الحالتين سيان سلبيّ: فهذه التّسمية ما هي إلاّ حدّ من الطاقات الإبداعيّة للمؤلّف(ة)، وَضَرْبٌ على وَتَر اجتماعيّ حسّاس، ومخاطبة لمشاعر القارئ - القارئة، ومبحثه غالباً ما يميلُ إلى طرح قضايا الجنس والقمع الاجتماعيّ والمجتمع في كونه. تُشكّل فكرة خصوصيّة الأدب النّسويّ في حدّ ذاتها قالباً يختزلُ دينامو الطّاقة الإبداعيّة ويحصرها في خطاب «الضّعيف» المقموع. تخلقُ هذه التّسمية ثنائيّة الأدب الذّكوريّ- الأدب النّسائيّ، وهي بذاتها تعطي قيمةً عليا للأوّل على الثاني، ذلكَ لأنّ الأخير يحاول إثبات وجوده من خلال الطّرح المحصور الذي يقدّمه. لكنّ ضعف هذه التّسمية يكمن في تهميش الأدب النّسويّ مقارنةً مع الرقيّ الذي نالته القامة الذكورية واستفحلت سيطرته على مفاتيح اللغة والتّقنيات والولوج إلى النّفسيّ والإنسانيّ.

يُعتبرُ الدّخول في مصنَّف «الأدب النسويّ» إحالةً تعسّفيّة واضطهاداً لمقتحم عتبة الأدب، ذلكَ لأنّ من يبيحُ لنفسه أن يُصنَّفَ في مثل هذه التسميات فإنّه يُساهم في تجذير نمطيّة القراءة عند القارئ، ذلكَ بسبب فشل المبدع في أن يتعدّى حاجز التّسمية الاجتماعية والطبيعة البيولوجيّة، فكم بالحريّ القارئ بأنواعه؟ بغية الحكم على النّص ونوعيّته، نحتاج إلى «قتل» المؤلّف التاريخيّ وجنسه، ومولد النّصّ منزوع النّسب لكي يُفتَحَ باب القراءات المتعدّدة للنّصّ بعيداً عن النّمطيّة، ودون مصطلح الخصوصيّة المقولبة التي تحدّ هذا التنوع، بل من دافع العموميّة التي تجهد القارئ في محاولة تنشيط إدراكه للمسرود واحتفائه بالقيم العليا للنصّ. إذا نجح جون ملتون وجيمس جويس ووليام شكسبير وهنري جيمس ووليام فوكنر وغيرهم من صنّاع الأدب، فإنما يعود ذلك النجاح إلى خَلقِ عوالمَ من اللغة واستغلالها لتخطّي الذّاتيّة والمحليّة نحو رؤية كونيّة أوسع. هذا ما تُحاولهُ الأديبة المتميّزة هُدى بركات في رواياتها، والتي صدر لها ترجمة كتاب «حجر الضّحك» إلى اللغة العبريّة عن دار النّشر «أندلس». تتمتّع بركات بذهنيّة عالية ودقّة متميّزة في صياغة إجاباتها وفي تحديد نوعيّة كتابتها، متخطّيةً بذلكَ التّسميات والحدود الأدبية، معلنةً عن دور الأدب أوّلاً وآخراً في سبر عُمق الوعي البشريّ وتخطّي الحدود أو كسرها. مع بَركات كان لنا هذا الحوار:

*** بدايةً، وفي معرَض حديثنا عن الأدب ومعناه، كيف ترى هدى بركات التّصنيفات والتّقسيمات المتنوّعة للأعمال الأدبيّة بين أدب المقاومة، أدب الحرب، أدب المرأة، أدب الأقلّيّات، وغيرها. هل هذا التّخصيص في العمل الأدبيّ يحدّ من شعريّة العمل وإمكانيّاته في الارتقاء إلى ما هو أبعد من هذا التّخصيص، إلى ما يشملُ الإنسانيّة عموماً؟ هل تَرين في ضمّ أعمالك إلى ما يُسَمّى "رواية الحرب" "عيباً" وحدّاً ممّا قد تُقدّمه الرّواية؟

ربما تكون التصنيفات ذات منفعة بالنسبة للباحثين أو الدارسين، والتي هي برأيي منفعة محدودة، حتّى لو كانت عمليّة. بالنسبة لي شخصياً هناك أدب فقط. كتابة جديرة فقط. إما هي مبدعة وخلاّقة وإمّا لا. وأعتقد أن كلّ أدب مهمّ يتجاوز التصنيفات ولا يبالي بها. هناك ما يُدعى "رواية حرب" بالفعل ... هل المقصود تأريخ حرب ما أم تسجيل روحيّ لشرط بشريّ يكشف عن أعماق جديدة استدعاها مأزق إنساني جديد... هذا هو السؤال.

