شاهد على فلسطين: فندق رام الله الكبير

شاهد على فلسطين: فندق رام الله الكبير

في الشارع الخلفي الموازي لشارع ركب برام الله يوجد مبنى من طابقين وراء بوابة حديدية كبيرة وتظلل المكان أشجار كثيفة. هذا المبني لا يرتاده النزلاء ولا الزبائن منذ العام 1982 .. إنه فندق رام الله الكبير (فندق عودة). تعيش فيه امرأة تمسكت بالمكان وظلت تحرسه برموش عينيها. عائدة حسن عودة (ابنة صاحب الفندق) تسكن الفندق وحيدة يزورها أحفاد آل عودة وصحافيون ورجال أعمال يطمحون بامتلاك هذا المبنى العتيق الذي يعود تاريخه الي مطلع القرن العشرين.

عام 1906 قرر أصحابه (حسن عودة وزوجته اللبنانية زهية) تحويل المكان الى فندق. وظل المكان يعمل كخلية النحل في ظل ظروف سياسية وأمنية متقلبة مرّت بفلسطين، الى أن أوقف العمل به مطلع الثمانينات. قرن من الزمان مر على هذا المبنى العتيق (فندق عودة) الذي شهد ويشهد على الحياة المعاصرة الفلسطينية دون تغيير كبير فيه.

كأنه يعاند الزمن هذا الفندق الفلسطيني ويشهد على عبقرية المكان.


الأمكنة كالذاكرة تبقى وتزدهر أو تموت وتمّحى. ولكن ذكرى بعضها تظل مستمرة ومعمّرة تبعث الحنين الى الماضي وتشهد على الواقع المعاش حالياً.. ومن حوانيت رام الله زمان، المحلات التي بقيت وغابت في آن، فندق رام الله الكبير المسمى فندق عودة نسبة الي آل عودة أصحاب الفندق الأصليين.

فندق رام الكبير من أقدم الفنادق برام الله وقد تأسس عام 1906 في ظل الحكم العثماني، وأشرف كل من: حسن عودة وزوجته زهية عودة (وهي من أصول لبنانية) على عملية البناء في ركن مليء بالأشجار وسط المدينة. وأدار الزوجان الفندق في ظل تقلب سياسي واقتصادي مرّ به فلسطين. ويعود الفضل لصاحبة العقل اللبناني، زهية عودة، الفضل في تطوير الفندق وتنظيم عمله بالرغم من كل المعيقات التي أحاطت بالمكان. وتروي عائدة عودة (ابنتهما) أن الفندق كان أول الأماكن في فلسطين التي استخدمت الكهرباء في الانارة واستخدم التلفون الآلي.


ويقول الباحث إبراهيم نيروز في كتابه رام الله ـ جغرافية تاريخ حضارة الصادر حديثاً عن دار الشروق برام الله 2004، ان لتاريخ الا ضاءة في المدينة قصصا كثيرة، ذاكراً أن بلدية رام الله وضعت عام 1923 منارة في ساحة تقع وسط الطريق ما بين رام الله والبيرة عرفت فيما بعد بـ "ميدان المنارة" لتكون دليلاً ليلياً لكل من يمر من المنطقة (وأثناء الحكم الأردني لفلسطين عرف هذا الميدان بالميدان الهاشمي، وبقيت هذه المنارة التي تعلو عموداً حجرياً اسطواني الشكل يعلوه قنديل أضيء بزيت الزيتون مطلع الأمر ثم بدأ يعمل بالكاز ثم بالكهرباء عام 1935، وأزيلت هذه المنارة سنة 1985.

ويذكر العارفون بتاريخ الضوء والانارة برام الله، أن المدينة احتفلت بوصول الاضاءة اليها عام 1935 باحتفال مهيب في ساحة المنارة بحضور رئيس البلدية آنذاك الدكتور سعد الله القسيس ورئيس مجلس البيرة المحلي آنذاك، عيد الموسيو، وحاكم القدس وقائمقام رام الله ومدير شركة كهرباء القدس وجمع غفير من أبناء رام الله والبيرة. ولربما يعود تنوير فندق رام الله الكبير (فندق عودة) في تلك الأيام عند دخول الكهرباء للمنارة أي العام 1935.


