محمد الماغوط: ديوان العرب اليوم ليس الشعر.. وإنما أقبية المخابرات / أنور بدر

محمد الماغوط: ديوان العرب اليوم ليس الشعر.. وإنما أقبية المخابرات / أنور بدر

يشكل محمد الماغوط حالة خاصة في سورية، بل في الأدب العربي كله، ففي داخله أكبر من شاعر،طفل ترك مقعد الدراسة ليدخل السجن، وحين غادره أعلن بشجاعة عن الرعب والخراب الذي أصابه، فاكتشف فيه الآخرون شاعراً، هو السجين العائد من غيبته الصغري ليعلن تمرده في مملكة الله وممالك الانسان، ويقرأ علينا قصائد ونصوصاً في الحكمة الأولي وفي لذة الاكتشاف، قبل أن يدخل في غيبته الكبري.

خرج الماغوط من مدينة سلمية التي تقع علي قوس البادية في سورية، ليعيد صياغة أقواس الشعر التي مالت قليلاً مع قصيدة التفعيلة، لكن الأقواس تكسرت بين يديه، وتقطعت الأوتار. فنثر عليناً دهشته فيما سميّ قصيدة النثر التي ما يزال يمضي بها في نصوص أخيرة أين منها الشعر والشعراء.

في شخصية الماغوط نفور الشاعر الذي يهرب الي ظل نخلة علي الأفق الأخير للسراب، يمتلك توجس البدوي وحذر السجين، يأنف الحديث أمام آلة التسجيل، كما يرفض آلية الحوار التي تذكره بالتحقيق، وتذكرنا بالعصيان، هو لا يخاف فيما يعلن أو يكتب، لكن القول يضنيه كصبية لا تعرف أن تبوح بعشقها، فتنثر مواويلها في الفضاءات، أشقاه الصمت وصقيع الجدران، فاكتشف عزاء له في الكتابة.

أصيب الماغوط بالكآبة ونقص التروية والمزيد من الخيبات، فاعتكف في منزله، لم يغادره منذ عامين الا لحفلي تكريم له كان آخرهما في مهرجان دمشق المسرحي،منذ شهرين ونيف وأنا أجلس اليه، نتحدث، اقتنص من هنا عبارة ومن هناك فكرة، لأعود الي مكتبي أسجل ملاحظاتي، وما اقتنصت.

هل اسميه لقاء؟ هو أكثر من لقاء.
هل اسميها دراسة؟ هي دون ذلك.

ربما تكون مكاشفة، أو ربما تكون تجميع لحظات مسروقة من بوح قليل ينز كحبيبات الندي التي تسيل علي الحواف الخارجية لكأس مثلجة.

الشاعر محمد الماغوط ، بيني وبينك قاسم مشترك هو السجن؟

السجن تجربة لا تنسي، قد يكون مضي عليها نصف قرن من الزمان وما زلت اغتسل من أدرانها، فالسجن دمر شيئاً في داخلي، وكل ما قمت به لاحقاً وحتي الآن لا يعدو كونه ترميماُ لذلك الخراب الذي حصل، ومع ذلك كان ارهاباً نبيلاً في تلك الفترة قياساً مع الارهاب الذي انتشر كالطاعون.

ولكنك في السجن كتبت الشعر؟

أنا لم أخطط في حياتي لأن أكون شاعراً، أو كاتباً مشهوراً، في السجن كانت الوحدة وصقيع الجدران قاسيين، فأخذت أدون شيئاً من الملاحظات واليوميات علي ورق السجائر، كانت شيئاًُ ينز من داخلي الذي تحطم علي أعتاب سجن المزة العسكري، وحين خرجت من السجن أدركت حجم الخراب الذي لحق بروحي، لكنني أدركت أيضاً أن ما كتبته في السجن كان شعراً.

وهناك التقيت أول مرة بالشاعر ادونيس؟

صحيح وأنا أحبه، فالسجن يشكل أعظم مناخ للعلاقات الصالحة، لذلك عندما هاجمه الكثيرون، كنت وفياً له، وحين غادرت دمشق الي بيروت التقيت ثانية به، وهناك اكتشفت رحابة العالم، وقد فاجأني وأدهشني كبار شعراء تلك المرحلة (أنسي الحاج، يوسف الخال، أبو شقرا وغيرهم)، كما التقيت في منزله بالشاعرة سنية صالح التي أصبحت زوجتي لاحقاً.
أتذكر تلك التفاصيل كما لو كانت بالأمس فقط، كنت نشرت أولي قصائدي في مجلة شعر حينها جاءت الي ادونيس تقول له: ما هذا الشعر العظيم؟ من هو محمد الماغوط؟ . وكنت جالساً في منزله.

