إشكاليات التاريخ بعيون الحاضر، قراءة مغايرة/محمد عبدالوهاب جلال

إشكاليات التاريخ بعيون الحاضر، قراءة مغايرة/محمد عبدالوهاب جلال

يسود اعتقاد أن نهضة العلم في عالمنا العربي لا صلة لها بالتراث العلمي العربي. ويكفي لبناء قاعدة علمية استيراد آخر ما توصل اليه الغرب والتوسع في انشاء الجامعات والمعامل ووزارات البحث العلمي! يسوق أصحاب هذا الاعتقاد - وهم كثر - مسوغات عدة منها ان العلم الحديث قد تجاوز بنظرياته ومناهجه ما كان سائداً إبّان ازدهار العلم العربي, ومنها ان دولاً مثل اليابان قد أخذت بأسباب العلم الحديث من دون استناد الى تراث سابق فخطت خطوات واسعة جعلتها في طليعة الدول المتقدمة, ومنها ايضاً ان العلم الحديث عالمي الهوية يتجاوز التباين والخصوصيات الثقافية... هذا الى جانب مسوغات اخرى عدة يتبين من خلالها الخلط بين العلم والتكنولوجيا والخلط بين استهلاك العلم وتطبيق نتائجه من ناحية وبين الثقافة المنتجة للعلم من ناحية اخرى. خلاصة مثل هذا التفكير ان دراسة التراث العلمي العربي ترف لا يليق برجال العلم ولا بواضعي سياسات العلم والتعليم في بلادنا. من اجل ذلك انزوى التراث العلمي في ركن متواضع يذكره احياناً قليلة بعض المتخصصين في التاريخ وأحياناً كثيرة المهتمون بالمخطوطات.

لكن لماذا لا نرى اي تقدم يذكر في شأن نهضة العلم في بلادنا على رغم الإنفاق المتزايد وتكاثر أعداد حَمَلة الشهادات في مختلف التخصصات من الداخل والخارج؟ بل على العكس نشهد تزايد التبعية في مجال البحث العلمي وغياب الفكر العلمي والثقافي في مجتمعاتنا.

يشغل هذا التساؤل الكثيرين. وهناك الكثير من محاولات الإجابة عليه, التي تتفق على اختلافها على ان مسألة نهضة العلم امر شائك ومتعدد الاوجه وكثير التعقيد. الا ان العامل الحاسم فيها هو ان العلم قبل ان يكون معلومات تُلقن وتجارب تجرى ونتائج تُطبق فهو ظاهرة اجتماعية تولدها تفاعلات الاجتماع ومقتضيات العمران, ونتــاج ثقــافي تفرزه منظومات المعرفة والقيم. بمعنى انه لا يتأتى لنهضة العلم ان تنطلق في مجتمع من دون جذور ثقافية ضاربة في تاريخه مهما بُذل من جهد.

من هذا المنظور يمثل التراث العلمي العربي مفتاحاً لنهضة العلم بصفته حالة معملية نادرة وثرية تتيح للمهتمين الاطلاع على كيفية تشكل العلم في اطار الثقافة العربية الاسلامية وماهية العوائق والعقبات التي تعترض ذلك التشكيل. وقد يجادل البعض بأن نتائج مثل هذه الدراسة لن تكون ذات جدوى تذكر في وقتنا هذا نظراً لتبدل الظروف والملابسات ولتغير طبيعة العلم نفسه. هذا صحيح, لكن يجب ألا نغفل ان هناك ثوابت التي لا يمكن التقليل من شأنها مثل استمرار الاسلام بصفته المكون الثقافي الاكبر, ومثل اللغة العربية التي هي اداة الفكر والتعبير والاتصال... هذه الثوابت وغيرها تسمح الى حد ما, بأن يكون للنظر في التراث العلمي بعض فائدة لنا الآن.

وليس من قبيل المصادفة ان تتخذ الحضارة الغربية في عصر الانوار من فكرة التقدم وقوداً لمسيرتها نحو مستقبل كان اهلها يرونه بالضرورة افضل من الماضي والحاضر معاً. ومع ذلك عمد منظرو تلك الحضارة الى اتخاذ الحضارة الاغريقية نقطة انطلاق وسعوا الى التأكيد على وشائج الاتصال وعوامل الاستمرار بين الحضارتين على رغم بعد الشقة بينهما زمنياً وثقافياً. حتى ان المنحى الرياضي في وصف الطبيعة الذي يعتبر ملمحاً رئيساً في العلم الحديث وينسب لغاليليو, اعتبره بعض المؤرخين رجوعاً الى تقاليد افلاطونية وفيثاغورسية وثورة ضد الهيمنة الارسطية التي اتسمت بها العصور الوسطى. وهذا الاصرار على تأصيل المنتج الجديد: العلم الحديث, في تاريخ الحضارة ليس تحايلاً على مقاومة التقليديين لكل جديد بالايحاء لهم بأن لا جديد تحت الشمس, وما الجديد الا استمرار لبعض عناصر الماضي. بل هو تأطير لهذا التيار الجديد وتحديد لمساره ووجهته تمييزاً له وحماية من محاولات وأده او الالتفاف عليه من قبل قوى التقليد وأصحاب المصالح. وهو بالدرجة الاولى تأكيد على الطبيعة التراكمية للعلم ليس على مستوى النظريات وانما على مستوى الفكر.