دخلت الهواتف الى رام الله مطلع الخمسينات، وانتشرت خدمة الهاتف الآلي في المدينة بشكل تدريجي. وقد أخضع الاحتلال الاسرائيلي الهواتف لسلطته (بعد الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية العام 1967) ووضع لها نظام رقابة دقيقًا وكان يفرض على كل مشترك جديد بشبكة الهواتف أن يحصل على ورقة حسن سلوك من المخابرات الاسرائيلية لكي يحصل على اشتراك بشبكة الهواتف، فلم يضف الاحتلال أرقاما جديدة لشبكة هواتف رام الله كغيرها من المدن والقرى الفلسطينية وانما أبقى عدد الأرقام وسعة المقاسم كما كانت منذ العصر الأردني. وفي ظل الحكم الأردني لرام الله استطاع أصحاب فندق عودة وبقرار من السلطات الأردنية استجلاب مقسم خاص بالفندق الذي كان من رواده قادة هاشميون على رأسهم الملك الراحل الحسين بن طلال وقادة من الحكم الأردني ما بين (1948 ـ 1967). وحظي الفندق بخدمة هاتفية مطلع الخمسينات لم تكن موجودة في أماكن أخرى.

لم تكن برام الله فنادق كثيرة في حينه، سوى قصر الحمراء وسط رام الله والبيرة، فرام الله بمناخها المعتدل وأجوائها الهادئة المعتدلة صيفاً، ولأنها المركز التعليمي في الضفة الى جوار القدس، استقطبت الزوار والسياح وكانت مركز نشاط اقتصادي وسياحي وسياسي أيضاً. وقد أشار تقرير لمجلة العربي الكويتية عام 1961 إلى أن أشهر فنادق رام الله وأكثرها تميّزاً، مطلع الستينات، كان فندق رام الله الكبير (فندق عودة). ومن الفنادق التي عملت في تلك الفترة: فندق قصر الحمراء، وفندق رباح، وفندق حرب، وفندق بلازا، وفندق ميامي.

ولما توفي صاحب الفندق أدار أعماله الابن الأكبر واستمر في ادارته حتى العام 1954 وبعد أن توفى الابن استلمت الابنة الكبرى عائدة (من مواليد 1926) الفندق وعملت على تطويره وظل يعمل حتى 1982. أثناء ذلك وبعد هزيمة 1967 قام الجيش الاسرائيلي باحتلال الفندق أحد عشر يوماً فقط وتركته قوات الاحتلال لأصحابه شامخاً صامداً مستمراً رغم عثرات الزمان الفلسطيني. وظل الفندق ينتظر عودة الفلسطينيين من اللجوء والمنافي لقضاء أحلى الأوقات في ربوع فلسطين ورام الله الهادئة.
توقف فندق رام الله الكبير عام 1982 عن العمل لأسباب كثيرة لم يفصح أصحابه عنها. الا أن المكان ما زال حاضراً وحياً في ذاكرة الفلسطينيين وسياح فلسطين على مدار قرن من الزمان. وبقيت عائدة حسن عودة في المكان حتى يومنا هذا.

روّاد الفندق كانوا من الأقطــــار العربية المجاورة: الكويت والأردن ولبنان والعراق.. ومن الزوار الذين يعرفــــون المكان وزاروا رام الله: الممــــثل العالمي المصري عمر الشريـف وزوجته، والمطــــربة صباح، والفنـــــانة مريم فخر الدين، والآغا خان (من الباكستان)، والدكتور وليد الخالدي، ومن القادة العرب الملك حسين بن طلال عاهل الأردن الراحل (وكان له صالة خاصة فيه) وكبار القادة الأردنيين.
وقع الفندق بأيدي قوات الاحتلال الانكليزي عام 1936 بعد اندلاع الثورة، وأعيد احتلاله منذ 1938 حتى العام 1948 أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها. وقامت السلطات الانكليزية بتسليم الفندق للسلطات الأردنية عام 1950 وبعد جهود كبيرة قام أصحاب الفندق الأصليين باسترجاع المكان واصلاحه واعادة ترميمه (1950 ـ 1951) وفتحه للزوار والزبائن بعد ذلك.