*** من يقرأ أعمال هدى بركات يُلاحظ ذلك الهاجس بسبر أغوار شخوص مضطربة هي في الغالب شخوص ذكوريّة. ما هي الأسباب من وراء اختيار البطل ذكراً في هذه الرّوايات؟ هل هو ابتعادٌ متَعَمَّد عن دائرة الإناث بطلاتٍ كمحاولة لإقصاء فكرة تطابق أو تشابه بين هويّة المؤلّف وبين الشّخصيّة؟ أم هو هَوَس بعالم لا تتبعين إليه بيولوجيّاً؟ أم أنّ الأمر هو رهين النّصّ فقط؟

لماذا يُفترض أن يلتزم كاتبٌ ما حدودَ هُويّته. أليست الكتابة تجاوزاً جوهرياً لكلّ الحدود. هل تسأل كاتباً أسود لماذا أبطالك من البيض؟ أو كاتباً مسيحياً لماذا أبطالك من اليهود أو المسلمين؟ أو كاتباً بالغاً لماذا تكتب عن الأطفال؟ أنا أجد أنّه من الطّبيعي - حين تكتب - أن تذهب إلى "الآخر" المختلف. فأنا لا أكتب عن سيرتي الشّخصيّة أو عن معاناتي الاجتماعيّة كامرأة. المُغري في الكتابة هو الاكتشاف والبحث والمغامرة، وان تُسائل نفسك عبر الآخر، في لعبة مرايا هي أكثر تعقيدًا وأعمق إنسانيًّا من أن تكتب "منشورًا" لتدافع به عن قناعات ومُعتقدات. على الأقل أنا لا أجد نفسي في هذا النوع من الكتابة... التبشيريّة أو العقائديّة...

حتّى أَنِّي أستطيعُ الافتراض بأن معاناة المرأة (إنسانياً) قد تكون أكثر تأثيراً إذا ما رواها رجل! بقلم امرأة ... ومرّة أُخرى الأدبُ لا يعترف بالتّصنيفات ولا بالحواجز، لا الجنسيّة ولا العرقيّة ولا الدّينيّة إلخ... إنه لحظة عبور الحواجز إلى الحريّة المطلقة الوحيدة فلماذا نرجع إلى ما وراء الجدران؟ !

*** من الملاحظ أنّ قضيّة الهويّة تلعب دوراً رئيسيّاً في أعمالكِ الأدبيّة؛ وهي تتعدّد لتشمل مستوياتٍ وأبعاداً مختلفة. إلى أيّ حدّ ترتبطُ مشكلة هويّة خليل الجنسيّة في "حجر الضّحك" مثلاً أو وديع في "سيّدي وحبيبي" مع هويّة مجتَمع الحرب الأهليّة، ومجتمع ما بعد الحرب الأهليّة على وجه التحديد؟ هل يوجد ارتباط بين اختيار الهويّة الجنسيّة الغريبة، وبين المجتمع في البعد الرّمزيّ لحظةَ التأليف؟ هل في رأيك تؤثّر هويّة القارئ الجنسيّة أو البيولوجيّة على تحديد معنى أعمالِك الأدبيّة بالذّات؟

لنقلْ إنّ الهامشيّين أو "النّاس الصّغار" كما يقولون بالفرنسيّة يشدّونني إليهم في عالمي الروائيّ على نحو خاص. أعتقد أن مجتمعًا مأزومًا أو إشكالاً حضاريًّا أو إنسانيًّا ينعكس مباشرة على هؤلاء وَيُسْقِطُ عليهم أمراضه وعقده التي لا يقدر على حلها. ونستطيع أن نسحب هذا القول على مستويات عديدة جدًا وممنوعة جدًا من اضطهاد الأقليّات ومثليّي الجنس والغرباء والفقراء إلخ... إلى محاولة إلغائهم بالكامل... إنّ الحرب الأهليّة بالذّات هي بالنّسبة لي اللحظة القصوى لِتَأَزُّم مجتمع ما. والآنَ أَجِدُ أَنَّ العالم أصبح في حربٍ أَهْلِيَّة شاملة لكن صامته خفيّة، وهذا مأزق بشريّ وحضاريّ يشهده عالم اليوم.
وبالعودة إلى الشّقّ الثاني من السّؤال فإنّ الاضطراب القويّ لا بُدَّ أن يَصِلَ إلى الأعماق البشريّة وأولّها العامل الجنسيّ، وسلوكيّاته. هذا لا يعني بالطبع أن مثليّة الجنس هي نتيجة أزمة، بل أن ما يعكس الأزمة هو كيفيّة التّعامل مع مثليّي الجنس!

