الجزيرة. طفرة في الاعلام العربي المعاصر \ د. فؤاد خطيب

الجزيرة.
طفرة  في الاعلام العربي المعاصر \ د. فؤاد خطيب

لاشك ان المحطة الفضائية القطرية العربية الاخبارية " الجزيرة" قبس من نور بزع في النفق العربي المظلم بعد ان اطبقت العتمة على الوجود العربي بمفهومه الشامل اجتماعيا وسياسيا وثقافيا بعد موت عبد الناصر واستشراس ردة السادات الخيانية التي قلبت ظهر المجن وبشكل سافر لم يسبق له مثيل في تاريخ الشعوب لكل منجزات ثورة 23 يوليو التقدمية القومية التي شحنت ودفعت عربة القومية العربية التي غرقت في وحول الزمان كلها وانطلقت بها رغم كل شيء الى الامام .

بعد ان تخلى السادات عن العرب وهموم العرب وعن قضية العرب الاساسية – قضية فلسطين انبطح تماما امام الهجمة الاستعمارية الجديدة على الشرق وصرح بفم ابله مفتوح على شدقيه بان 99 بالمئة من اوراق اللعبة اي قضية الصراع العربي -الاسرائيلي اصبحت في مخالب امريكا –ولا حول ولا قوة الا بالله تعالى.

انبطحت معه مصر ام الدنيا وقلب العرب النابض ومعها انبطحت ومازالت معظم الانظمة الاستبدادية واصبحت سوائبا ترعى في المرعى الامريكي اذا استثنيا سوريا والعراق انذاك . ادلهمت الظلمة في نفق العرب الوجودي بعد ان سقطت التجربة الاشتراكية الاولى بالتاريخ وغاب الاتحد السوفياتي الذي كان بحق وبمصداقية تاريخية درع الشعوب الفقيرة والضعيفة وحاميها لايمكن لاحد ان ينكرها الا الاغبياء ومسلوبي الارادة وعديمي البصر والبصيرة وما يحدث من فوضى في العالم اليوم عالم القطب الواحد هو خير دليل مباشر على مانقول .

هذا الا نفلات الاستعماري وهذا الاستبداد والتلاعب بمصائر الشعوب من كوريا الى ايران الى لبنان وفلسطين والصومال واوغندا والسودان ما كان يحدث لو بقي الاتحاد السوفياتي وبقيت الاشتراكية رغم كل شوائبها والتي دعمت شعوب الارض كلها وشجعتها على خلق مصائرها وتحقيق حقوقها القومية والوجودية وانتزاعها بالقوة من فك الوحش الاستعماري الذي اطبق على الدنيا وما زال.

اسودت دنيا العرب وزادت قتامة بعد احداث 11 ايلول 2001 في امريكا التي اوجدت العرب والمسلمين في رحى حرب ضروس وهجمة استعماربية طاغية ومدمرة تهدد بلادهم وثقافتهم وثرواثهم وحتى مجرد وجودهم الجسدي لم يستعدوا لها لاعسكريا ولا اقتصاديا ولا ثقافيا ولا اعلاميا واصبح مصيرهم على كف عفريت . جعلتهم هذه الهجمة الى الان ايتاما على موائد اللئام حتى في اوطانهم.

ضربت افغانستان وضربت بغداد عاصمة الحضارة الاولى بالعالم بصواريخ عابرة للقارات . عاد التتار مرة اخرى اليها وحرقوا الكتب ونهبوا الحضارة من بلد الحضارة وبعثوا الجريمة والفوضى في بلد حمورابي المشرع الاول في التاريخ. كان لضرب بغداد اثرا بنفوس العرب ابلغ منه عندما ضرب الحجاج بن يوسف الثقفي مكة بالمنجنيق في اول عهد الدولة الاموية . بغداد هي الاصل وعلى ضفاف دجلة صور الرب ادم من صلصال ترابها وفي اهوازها تاه جلجامش يبحث عن عشبة الخلود . اصبح العرب ينتظرون كل ساعة نفحات ونغمات استعمارية من ال CNN وا FOX NEWS والفضائيات الغربية الاخرى لتخبرهم عن بقايا حياة واطلال حضارة تندثر لتوها امام سمع العالم وبصره وخاصة " العالم الحر " الذي وقف ومازال ضد العرب وضد

وجودهم القومي في كل مكان بعد ان افلت الشمس العربية من فوق الدنيا .

جاءت الجزيرة الفضائية العربية الاخبارية الاولى من بحر الضياع العربي الاعلامي والثقافي ذاك قبسا من نور يبحث عن بقايا حياة وشواهد وجود .