عندما قرأت لهم في مجلة شعر بعضاً من أوراقي احتاروا أمام هذه القصائد، ومدحوني كثيراً، حتي ارتبكت وأحسست أن المكان لا يتسع لي.

وعندما أصدرت ديواني الأول حزن في ضوء القمر ، اتهمت وقتها بأنني هدام وسوداوي ومتشرد. لكن هذا الديوان شكل مرحلة استثنائية في مسيرة الشعر العربي، كما كتب عنه جبرا ابراهيم جبرا وأنسي الحاج.

ومع ذلك رفض ادونيس اعطائي الجائزة سنة 1958 التي أعلنتها مجلة شعر لقصيدة النثر وقال: هذه ليست قصيدة نثر ، لكنه بعد خمسين عاماً علي ذلك جاء يقول لي: كانت قصيدة رائعة .

في عام 1961 نلت الجائزة التي نظمتها جريدة النهار اللبنانية لقصيدة النثر، وقد كتب نذير العظمة عن الذهول الذي أحدثته قصيدة الماغوط.

أدونيس:
أيها النسر المتواطئ مع أعتي الرياح والعواصف
أنا معك حتي الموت في مسيرتك المظفرة
تحت وابل من القشع والسعال
والقيح المعمم كالبيانات الرسمية
ولكنني سأخلد قليلا الي الراحة
وأعهد اليك ببعض الزهور الأثيرة لدي
وهي بكماء وقاصرة
ولا تعرف مواسمها
ولا الفرق بين الربيع والخريف!
فأرجوك.. اسقها ولا تناقشها.
وماذا عن سنية صالح؟

هذه العلاقة أثمرت شعراً وأكداساً من الحزن والألم والذكريات، لقد لعبت سنية دوراً مهماً وكبيراً في حياتي منذ التقيتها أول مرة، اعترف بأنني اقترفت أشياء كثيرة في حياتي، لكنني لم ادع ذلك يؤثر علي شعري أو عائلتي أبداً،لقد رثيتها في سياف الزهور وهو أجمل ما كتبت، هل هو احتجاج علي موت سنية؟ أم علي الحياة التي اغتالت لحظاتنا الجميلة؟ أم أننا نحن الذين اغتلناها؟

لقد توقف قلبي لأول مرة حين غادرتني سنية وحيداً مع حزني وذكرياتي وطفلتين هما شام وقد أصبحت طبيبة، متزوجة وتعيش الآن في أمريكا، و سلافة وهي الآن خريجة فنون جميلة متزوجة أيضاً وتعيش في دمشق.

قلت في سياف الزهور:
30 سنة وأنت تحملينني علي ظهرك
كالجندي الجريح
ولم استطع أن أحملك بضع خطوات
الي قبرك
الزوجة والأولاد... تفاصيل تعود بنا الي العائلة والي سلمية التي لم تزرها منذ عقود؟

ولدت في سلمية عام 1934 وكنت الأبن الأكبر في عائلة تضم ستة أخوة، درست في المدرسة الزراعية فيها، ثم غادرتها الي دمشق لمتابعة تحصيلي العلمي في ثانوية خرابو الزراعية، لكنني اكتشفت أنني لا أصلح للعمل في الأرض، وأن الحشرات والمبيدات ليست هوايتي المفضلة، اضافة لتردي وضع الأسرة المادي، حيث باع والدي مضخة المياه طرمبة بـ 12 ليرة سورية، في ذلك الزمن وأرسلها لي لأنفق منها علي دراستي، فتركت الدراسة وعدت الي سلمية.

في سلمية يمكن للمرء أن يتعرف علي الفوارق الاجتماعية الهائلة، وأن يحس بالتمرد، حتي أن ماركس كان يفترض به أن يولد في سلمية وليس في ألمانيا.

في سلمية انتميت الي الحزب القومي السوري الاجتماعي ليس لمعرفة أو خيار ايديولوجي، بل لأن مقر الحزب هو المكان الوحيد قرب بيتي والذي أستطيع أن أجد فيه مدفأة أجلس بقربها في أيام الشتاء البادرة، وأتدفأ في صقيع سلمية شبه الصحراوي.