*** هل توافقين على ما اصطلح عليه العديد من النّقّاد بأن تصنّفي أعمالكِ الأدبيّة، كونها تعاملت مع موضوع الحرب اللبنانيّة وانعكاساتها على المجتمع اللبنانيّ، على أنّها أعمال "لبنانيّة"؟ ألا تعتقدين أنّ مجرَد هذه التّسمية تُعطي خصوصيّة للعمل لا يستطيع القارئ من خلالها إلاّ أن يقرأ العمل بالطّريقة التي تفرضها التّسمية دون النّجاح في رؤية العمل الأدبي إبداعاً "منزوع التّسمية"؟

تنطلق أهميّة العمل الأدبيّ من مكان ما وبقدر ما يذهب في عمق هذا المكان بقدر ما يستطيع أن يكسر حدوده... وهذا ما يلمسه الكاتب (أو القارئ) لدى نجاح عمل ما في ترجمته إلى لغات أخرى وصدوره في بقاعٍ جغرافيّة (وتاريخية) مختلفة ومتعددة...

*** تُجيز رواية حجر الضّحك اعتبارها أوّل رواية عربيّة تجرأت على التّطرّق إلى مسألة من أكثر المسائل تكتُمًا وتعتيمًا في المجتمعين العربيّ واللبنانيّ على حدّ سواء، ألا وهي قضيّة المثليّة الجنسيّة، والشّخوص الهجينة في المجتمع لكنّ هذا التطرّق جاء في سياق خاصّ هو سياق الحرب، لا سياق اجتماعيّ يبتعد عن الحدث العرضيّ. في هذا السياق يفقد خليل هذه الهويّة الهجينة ليتحوّل في زمن الحرب إلى شخصية ذكوريّة معطوبة. يزول هذا الشّذوذ في ظلّ الحرب ولا تُقدَّمُ لنا صورةٌ واضحةٌ عن هذه الطّبقة المغيّبة/شبه مغيّبة في الأدب العربيّ بالذّات. هل يُمكن اعتبار "حجر الضّحك" خوضًا جريئًا في هذا الموضوع؛ وعلى الرّغم من ذلك فسرعان ما نراه يموت دون الكشف الحقيقيّ عن مشاكل هذه الفئة. أم أنّ السّياق الذي جاءت فيه يفرضُ تغييبها كونها جزءًا من مرض كلّيّ يعاني منه جسد المجتمع نتيجة الحرب وسرعان ما يختفي؟ إلى أي مدى يرتبط مجاز الرجل الخنثى أو الرّجل-الأنثى بالحرب؟

ليس في أيّ من رواياتي "موضوع" أدافع عنه. و"حجر الضحك" ليست رواية عن مثليّي الجنس أو هي دفاع عنهم بشكلٍ ضيق ! ثم إن الحرب كما يقول السؤال ليست حدثاً عرضياً!
تقول "حجر الضحك" ما قلته سالفًا عن المجتمعات المأزومة، المريضة بالعنف، بكل أشكال العنف. القتل على الهويّة والتّراشق بالنّار ليسا البعد الوحيد لممارسة العنف، والذين لم يَُقْتُلُوا بِشَكْلٍ مُباشر ليسوا أقلّ عنفاً، ولو بقي هذا العنف مقموعاً في الداخل فهو يتحوّل إلى مرضٍ ويشوّه الرّواية للعالم. هذا هو الخطر الحقيقيّ في حلقة العنف المفزعة، فهي تطال الجميع بدون استثناء وفي أشكال مختلفة.
الذّكر هو المحارب، فيجري إذن تمجيده في مجتمع محارِب. ويغدو من ليس له ذُكورة معلنة ومُحَارَبَة معدوم القيمة ومضطهدًا في جميع المقاييس... شبه خائن بما أنه لا ينفع! هذا لا يعني أن كل مثلي جنس كان ضد العنف وضد الحرب، أبدًا. ولا يعني أن النّساء يبقين في الحروب خارج دائرة العنف والموت بما أنهن "يمنحننا الحياة". هذا قول ساذج وغير حقيقي. لا حروب، ولا حروب أهليّة، ولا مجتمعات تجمّد العنف دون دور للنساء. يكون للنساء دور مختلف في المساهمة في الحروب: الحفاظ على نقاوة السّلالة أو الجماعة، الزّغردة وتشجيع المُقَاتِلِين، المطالبة بالثَّأر، الدِّفاع بمختلف الأشكال عن الحدود والأحقاد وتلميع السِّلاح والشّحذ العاطفيّ والغريزيّ. ليس في رواياتي شخوص تدافع عن جماعات باستعمال الرّمز... إنها حكايات أفرادّ...