انطلق ذاك الصوت الفريد الجديد من عالم الموت و الرماد في شوارع بغداد وجسورها العتيقة وحاول منذ ساعاته الاولى اعادة الانفاس للوجود العربي الهارب من ذاته وللقومية العربية التي فقدت رشدها وهامت على وجهها فوق غيوم البترول العربي المحروق في صحراء الجنوب . كانت نصيرا ومازالت للعرب وللقومية العربية ولقضايا العرب في كل مكان . اشر ذاك الصوت وبشجاعة وبدون تاتاة على حقيقة واقع عربي اليم ومر وبعث في ذات الوقت امل العثور من جديد على عشبة الخلود التي حرقتها طائرات الشبح الامريكية. اتى معاكسا تماما لفحيح الموت الذي بثة الاعلام الغربي والاعلام العربي العميل للغرب الذي توافق تماما مع الهجمة الاستعمارية بل كون راس حربتها في القضاء على الحضارة العربية – الاسلامية لما لها من رصيد كبير وارث فكري وثقافي ضخم وعظيم الشان ربما يكون يوما منافسا للفكر الاستعمارى الهدام في زحفة المدمر للحضارات وللشعوب.

لايمكننا في هذه العجالة ان نلخص دور " الجزيرة " ولا تاريخها ولا انجازاتها في سطور . نقول للواقع وللتاريخ ان هذه القناة الفضائية الفريدة من نوعها في الشرق كله كشفت حقائقا وخلقت وقائعا وطرحت اجندة متنوعة وعديدة وغنية تحتاج الى كتب لدراستها وايفائها حقها . تلك القناة العربية التي اكدت كل ثانية في بثها انها وبصدق منحازة للهم العربي وللماساة العربية في ارجاء الوجود العربي كما انها كانت بذات الوقت واعية للحلم العربي في اطراف العالم العربي من الاوراس الى صنين ومن دجلة الى حطين ومن شوارع القدس العربية الى خان الخليلي وسوق الحميدية ومن شوارع الخرطوم التي لوحتها شمس افريقيا السمراء الى شارع عمر المختار في غزة هاشم التي تقاوم ويبقى شذى برتقالها يفوح ويغمر تلال ووهاد فلسطين رغم الماساة التي تدور هناك في رحم الماساة الكبيرة.

نود ان نتوقف في عند بعض النقاط والفواصل والعلامات الفارقة في مسيرة هذه الفضائية التي لاحت لوجداننا وفكرنا مع اول نشرة اخبار " للجزيرة " التي كبرت واصبحت قارة اعلامية عربية واعية وجادة وواعدة تحاول ولو رد القليل للهامة العربية التي انقصفت وانحنت للريح الغربية الهوجاء التي هبت مع موجة استعمارية عاتية وهمجية ومدمرة تهدف هذه المرة اغتيال الروح العربة وواد الثقافة العربية وهدم الحضارة العربة – الاسلامية العظيمة التي اعطت للبشرية الكثير .

العلامة الاولى : تمرد هذه الفضائية على لانظمة العربية الرسمية الاستبدادية وكشف عورات هذه الانظمة في ساحاتها الخلفية . كسرت لاول مرة قيد الراي الواحد وعرضت لاول مرة حرية الفكر و" الراي والراي الاخر " الذي اصبح شعارها . اوحت بوجوب تقبل الراي الاخر ومناقشته وليس دفنه واخراسة حتى قبل ان ينطق الامر الذي يوحي لنا بمناخاتنا العربية السياسية الرسمية ثورة بكل المقاييس . استعاد الفرد العربي العادي حقه بابداء الراى مسموعا ومرئيا على الملايين وربما لاول مرة منذ حقبة الخلافة الرشيدية . تناول هذا الانسان العادي

وبلغته العادية امور حياته العادية والامور المصيرية الوجودية التي واجهته ووطنه واتته رغما عنه وعن ارادته وباتت تهدد وجوده وبقاءه وحياته وحريته .

العلامة الثانية : كشفت الجزيرة عن فراغ المجتمع المدني العربي من مؤسساته كلها وخاصة من الاحزاب السياسية الاجتماعية الفاعلة التي تدعوا الى ضرورة تغيير المجتمعات الى الافضل وهي ضرورة وصيرورة التغيير الجدلية وحل الجديد محل القديم . فشلت الاحزاب الحاكمة في خلق روح التغيير بعد ان تلاشى دورها الثوري وذاب واصبحت بغالبها احزاب سلطوية تضرب جماهيرها بعصا السلطان وترقص على وقع الانغام الاستعمارية الجديدة بعد ان نسيت ادوارها كلها وبقيت وسيطا بائسا بين البرجوازية العربية الحاكمة الفاسدة وبين دوائر راس المال الغربي المعولمة التي تمدها باسباب الحياة .. انظرو الى تجربة العقيد القذافي "الثورى العظيم " وكيف ال به المصير.

هل تحاول " الجزيرة " ملا هذا الفراغ الهائل في المجتمعات العربية المدنية وماهو مدى نجاحها ؟ هل وسائل الاعلام المتطورة تقنيا وفكريا بامكانها ان تحل محل الاحزاب في المجتمعات العربية ؟ هل تنجح في تفعيل الجماهير التي صمتت عشرات السنين صمت الخراف على ظلم انظمة استبدادية متاخرة فكرا وممارسة تخطاها الزمن وبقية فريدة من نوعها في العالم من مخلفات العصور الاستبدادية الظلامية .