وقد كتبت منذ الستينات عن سلمية التي هُدمت عشرات المرات. سلمية معقل القرامطة والمتنبي:
سلمية الدمعة التي زرفها الرومان..
يحدها من الشمال الرعب
ومن الجنوب الخراب
ومن الشرق الغبار
ومن الغرب الأطلال والغربان

لكن سلمية هذه أحبها جداً، رغم أن أغلب أصدقاء الطفولة والذكريات المشتركة فيها قد غادروا. منهم من مات ومنهم من هاجر أو دخل السجن، لكنها المكان الذي لم يغب عن ذاكرتي لحظة واحدة، واذا كنت لم أذهب اليها منذ عشرين سنة فلأسباب كثيرة، ولكنني ارغب حقاً في أن أزورها، وأنا الآن بصدد ترميم البيت القديم الذي خلقت فيه في سلمية.

غادر محمد الماغوط الحزب مبكراً، لكنه ما يزال مسكوناً بهم السياسة في كل ما يكتب؟

الانسان أكبر من الحزب، وأنا في كل ما كتبته كنت معنياً في صياغة معادلة الانسان كقيمة فردية في مواجهة السلطة ـ الدولة، فهي المعادلة المستباحة في واقعنا، منذ استباح العسكر روحي ـ كما قلت لك ـ وأنا أجاهد لالتقاط أنفاسي، لاعادة الاعتبار لانسانية الفرد وكرامته.

فمن يستبيح الانسان... يستبيح الوطن، هذا الوطن الذي يدعوك لمغادرته بكل ما فيه، لكنني لن أتزحزح من مكاني:
كتبت عن السلام فاندلعت الحرب
عن النظام فعمت الفوضي
عن البطولة فتفشت الخيانة
عن الأمل فزادت عمليات الانتحار
عن تنظيم الأسرة فغصت الشوارع بالجانحين والمنحرفين
عن البيئة فدفنت النفايات النووية بين المنازل
عن الصمود فغصت السفارات بطالبي اللجوء السياسي
والاقتصادي والجنسي والديني
يبدو أنني طوال هذه السنين
ألقي مرساتي وأنصب شباكي
في البحر الميت.

لكن السياسة في مجتمعاتنا تقتل الفرد أو تقتل الابداع، لأنها صنو الخراب؟

لذلك علينا أن نحرر الوطن من الحكام والحكومات، من السياسة والأحزاب، من كل ما يمكن أن يغتال حرية الانسان وكرامته. أنا الذي كتبت ديوان الفرح ليس مهنتي تعبيراً عن هزيمة 1967، وهي التي دفعتني باتجاه البحث عن وسائل تعبير أخري، أشكال من الكتابة قد تكون أوضح أو أكثر حدة، فكانت مسرحياتي مع دريد لحام.

لكنك متهم في هذه المسرحيات بالمحاباة وركوب الموجة التجارية؟

هذا لأنهم لم يفهموا وظيفة المسرح أو وظيفة الأدب، أنا حين لم أتحمل مجلة شعر واتجاهات أصحابها في التجريب ، تركت بيروت وعدت الي دمشق، وحين ألمت بنا الهزائم، رأيت أن ننتقل بالكتابة من النخبة الي العامة، رأيت أن نستبطن وجدان وأحزان الانسان العربي، وهنا بدأت المزاوجة بين العنصرين التجريبي والشعبي في كتابة كوميديات ساخرة مع أنها دامعة أيضاً.

تعرفت بدريد لحام في بداية السبعينيات، وأسسنا فرقة ضيعة تشرين وكان هذا عنوان أول مسرحية نقدمها بعد حرب تشرين، وتتالت مسرحيات غربة، كاسك يا وطن، شقائق النعمان... .
وهذه المسرحيات شكلت نقلة من المسرح التجاري الي المسرح الشعبي الذي حافظ علي أسلوب الكوميديا الساخرة، لسهولة تواصلها مع الجمهور، ولا أدل علي ذلك من كونها ما زالت تعرض علي مختلف الشاشات والفضائيات العربية، أنا في المهرج وفي شقائق النعمان الشاعر نفسه ولم أتغير.

تجربة الماغوط في المسرح أوسع من مسرحياته التي قدمها دريد لحام؟

نعم، كتبت خارج السرب بعد انقطاع، وعدت للمسرح، ولكن هذه المسرحية سرقها مني جهاد سعد وعابد فهد، وقد شكلت نكسة كبيرة في حياتي، اعتكفت من بعدها في المنزل وأدمنت الشراب. هذان الشخصان أساءا اليّ كثيراً.

