فيصل دراج: تحرير المضطهدين شرط ولادة المجتمع المدني

فيصل دراج: تحرير المضطهدين شرط ولادة المجتمع المدني

بعد أن أصدر د. فيصل درّاج، قبل أربع سنوات، كتابه «نظرية الرواية والرواية العربية»، الذي اعتبر أفضل كتاب عربي في معرض الكتاب في القاهرة ـ 2002 أصدر كتابه: «الرواية وتأويل التاريخ»، الذي يحرّض القارئ على جملة متنوعة من الأسئلة.


وهذه الأسئلة، أو بعضها، هي مبرّر هذا الحوار:


ـ يدور كتابك الجديد «الرواية وتأويل التاريخ»، كما كتابك الذي سبقه «نظرية الرواية والرواية العربية». عن نظرية محتملة للرواية العربية، في حين أن التساؤل يدور حول وجود ما للرواية العربية، فهل هناك رواية عربية؟


ـ الحديث عن نظرية للرواية العربية هو مجرد احتمال أو أنه، بشكل أدق، شغف مدرسي يدرك مسبقاً أنه غير قابل للتحقق، ذلك أن في حركية الإبداع ما يفيض على سكون المفاهيم النظرية. أما ما يخص وجود الرواية العربية فهو حقيقة ملموسة تتكوّن منذ مائة عام. فهذه الرواية حاضرة في اللغة التي تُكتب بها، لأن شكل الفكر من شكل اللغة التي تعبرّ عنه، وبين اللغّة العربية وغيرها من اللغات فروق أكيدة،


وهي حاضرة في التاريخ الثقافي الخاص بها، الذي أوجدها معوّقة وجعل الإعاقة عنصراً داخلياً فيها، ترد إلى منتج النص الروائي حيناً وإلى قارئه في حين آخر. وهي حاضرة في وجهة النظر، التي ترى إلى تاريخ عربي مغترب وتكتب فيه تاريخاً مرغوباً، كما لو كانت تصحح كتابة التاريخ المسيطرة وتجابه التاريخ المقيّد المكتوب بتاريخ طليق، هو مزيج من الرؤيا والرغبة والاحتمال.


ـ لكن أليست الرواية عملاً إبداعياً خاصاً بغض النظر عن جنسية مؤلفها، وأفق تكوينه، وبغض النظر عن اللغة التي تكتب بها، والأشخاص الذين تعبّر عنهم؟ ألا يحيل القول ب«الرواية العربية» إلى منطق الهوية والمطابقة، مثل منطق التجنيس والتوطين؟ هل هو قول إجرائي أم مفهومي؟


ـ لا وجود للمفاهيم النظرية الكونية إلا في تميّزها، بسبب اختلاف المجتمعات، أو اختلاف الأزمنة التاريخية التي صاغت هذه المجتمعات، وهو ما يجعل مفهوم السيطرة، على سبيل المثال، يختلف في المجتمعات ما بعد الصناعية عنه في المجتمعات الأبوية. فعلى مستوى التجريد النظري العام يمكن أن تنسب الروايات جميعاً، مهما كانت جنسيات مؤلفيها، إلى مقولات ثلاث: الإنسان في عالميه الداخلي والخارجي، المتخيل الذي يشذب الواقع أو الواقع الذي يتحكم بالمتخيل، ولغة النثر التي تميز الرواية من اللغة الشعرية ولغة المفاهيم النظرية المختلفة.


غير أن تاريخية الكتابة الروائية، المحكومة بواقع معين لا بغيره، تعيد تمييز هذه المقولات وتضع فيها نسبية واضحة. ولهذا فإن «غريب» كامو، الذي يحيل على ظاهره استعمارية، لا يساوي «مغترب» غالب هلسا، الذي يحيل على قمع داخلي.. ولن يساوي المتخيل الروائي عند توماس مان في «الدكتور فاوست»، وهو يحاكم فكراً ألمانياً «تسلطياً»، المتخيل الروائي في رواية «شرف» لصنع الله إبراهيم، الذي يحتج على تسلط سلطوي ومجتمعي في آن.