وفي حالنا تشكل روح التراث العلمي مشروعاً لمنظومة معرفية لا تقبل التماهي ولا التصالح مع انحرافات الفكر السائدة لما تتصف به من حيوية و"حداثة" تصلح اساساً لنهضة العلم. وذلك شريطة الوعي النقدي بمواطن الضعف وبعوامل الانقطاع في ذلك التراث. ومن امثلة الصفات الحيوية و"الحديثة" في التراث العلمي العقلانية التي لا تقبل غير حكم العقل في ما يتعلق بالعلوم العقلية, ولا تسمح بالخلط بين مجال الاديان ومقتضيات البرهان والاعتبار. ولعل من المدهش لقارئ معاصر للتراث العلمي ان لا يجد فيه تداخلات بين مستويات الخطاب المختلفة على عكس ما نجده في كتابات الكثير من المعاصرين من خلط بين الغيبي والعقلي.

ومثال آخر لما يتسم به التراث العلمي هو الوعي الحاد بأن ديدن العلم هو البحث عن العلل الثانوية من دون الخوض في العلة الاولى, وهذا ما يمكن ان نطلق عليه بلغة الفلسفة الحديثة ان مكانة العقل في معظم التراث العلمي اشبه ما تكون بتلك التي نجدها في المشروع النقدي لكانط. بمعنى الوعي بحدود العقل وبمجالات تدخله وذلك على خلاف ما كان الامر عليه في بعض مدارس علم الكلام.

ومثال ثالث هو وجود اتجاهات نقدية بارزة مثل موقف ابن سينا من السيمياء ومثل شكوك ابن الهيثم حول بطليموس وأقليدس... الخ. هذه الاتجاهات تدل على ان العلم العربي او على الاقل بعض رموزه كانت لهم فلسفة علم ووعي في طبيعة تطور العلم, وفي مشكلاته الابستمولوجية. يتطلب المضي في مثل هذه الاعتبارات حـذراً شــديداً حتى لا تتــم عملــية اسقــاط لمعــارفنا الحالية على الماضي وتحميل التراث ما لا طاقة له به. وفي المقابل حمل التراث العلمي الكثير من بذور الضعف وعوامل القصور الذاتي التي أَوْدَتْ به مع عوامل اخرى خارجية الى ما آل اليه من انحطاط وأفول تام. وليس من قبيل المبالغة القول ان مبحث انحطاط العلم العربي هو اهم فصول مبحث نهضة العلم.

لكن قبل الخوض في ملابسات انحطاط العلم العربي لنبدأ بدراسة نقدية تبرز مواطن ضعفه وعوامل الانقطاع فيه. يستلزم ذلك دراسة ابستمولوجية واجتماعية معمقة للتراث العلمي.

لم تكن هنالك مؤسسات تعليمية منتظمة يتلقى فيها طالب العلوم الطبيعية العلم على غرار مدارس العلوم الدينية مثل المدرسة النظامية الشهيرة. كان على طالب العلم التنقل للاتصال برجال العلم والاخذ عنهم. اي ان العلوم الطبيعية لم تتمكن من النفاذ الى مؤسسات التعليم مما دعا بعض المؤرخين الى القول بأن العلوم الطبيعية كانت ظاهرة هامشية في الحياة العقلية للمجتمع. والملاحظ ان المؤسسات ذات الصبغة العلمية مثل دور الحكمة والمراصد الفلكية لم تتصف بطابع الديمومة والاستمرار وسرعان ما توقفت واختفت بزوال الحاكم الذي كان يدعمها. هذا على خلاف المؤسسات التي ارتبطت في تمويلها بأوقاف اتاحت لها الصمود لفترات طويلة.

يعكس الاخفاق في قيام مؤسسات دائمة او على الاقل في النفاذ الى مؤسسات قائمة امراً في غاية الاهمية, وهو وجود خلل ما او قصور في علاقة العلم بالمجتمع او ما نسميه اليوم اجتماعية العلم. فالعلاقات التي كانت موجودة مثل علاقة التلميذ بالاستاذ وعلاقة الزمالة العلمية التي سادت العمل في المراصد الفلكية مثلاً او الحوارات التي كانت تنشأ بين رجال العلم مثل الحوار الذي دار بين ابن سينا والبيروني او الجدال المثير بين الطبيبين ابن بطلان وابن رضوان. كل ذلك لا يكفي لاستنتاج وجود مدارس علمية او مجتمعات علمية. وقد تكون طبيعة العلم آنذاك قد سمحت بالفردية في البحث العلمي.

اما اهم عوامل الانقطاع فهو العجز عن التأصيل للعلم في الثقافة الاسلامية! ظلت رموز تلك الثقافة في تردد واضح إزاء العلوم الطبيعية, فهي تارة تطلق عليها علوم الاوائل وتارة اخرى العلوم الدخيلة وتارة ثالثة يقصرون احتفاء الاسلام بالعلم على العلوم الدينية دون العقلية... ولعل موقف الغزالي من العلوم الطبيعية والرياضيات اكبر شاهد على ذلك التردد.

وسيظل الإخْفاق في التأصيل للعلم في الثقافة الاسلامية, الذي شكل اهم عوامل الانقطاع في التراث العلمي في الماضي, أحد أكبر عوائق نهضة العلم في الحاضر. وبغض النظر عن التشويش الذي غلب على خطاب الثقافة العربية الاسلامية حول العلوم تبقى امكانات التأصيل متاحة بدليل ازدهار العلم في وقت مبكر من تاريخ الاسلام.