أما مسرحيتي المهرج فقد جاءني مؤخراً وفد من الولايات المتحدة الأميركية، وقابلوني وهم الآن بصدد ترجمتها واخراجها مسرحياً باللغة الانكليزية. وقد اعتبرت من النصوص الخالدة في التاريخ، ولي مسرحية المارسيليز العربي ، كما قدمت مسرحية مستوحاة من كتابي سأخون وطني .

لدي مسرحيتان جديدتان قيام، جلوس، سكوت وقد اشتراها الفنان زهير عبد الكريم، وهو بصدد العمل عليها الآن. كما اشترت مني وزارة الثقافة مسرحية المقص وسيخرجها ماهر صليبي.

ماذا حول آخر أعمالك الدرامية حكايا الليل والنهار ؟

أنا مُقل في الدراما التلفزيونية، كتبت سابقاً ثلاثة أعمال هي حكايا الليل و وين الغلط و وادي المسك والآن أنهيت حكايا الليل والنهار الذي كتبته كأفكار، رغم أنّ الصياغة الدرامية ليست لي، وسيخرجه علاء الدين كوكش.

كذلك كتبت سيناريو فيلمين سينمائيين هما الحدود و التقرير .
لقد تُرجم العديد من أعمالك؟

هناك مختارات مترجمة من أشعاري باللغة الفرنسية وباللغة الأسبانية، وتوجد ترجمات أخري متفرقة، لكنهم مؤخراً أخذوا موافقتي علي ترجمة كل أعمالي الي اللغة الانكليزية.
وقد جاءني بروفيسور باحث في أحدي الجامعات الكندية، وقال لي: ظلّ الغرب خمسين عاماً يبحث عن تعريف للشعر، حتي قرؤوا لك:

سئمتك أيها الشعر
أيها الجيفة الخالدة

وقد كتبوا حولها مطولات ودراسات في تعريف الشعر.

قديماً قيل الشعر ديوان العرب لكن العرب الآن لا يقرأون، كيف تري مستقبل الشعر؟

ديوان العرب الحقيقي الآن هو أقبية المخابرات، حيث الاعترافات وصديد الكرامة الانسانية، ديوان العرب هو سياط الحكام منذ بدء الخليقة وحتي الآن. وأنا أكتب كي أنجو من حالة الألم واليأس.

انظروا ماذا يفعل، انعدام الحرية وقسوة الطغيان، حتي تقرأوا أشعاري حزن في ضوء القمر، غرفة بملايين الجدران، الفرح ليس مهنتي... نحن لا يلزمنا كثير من الفذلكة حتي نُميّز الأشياء، فأنا بدلاً من أن أري السماء رأيت الحذاء، حذاء عبد الحميد السراج رئيس المباحث/ نعم رأيت مُستقبلي علي نعل الشرطي، لذلك تري:

انّ أي فلاح عجوز
يروي لك في بيتين من العتابا / كل تاريخ الشرق
وهو يدرج لفافته أمام خيمته... .

الماغوط الذي أسس لقصيد النثر في الشعر العربي بدأ ينثر نصوصاً لم يسمها شعرا، مع أنّ الكثيرين يجدون فيها ما هو أجمل من الشعر؟ ما الفارق بين قصائد نثر الماغوط وبين نصوصه؟

لا أدري، فقط لم أسمها شعراً، في كتاب سأخون وطنــي كانت مقالات ونصوصاً، حتي سياف الزهور اعتبرته نصوصاً. أنا اقترفت كل أنواع الكتابة، لي رواية بعنوان الأرجوحة صدرت عام 1992 عن دار الريس في لندن. كتبت مجموعة من المسرحيات، كتبت دراما تلفزيونية، كتبت الكثير من الشعر والكثير مما أسميته نصوصاً أدبية، البعض قال لي: انّ كتابي الأخير شرق عدن ـ غرب الله.... من أجمل ما كتبت شعراً، مع أنني أسميته نصوصاً.

أعتقد أنّ الكتابة هي اشتغال علي اللغة، كالرسم بالألوان، يجب أن لا تحدها المدارس والتسميات. وكما قلت لك أنني لم أختر أن أكون شاعراً ولم أتعلم نظم القوافي، هناك من يعتبرني شاعراً بالفطرة، والبعض قال عني: ساحر يخبز لنا من اللغة خبزاً شهياً. وبالنسبة لي لا يمكن الفصل بين الشعر والنثر من حيث اللغة والأسلوب والصورة، دعني أقول: أنّه لا يوجد شعر أو نثر، هناك محمد الماغوط.