ينطبق الأمر بداهة على اللغة العربية، التي لم يتم إصلاحها حتى اليوم، في مقابل لغات أوروبية أُنجز إصلاحها، منذ عقدين من الزمن وأكثر. أما بالنسبة إلى الهوية، فإن الرواية العربية تتعامل مع هوية مشكوك فيها، إن لم تعمل على تقويض بعض عناصرها والاكتفاء بهوية ـ سيرورة، غير مكتملة ولا تقبل بالاكتمال. فالهوية العربية، في تصورها التقليدي، سكونية فقيرة العناصر ترى إلى الماضي وتحتفي بالانغلاق، خلافاً للقول الروائي المنفتح على الثقافات المتعددة والمتطلع إلى المستقبل والبعيد عن القطعية واليقين وتقنين الأسئلة.


ليس غريباً، والحالة هذه، أن تكون الرواية العربية هي الفضاء الأوسع لمقولة «الآخر»، بالمعنى الحواري، منذ أن كتب المويلحي «حديث عيسى بن هشام»، مروراً بتوفيق الحكيم وبهاء طاهر وجبرا إبراهيم جبرا، وصولاً إلى المغربي أحمد التوفيق واللبناني ربيع جابر والسوداني الطيب الصالح. بهذا المعنى تكون الرواية العربية قولاً إجرائياً ومفهوماً نظرياً معاً.


ـ في كتابك الجديد «الرواية وتأويل التاريخ» تشير إلى فكرة جوهرية، مفادها أن الروائي العربي هو المؤرخ الحقيقي لوقائع الحياة العربية، حيث المؤرخ المختص مجبر دائماً على مراعاة الحاجات السلطوية وعلى الانتباه إلى ما تقبل به الرقابة وترفضه، تثير هذه الفكرة التساؤل حول انتفاء المؤرخ الحقيقي المستقل والنقدي في الكتابة العربية، هل تقول ذلك تماماً؟


ـ أقول ذلك متمسكاً بأفكار محددة.


فعلى مستوى النظر، أولاً، يستطيع الروائي أن يرى ما لا يراه المؤرخ، حتى لو كان نزيهاً، لأن الأخير يلامس الحاضر والماضي ويدع المستقبل جانباً، بل أنه يقيس، أحياناً، الحاضر على الماضي باحثاً عن المفيد، الذي ينطوي على التحريض ومحاكاة مجد بعيد مفقود. ولعل الواقع العربي، المصنوع من خيبات كثيرة ونجاح قليل، هو الذي يقنع المؤرخ، حتى لو كان نزيهاً، بإضافة شيء تحريضي إلى التاريخ. على خلاف ذلك فإن الروائي يرى إلى الحاضر عارياً ويتأمل نزوعه، أي أنه يشتق رؤية المستقبل من معرفة الحاضر.


لهذا أصاب الروائي غسان كنفاني وأخطأ المؤرخ محمد عزة دروزة، علماً أنهما فلسطينيان ويتقاسمان النزاهة، والفرق بينهما أن غسان يبدأ من إمكانيات الإنسان المشخص، بينما يبدأ المؤرخ من الأصول المباركة البعيدة ويستولد المستقبل المتوهم من أصول متخيلة. على مستوى آخر هناك الرقابة السلطوية، التي تلقي بنزاهة المؤرخين إلى الماء وتخترع مؤرخين سلطويين يخترعون التاريخ الذي يلائم السلطة.


والأمر هنا يتجاوز نوايا الأفراد ويتوقف أمام آلة السلطة التي تأمر، غالباً، باختراعين، اختراع ماضٍ كامل لا نقص فيه واختراع حاضر مطابق ينتسب إلى الماضي. إضافة إلى ذلك هناك نقطتان إضافيتان تقول الأولى منهما: إن الكتابة التاريخية العربية، بالمعنى الموروث، لم تعرف الاتفاق إلا صدفة، ذلك أن الكتابة التاريخية المتعاقبة كانت خاضعة أبداً للسلطات السياسية المتعاقبة، بما يجعل المؤرخ العباسي ينقض ما جاء به المؤرخ الأموي، وبما يجعل من يتلوهما ينقض ما جاءا به معاً.


من الطريف أن تشير هنا إلى أن القرن الثامن عشر الأوروبي عرف صعود الرواية وعلم التاريخ معاً، معترفاً بهما كحقلين متمايزين من حقول المعرفة، لكل منهما مواضيعه وأدواته، على خلاف التاريخ العربي الحديث المعوّق الذي سمح بظهور الرواية ولم يسمح بعلم التاريخ، فظل الأخير رهين إيديولوجيا سلطوية عامة، تعين الصحيح والخاطئ وتستولد ما شاءت من الانتصارات والمكارم. إن علم التاريخ، كما العلوم الاجتماعية بعامة، لا وجود له في الأنظمة المستبدة، وما يوجد هو «فولكلور معرفي» أكثر منه معرفة حقيقية، باستثناء حالات قليلة ضيقة الانتشار.