العلامة الثالثة : تخوض " الجزيرة " صراعا يوميا مع النظام العربي الرسمي

كل ساعة وكل نشرة اخبار وخبر عاجل على امتداد العالم العربي من القاهرة الى دمشق الى الرياض الى بغداد . خطاب الجزيرة خطاب قومي ينبذ القطرية والطائفية والعشائرية التي اوجدتها سايكس – بيكو وتحاول الهجمة الامريكية الحالية من توسيعها اي تفتيت ماهو قائم من دول قطرية الى كانتونات ودساكر يحكمها مخاتير عصريون يحلفون بالولاء والطاعة الى البيت الابيض . ماهو حاصل في العراق الان وما حاولوا فرضه في لبنان مؤشرا هائلا على هذا المخطط الرهيب الذي افشلته حتى الان بسالة المقاومة العربية الواعية رغم كل الظروف التي ذكرت انفا.





القومية بنظرنا هي مرحلة متقدمة ومتطورة في التاريخ الاجتماعي والسياسي للشعوب وضرورة حياتية للبقاء والتبلور والتطور في عالم صلد عنيف ومتغير لا يعرف الا لغة الصراعات والحروب.

العلامة الرابعة : ما هي حقيقة العلاقة بين " الجزيرة " واليسار العربي"؟ ونقصد الشيوعي والناصري والقومي . بقيت هذه العلاقة واهية وغير واضحة المعالم حتى الان اذا اخذنا بعين الاعتبار ان الثورة والتغيير لابد ان تاتي الا من الفكر اليساري الخصم اللذود للفكر اليميني الرجعي العميل الذي يحتضن راس المال

ويفتح البلاد للعولمة وللهجمة الاستعمارية .

دعا اليسار منذ زمن الى ما تدعو اليه الجزيرة الان في رسالتها التي ثبثها الى ملايين العرب كل يوم . تدعو الى حق الشعوب وحرية الشعوب والراى والراي الاخر وحرية الفرد وحرية المراة العربية الركيزة الاهم لبناء مجتمعات عربية حرة وقادرة وذات كرامة وطنية لا تفرط في حقوق العرب ولا في ثروات العرب وقادرة على اعادة بناء المجتمعات العربية التي غرقت قرونا في حقول الظلامية الدينية والغيبية الفكرية. كيف ترى الجزيرة مستقبل هذه العلاقة الهامة ؟

العلامة الخامسة - الجزيرة ولاشك مميزة عن الفضائيات العربية الاخرى على مختلف اسمائها العربية والفرنجية والشاعرية . خرجت كل تلك الفضائيات من معطف القطرية والفئوية والطائفية واسقطت عن بالها وعن برامجها الهم العربي العام وفي احيان كثيرة كانت ترقص على الدماء العربية التي نزفت في لبنان وفي فلسطين . باتت ترقص ليلا نهارا مع الهمبورغر والكاديلاك والكوكا كولا ومع اشباه الفنانين والمغنيين والمغنيات اخر موديل ومع هذه الترهات " الثقافية "

العدمية التي تنخر في الجسد العربي وفي الفن العربي وفي الموسيقى العربية نخر السوس وتنفذ سياسات الغرب الهدامة بحذافيرها و تقلد ثقافتها ببلاهة منقطعة النظير بعيدا عن الواقع العربي والفكر العربي والارث الحضاري العربي الكبير .

لماذا لا تتعامل " الجزيرة " بصورة مدروسة وواضحة المعالم مع مكونات الحضارة العربية التقدمية في عصر صراع الحضارات والثقافات هذا الذي نعيشه ؟

لماذا لاتفتح الباب اكثر للادب العربي الجميل وللموسيقى والفن العربي الاصيل وللثقافة العربية الحقيقية التي هي عنوان بقاءنا ودرعنا امام العولمة الهدامة .

الثقافة الغربية الانجلوساكسونية والفراكفونية باتت ايضا مازومة خسرت الكثير من اركانها الاخلاقية في عصر الحداثة التقنية التي قلبت ظهر المجن لكثير من القيم الانسانية في كل مكان .

العلامة السادسة - ماذا بعد ان انطلقت " الجزيرة العالمية " باللغة الانجليزية؟

هل ستحافظ على مشروعها العربي القومي ؟ هل ستكون محايدة بعد ان فشل الحياد في عالم اليوم ؟. هل ستقارع كما هي بالعربية الحجة بالحجة والمعلومة بالمعلومة والخبر بالخبر مع التاكيد على عروبة هذا المشروع الهائل الذي نرغب له دوام النجاح والتقدم من القلب مع قلوب ملايين العرب في الوطن العربي الكبير .

.