كتب يوسف الخال يقول: هبط علينا الماغوط كالاله يونان، وجوزيف حرب قال: محمد الماغوط في بيروت مثل فيروز في بيروت، لا أحد يختلف عليهما، أما سعيد عقل فقال: الماغوط ليس شاعراً انه الشعر.

صديقك الراحل ممدوح عدوان ظلّ يُحارب قصيدة النثر مع اعجابه بشعرائها الكبار أمثالك، حتي كتب قبل وفاته أو جمع قصائد نثرية له ما سر هذا التحوّل؟

لا أدري، ولكن ليته لم يفعل ذلك، ممدوح عدوان فيما عرفناه من شعره الأول كان أجمل.

البعض يتحدث عن أزمة الشعر، والبعض يتحدث عن أزمة ثقافة وقيم، لكن الماغوط ندب وطناً بكامله؟

بالنسبة لي الشعر ليس هدفاً، انه وسيلة لسعادة الانسان، كل الفنون كالرسم والغناء والتصوير والنحت.... هي وسائل لسعادة الانسان، وليست هدفاً بذاتها، وفي كل ما كتبت كنت محمد الماغوط ولم أتغيّر. امتهنت الرعب حين ضاع الوطن، وبكيت حين ظنّ العرب أنهم مُنتصرون:
آه كم أود أن أكون عبداً حقيقياً
بلا حب ولا مال ولا وطن ... .

وسبق أن أعلنت أنني مع القضايا الخاسرة باستمرار، نشرت في العدد الثاني، عام 1958 من مجلة شعر قصيدة القتل :
ضع قدمك الحجرية علي قلبي يا سيدي
الجريمة تضرب باب القفص
والخوف يصدح كالكروان .

سبق للماغوط وأن كُرّم أكثر من مرة، ومُنح أكثر من جائزة، مؤخراً زاره محمود درويش و عبد المعطي حجازي وآخرون...، كما مُنحت جائزة شعرية باسمك، ماذا يعني لك هذا التكريم؟

جميل ومفرح، وان جاء متأخراً، فتكريم الشاعر من كرامته، والكرامة لا تكون الا بالحرية، الزمن يمضي سريعاً، ولم يعد هنالك وقت للانتظار.وأعود للقول أن الشعر وسيلة، لكنه لا يوجد حل الا بالحرية.

مع ذلك يكتب الماغوط بغزارة مُلفتة للانتباه؟

حتي أنا يُدهشني ذلك، لا يوجد يوم الا واكتب فيه جديداً، أنا امتلك خيالاً أسطوريا، ومُتمكن من اللغة ومن السخرية، وعندي موروث من الهزائم يلف الكرة الأرضية بكاملها، ولولا الشعر لفقدنا القدرة علي الحياة. كتابي الأخير شرق عدن ـ غرب الله... فاجأ الجميع بأنه 700 صفحة، والآن أعمل علي كتاب جديد سيصدر لي، عنوانه البدوي الأحمر بكل ما للمفردتين من ظلال ودلالات.

تتنافس الدول والحكومات والشركات بامتلاك مخازن احتياطية من النفط، وأنا امتلك احتياطياً من الرعب يكفي لممارسة حق الكتابة.

من شرق عدن .. غرب الله لمحمد الماغوط

كل ما تراه وتسمعه وتلمسه وتتنشقه وتتذوقه
وما تذكره وتنتظره وينتظرك
يدعوك للرحيل والفرار ولو بثيابك الداخلية
الي أقرب سفينة أو قطار:
ألوان الطعام
الشراب
الخدمات العامة
الرشاوي العلنية
أصوات المطربين
أصوات الباعة
مُخالفات المرور
الأمراض المُستعصية
الأدوية المفقودة
والمجارير المكشوفة في كل مكان

نتائج الانتخابات
نتائج المفاوضات
نتائج المباريات
نتائج السحب

الراتب التقاعدي
بدل نهاية الخدمة
والهرولة وراء وسائط النقل
من الصباح الي المساء

ثمّ المصلحة العامة
والذوق العام
والحق العام
والرأي العام
والصمت المطبق في كل مجلس
والوحدة القاتلة في كل سرير

ثمّ المطاولات الصحافية، وآراء المحللين
والاعلام الموجه
والسينما الموجهة
والمسرح الموجه
والقضاء الموجه
والرياضة الموجة
والزواج الموجه
والغش في كل سلعة
والهزيمة
في كل حرب!!

ومع ذلك لن ارحل
ولن ابرح مكاني قيد أنملة
كما يحلم يهود الداخل والخارج

وسأتشبث بالأسلاك الشائكة
والحدود المكهربة
ولو تفحمت عليها!!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018