ولعل غياب علم التاريخ، أي غياب الكشف عن الحقيقة، هو الذي دفع الروائي العربي إلى تعيين ذاته مؤرخاً، كما لو كان على الأديب أن يستدرك قصور المؤرخ، وأن يصل إلى حقل كتابي جديد يتبادل فيه المؤرخ والروائي المواقع.. وربما يكون هذا الحقل، الذي ازدهر في العقدين الأخيرين، وانتمى إليه عبد الرحمن منيف وربيع جابر ورضوى عاشور ومحمود الورداني وأحمد التوفيق، هو الحقل الأكثر خصباً اليوم في الرواية العربية..


ـ تقول كذلك أن الرواية تكتب الحياة الاجتماعية من وجهة نظر المضطهدين «الذين لا يحسنون الكتابة»، الأمر الذي يجعل الروائي يخالف المؤرخ السلطوي بالمنظور والأداة واللغة، لأن الأخير يهتم ب«المفيد» بينما يأخذ الأول «الصحيح»، هل المشكلة في المؤرخ أم في تقاليد السلطات العربية أو الأنظمة العربية وانتفاء الحريات؟


ـ أعتقد أنني لم أقصد الرواية من حيث هي، فكثير من أشباه الروائيين كتبوا أشباه روايات سلطوية، مسفّهين جنساً كتابياً لا ينتمون إليه. والفكرة الأساسية هي التالية: كل فن حقيقي هو فن يدعو إلى الحرية ويحقق وجوده بعلاقات حرة. وما يميز الرواية هو ليس قولها الأخير بل العلاقات الجزئية التي أفضت إليه. ويمكن القول بكل بساطة: إن الرواية قول حداثي يتطلع، ضمناً، إلى مجتمع قائم على تساوي الحقوق والواجبات.


وقد يقال إن هذا تعميم مبتسر منبتّ عن «أدبية العمل الأدبي». والجواب بسيط: لم يكتب محمد حسنين هيكل روايته «زينب»، وهي مبتدأ الرواية العربية، إلا ليدرج فيها أفكار جان جاك روسو، الذي استنكر الاستبداد وطالب بمجتمع «العقد الاجتماعي». كما أن محفوظ، وهو يكتب ثلاثيتّه، لم يكن مشغولاً ب«سادة القوم»ـ بل بهؤلاء المنسيين، الذي قاتلوا من أجل ثورة لم تورّثهم الشيء الكثير. يمكن القول بشكل آخر: إذا كان المنتصرون يحتاجون، في جميع الأزمنة، إلى رواية واحدة، فإن التصور الروائي للعالم، الذي ينطوي على التنوع والتساؤل والاحتمال، يكتب عن البشر في أحوالهم المختلفة، أي عن الفقراء و��لأغنياء والمعروفين والمنسيين والمضطهدين والمضطهَدين..


تبدأ الرواية من تساوي البشر وتنتهي إلى مدن فاضلة، تبشر بمساواة متخيّلة، كلما اقتربت ابتعدت.. وقد تبدو الأمور أكثر وضوحاً إذا تأملن المنظور الروائي للعالم: فهو يبدأ من «الإنسان» من حيث هو، بلا مراتب ولا ألقاب ولا منازل، وهو يقول بالتعدد والتنوع ومساواة العلاقات المتعددة والمتنوعة، وآية ذلك اللغة الروائية التي تحتقب لغات متنوعة تحاكي التنوع الاجتماعي. أكثر من ذلك: إذا كانت الحداثة الروائية لا تستقيم إلا في مجتمع يعيش الحداثة في علاقاته المختلفة،


فإن عليها أن تجابه الاستبداد، الذي هو نقيض للحداثة، وأن تعيد الاعتبار إلى المنسيين المضطهدين، لأن تحرير المنسيين والمضطهدين شرط ولادة «المجتمع المدني»، الذي لا تصعد الرواية، مُجتمعياً، إلا به.


