حكاية الفلاح الفلسطيني الفصيح/خالد بركات

حكاية الفلاح الفلسطيني الفصيح/خالد بركات

كل صبيحة، كان " يستيقظ " الرفيق علي قاصد من " النوم" ليبصق على هذا العالم الموحش ويلعنه الف مرة ، وكان وهو يفعل كل ذلك لا يحتاج الى اسباب كثيرة، خاصة وهو يتابع مسلسل القهر اليومي في وطنه العربي الكبير، من العراق الى لبنان ثم سوريا مرورا بمصر التي أحبها هذا الفلاح العربي القادم من قرية (عين يبرود) الفلسطينية- الى قاهرة الزعيم جمال عبد الناصر، مصر المحروسة التي ظل رفيقنا يردد بكل جوارحه وادواته البسيطة ، منذ اليوم الاول وحتى اللحظة الاخيرة : لا شئ بدون مصر..لا تتوهم!

كان يرحل الرفيق علي قاصد ويتركنا بالتقسيط المُمِل ، لهذا ربما، كان فراقه مفجعاً أكثر، وكان قلبه المتعب يتراجع الى الخلف ، خطوة خطوة وعلى مهل ، أمام وحش المرض المعادي وزحف جيش الفيروسات الخبيثة التي انتهكت جسده تماما وانتصرت عليه في الجولة الاخيرة ، تلك الجولة التي كان يسخر منها ويسميها " معركة الدفاع عن الروح السابع والاخير " في اشارة الى الكنية الجديدة التي اطلقها عليه أحد االاصدقاء تعليقا على زيارات علي المتكررة لغرفة الانعاش خلال السنوات الاربع الاخيرة :

- ما تخاف، هذا زلمة بسبع أرواح، يومين ورح يرجع يقرّف حياتك!

كان علي ينسل خفيفا من بين يدي فاطمة ، رفيقة دربه وزوجته العزيزة ،ً مثلما يهرب الماء من بين أصابع طفلة صغيرة ، فاطمة ، تلك المرأة الفلسطينية الفلاحة والمعذبه والوفية ، قررت أن لا تتخلى عنه لحظة واحدة منذ اللقاء الاول في اوائل السبعينات في نيويورك وحتى الوداع الاخير. وسوف لن تنسى أبدا حين جاءته وعلى كتفيها طفلان ( أروى و جميل) . كان هو يريد ان يبني " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين " وكانت هي امراة مقهورة ومنتهكة ومنفية ومطلقة وفقيرة حتى الرمق الاخير ، قسى عليها الاهل والاعداء بالتساوي ، وذاقت معنى اللجؤ والحرمان والعسف الذكوري العربي . لم يتخلى عنها ولم يتخلى عن أروى وجميل أحبها وأحب اطفالها بدون شروط ، وبدون مواعيد مسبقة ، وتزوجها ضد كل " تقاليد وخراريف وأعراف العائلة والقرية والعالم والسماء" .

منذ ذلك اليوم ، حين قال لها " شو يا فاطمة ، بنفع عريس ... " منذ تلك اللحظة وهي تمد اليه طوق النجاة الاخير . ظلت حبله السريّ والسحريّ في ان ، أرادته ان يبصر بقايا الضوء الذي يسكن في نهاية النفق . هي التي ظلت تحنو عليه وكأنه طفلها الصغير المدلل ، تخاف عليه ، من نفسه أولا ، ومن العسس اللذين " يسهرون معي على راحته " ! وتضحك وتضحك وتستغفر الله وتصلي ، وتعود تطيب خاطره بدون سبب أو داع و تعاتبه لانه أدمن التدخين..

ولا تتعب.

سوف لن تنسى فاطمة حين ذهبا معاً الى العاصمة الامريكية واشنطن ، قالت :

" رحنا لواشنطن يا زلمة ، قال علشان نتظاهر انا وانت يا فاطمة ضد اتفاكية اوسلو والصرامي ، بتصدك ؟ لحالنا ؟ قلت ، لحالنا، قال، انت وانا يا فاطمة، في الاول بقلك حسبته بمزح ، بعدين اخذ معه العلم ورحنا، وقفنا قدام البيت الابيض ، لحالنا، وهناك، شفنا زلمة فلسطيني، قال علي واحد بكى يعرفه من زمان وصار ساقط بعيد عنك ، بزق عليه وروحنا ع الدار" وتضحك!

رفض علي قاصد ان يتخلى عن لهجته اليبرودية رغم العواصم الكثيرة، لذلك هو لم يتقن اية لغة، لا العربية ولا الاسبانية والا الانجليزية، لكنه ظل وفيا للهجته "الفلاحية" ، بل صارت تلك اللهجة سببا اضافيا لكي يحب رفاقه اكثر . بعض الاصدقاء كان يرى في تلك اللهجة أصالة من نوع ما ، بامكان المء ان يعثر فيها على رائحة الوطن والارض وتحمل في رنينها صلابة الفلاح الفلسطيني الفصيح!

علي قاصد ، قصة فلسطينية تروى ..

سوف نذكرك دائما ونستعيدك دائما ، حين نبكي وحين نفرح.

أما الان ، فلا خوف عليك، وسافر حيث تشاء يا رفيق.

نبذة عن حياته:

ولد علي قاصد في قرية عين يبرود الفلسطينية قضاء رام الله، بتاريخ 27 مايو ايار 1942 ، اي قبل سنوات قليلة من النكبة، وبعد ان انهى دراسته الثانوية في الوطن انتقل الى مصر حيث درس السياسة والاقتصاد في الجامعة الامريكية بالقاهرة وحصل منها على شهادة الباكلوريوس، وفي منتصف الستينات تأثر الشاب القادم من فلسطين في فكر حركة القوميين العرب و بشخصية الزعيم جمال عبد الناصر وشخصيات عربية اخرى مثل الدكتور جورج حبش والدكتور ووديع حداد وغيرهما من مؤسسي الحركة ولاحقا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

شارك هذا القائد الجماهيري في بناء العشرات من المؤسسات الجاليوية والطلابية وغيرها في الولايات المتحدة الامريكية كما شارك في معارك الدفاع عن وجود الثورة الفلسطينية ودعم صمود شعبنا في الوطن وكان له دورا بارزا في تأسيس حركة العودة والمشاركة في مؤتمراتها لا سيما بعد توقيع اتفاقيات أوسلو سيئة الصيت .

كان مثالا حقيقيا لنزاهة المناضل الثوري وحسن أخلاقه ونظافة يده وظل متمسكا بالثوابت الوطنية والحقوق المشروعة لشعبنا وفي مقدمتها حقه في العودة الى دياره ووطنه واستعادة حريته.

توفي صبيحة يوم 3 ابريل الجاري 2005 في ولاية نيوجرسي عن عمر يناهز 62 عاما ..

وهو عضو اللجنة المركزية العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018