يتكون الفندق من طابقين، وغرفة استقبال وغرفة طعام وغرفة استراحة خاصة (كانت للملك الحسين بن طلال) ونظراً لاقبال الزوار على هذا الفندق اضطر أصحابه لعمل اصلاحات كثيرة واضافة حجرات وطابق آخر له. وتعتبر الحقبة الأردنية (1948 ـ 1967) العهد الذهبي للفندق الراملاوي العريق.
وفي الساحات الخارجية للفندق، هناك ملعب تنس أرضي قديم، وبستان مشجّر يتسع لـ (800) شخص، ومرقص (ديسكو)، ومكان للأوركسترا والغناء حيث كان الفندق يستقبل الفرق الايطالية والاسبانية والعربية مع ركن خاص بالملك الحسين ملك الأردن الراحل. وعمل في الفندق عمال مهرة وصل عددهم في المرحلة الذهبية الي 30 عاملاً في الصيف ويتقلص عددهم في الشتاء الى عشرة. وصنفت الحكومة الأردنية الفندق من الفنادق الممتازة، خمس نجوم. وكان المغتربون الفلسطينيون يرسلون أبناءهم الى الفندق لانتظارهم في رام الله حتى إنهاء أعمالهم في البرازيل أو الولايات المتحدة أو تشيلي وغيرها من أماكن الشتات واللجوء والاغتراب.

ومن المناسبات المهمة التي تم احياؤها في فندق عودة، مهرجان الجمال لاختيار ملكة جمال الأردن وقد كان هذا المهرجان يقام بالتعاون بين فندق عودة برام الله وفندق فيلادلفيا بعمان.

وما زال الفندق الفلسطيني "فندق عودة" يحتفظ بجزء كبير من أثاثـــه القديم كالكراسي والأرائك العتيقة المصنوعة محلياً في رام الله من قبل مصانع كشوع ومصانع رباح للأثاث في المدينة، وهناك أيضاً الهواتف القديمة الآلية وبعض أثاث الغرف والمكتب القديم (الاستقبال) وكذلك جهاز راديو قديم من أقدم الأجهزة التي دخلت فلسطين.

وتقول عائدة عودة إنها متمسكة بمدينتها رام الله وأنها لا تنوي السفر أو الرحيل. وقد تخرجت هذه السيدة من الجامعة الأمريكية بلبنان، وبقيت مع أمها في ادارة الفندق بعد وفاة والدها وأخيها (توفى الأخ الأكبر عام 1954) وكان قد أدار الفندق لفترة قصيرة. وما زالت هذه السيدة ترعى المكان حتى هذه الأيام.
وكان الفلسطينيون الأثرياء يتزوجون في الفندق ويقضــــــون فيه أشهر عســــل حميمة. ويروي الذين زاروا المكان وأقاموا فيه عن أجواء الفندق العائلية والمتعة التي كانوا يحققونها أثناء الإقامة.

وتشير احصائيات في ذلك الوقت الى أن فصل الصيف كان فصل اقامة حفلات الزفاف في الفنادق المعروفة برام الله وكانت تقام 10 ـ 15 حفلة زفاف أسبوعياً وأكثرها للمغتربين من أبناء رام الله.
فندق عودة، قائم حتى الآن وينتظر عودة الأهل من المغتربات واللجوء والشتات، ويحكي طوال قرن من الزمان حكاية الأرض والناس والوافدين والزوار والسياح.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018