وعلى هذا فإن التزام الرواية بقضايا المضطهدين لا يفسر أخلاقياً، كما لو كان الروائي واعظاً مختلفاً، إنما يفسر بنيوياً، ذلك أن التنوع والتعدد وحوارية العلاقات المختلفة هي قوام البنية الروائية، التي تختلف عن نصوص نقيضة، أحادية الفكر واللغة والتفسير. يقول البعض: «لقد خُلق الأمل لهؤلاء الذين لا أمل لهم». وأعتقد أن في النص الروائي وجهاً أو وجوهاً من هذا الأمل، وذلك للسبب التالي: يرى المستبدون إلى الواقع اليومي المعيش كواقع ثابت متجانس أبدي وحيد، بينما تتعامل الرواية مع الواقع بصيغة الجمع،


فالواقع كان، والواقع سيكون، والواقع يتكوّن، والواقع يخلق ويتطور ويتجدّد: أعاد الغيطاني خلق واقع مضى في «الزيني بركات»، ورأى محفوظ في «ثرثرة فوق النيل» إلى واقع لم يصل، وخلق إدوار الخراط «واقعاً موازياً» في «الزمن الآخر».. الواقع الذي تقول به الرواية متعدد متنوع محتمل، أي واقع ينقض التصور المستبد لواقع لا يتغير ولا يتبدل. ولعل استمرارية الاستبداد الطويلة هي التي أفضت في النهاية إلى ثنائية: السلطة/ المؤرّخ، وما خارج السلطة /الروائي.


لا غرابة، والحال هذه، أن تكون العلوم الاجتماعية العربية المسيطرة إيديولوجيا سلطوية عامة، وأن يكون الإبداع الروائي، كما أشكال الإبداع عامة، الموقع المعرفي الصحيح، يغاير النص السلطوي من ناحية، والذي يضيء الواقع المعيش العامر بالمهمشين الذين لا يحسنون الكتابة ولا ينتبهون إلى النص الروائي الذي ينطق عوضاً عنهم.


ـ لماذا ترى أن القراءة النظرية للرواية العربية تستلزم على الدوام قراءة التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي جاءت منه الرواية العربية؟ ألا يوجد سياقات أخرى للرواية أو للتجارب الروائية العربية؟


ـ أبدأ من النصف الثاني من السؤال وأقول: توجد سياقات أخرى لقراءة الرواية أو للتجارب الروائية، لكنها غالباً سياقات شكلانية كأن يقرأ الناقد إشكالية الذكورة والأنوثة أو أزمة الجنس أو المخيال.. كل هذه المقاربات ممكنة ومحدودة في آن، لأنها تستبدل بالواقعي الشكلاني وبالجوهري الثانوي. فالرواية العربية ولدت في صراع مع الثقافة المسيطرة، منذ أن شكا بعض رجال الدين محمد المويلحي إلى والده، لأنه ارتضى كتابة قريبة من «أدب العوام»، وصولاً إلى قضية نجيب محفوظ في «أولاد حارتنا». أكثر من ذلك أن الرواية العربية،


كما الحداثة الأدبية بعامة، تكونت في صراع القديم والجديد، بلغة طه حسين، أو في صراع الحداثي والتقليدي.. ويكفي التوقف أمام «المدن الثلاث» لفرح أنطون و«زينب» لمحمد حسين هيكل و«رامة والتنين» لإدوار الخراط وغيرها من الروايات للوصول إلى النتيجة التالية: تحيل الرواية العربية على شكل إيديولوجي مراوغٍ واجه، ولا يزال، ثقافة تقليدية مسيطرة مأخوذة باليقين والركود والمطلقات..


لهذا لا يمكن النظر إلى المحاولات الروائية عند هيكل وتوفيق الحكيم وطه حسين بمعزل عن صراع الحداثة والتقليد، في مستوياته الفكرية واللغوية والسياسية المتعددة. بل أنه لا يمكن النظر إلى بعض «الابتكارات الروائية»، مثل الرواية الوجودية العربية في الستينات بمعزل عن «مدرسة الواقعية الاشتراكية» العربية، حيث كان على القوميين أن يخترعوا رواياتهم في مقابل الماركسيين الذين اطمأنوا إلى رواية خاصة بهم.


وفي الحالات جميعاً، فإن الأدب لا ينفصل عن الوقائع الاجتماعية والسياسية. وما الحديث القديم الجديد عن ثنائية الحداثة والمروق إلا حديث آخر عن ثنائية القديم والجديد، الأمر الذي يقرر الرواية علاقة اجتماعية في جملة من العلاقات الاجتماعية الأخرى، ويقرّر التاريخ الروائي عنصراً متمرداً في تاريخ ثقافي اجتماعي لا يميل إلى التمرد.




عمر كوش
"البيان"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018