*** في رواية "أهل الهوى" نرى بطلاً منزوع الاسم يعتزل مجتمعاً وحشيًّا يُؤْمِنُ بكراهيّة القتل في زَمَنِ الحَرْب بعد أن قاده العشق هو الآخر إلى القتل عن مبدأ التّوحّد. هل يُضفي تغييبُ الاسم الى غوريا عامّة على الطّرح وينتقل به إلى درجة إنسانيّة عُلْيَا تتعدّى زمن الحرب ومخلّفاتها؟

بطل "أهل الهوى" لم يعزل نفسه بل أن مجتمعه، بلاده، زمنه هو الذي نفاه، وليس لأنّه يكره العنف أو القتل بل... لأنّه لصدفة ما، أغرم بامرأة من الطّرف الثاني (أي وجد نفسه على صلة معرفة "بالآخر") الممنوع عليه حتى القتل... فتحوّل عنفه ضد المرأة إذن إلى عنفٍ فظيع ضدّ الذات!! بهذا الإطار بماذا تفيدني الأسماء ودلالتها ؟! تستطيع أن تعكس انتماءات الشّخصيّات ولا يتغيّر أيّ شيء.

*** يُلاحظ في رواياتكِ تأثريّة أو سلبيّة البطل في اتّخاذ القرارات أو في تحديد موقفٍ ما؟ ألا تَرَينَ أنّ هذه الخصلة تُساهم في تعزيز نمطيّة هذا النّوع من الشخصيّات على أرض الواقع، أم أنّنا ما زلنا نتحدّث عن مولد هذه الشّخصيّات في ظلّ حرب "خَصاء" وحشيّة؟

ربما لأنّني في العُمق أشبه هذه الشخصيات وكلّما تقدّمتُ في العمر أراكِم الشّكوك والحيرة والهواجس، وتكثرُ أسئلتي بدون الأجوبة، وازداد شكًّا بالأجوبة الجاهزة الذّكيّة...
والآن بتُّ أرى أنه من المفيد ربما طرح الأسئلة بشكل جيّد بدل الإسراع إلى إعطاء الأجوبة بأن البشر اليوم أمام مآزق حقيقيّة واهتزازات كبرى وانكسارات ولحظات فشل لا تجيب عليها الأفكار الجاهزة... ثم أني كاتبة رواية لا غير.... ولا ادّعاء لديّ بقول الحقائق أو إيجاد الحلول.

*** كتَبت إيفيلين عقّاد في كتابها "الجنسية والحرب: أقنعة أدبيّة في الشّرق الأوسط" أنّ الحروب تشجّع على الإبداع لأن الحروب تولّد حالة من اليأس والكتابة تعالجُ الجراح وتقدّم طريقاً آخر للمقاومة. في رواياتكِ الأربع كان هناكَ تطرّق إلى الحرب الأهليّة، فما هو مدى موافقتكِ على ادّعاء عقّاد؟

قد أضيف على ما قالته ايفلين عقاد بأن الحروب تهزُّ عنيفًا وعميقًا وَعْيَنَا البشريّ، وتدعونا إلى أسئلة جديدة... إنّ حركة الأدب العالميّ ما زالت تُحاول الإجابة عن أسئلةٍ طرحَتها الحرب العالميّة الثّانية، ولا تجد هذه الإجابات.

الحروب هي زلازل كُبرى تتحدّى كافة القناعات المستّتبة في الزّمن السّابق عليها، وتغيّر بالضّرورة شكل ومحتوى نظر الإنسان إلى عالمه وإلى شرطه البشريّ. ربما يكون اليأس أحد ملامح معاناة "الخاسرين" في حرب ما. إلا انه وبعد اتّخاذ المسافة اللازمة فإنّه في أي حرب خسارة للجميع، للنوع البشري ككُلّ. إنه فشل العقل في التّوصّل إلى حلول بعد تكرار فظيع لهذه التّجربة نفسها. ذاكرتنا قصيرة على ما يبدو، وهي لا تتعلّم من التّاريخ... ثمّ إن المقاومة شيء والحرب شيء آخر...

*** ما هو الدّور الذي تلعبه اللغة في العمل الأدبيّ؟ هل اللغة هي الأسلوب والتقنيّات الرّوائيّة؟ هل اللغة هي قيمةُ عُليا في العمل الأدبيّ، أم أنها تظلّ مجرّد وسيلة للتّعبير؟ هل اللغة هي ما يميّز روائيّاً جيّداً عن آخر أجود، أمّ أنّ هناك معياراً أكبر من اللغة؟

شكل أو أشكال الكتابة هي المحتوى نفسه! هل كَشَف أسلوب رديء عن أفكار جيّدة في الأدب؟ ! لا أعتقد. وحين نقول "لغة" عملٍ ما فإنّما نعني ثراء وكثافة إبداعه.

حاورها: الطيب غنايم، ريم غنايم، شاحار عجمي
عن صحيفة "فصل المقال"