في ذكرى ميلاد الشهيد أسيل عاصلة / جميلة عاصلة (أم الشهيد)

في ذكرى ميلاد الشهيد أسيل عاصلة / جميلة عاصلة (أم الشهيد)

الأزهار تذبل، الحكايات تنسى، الاحباء يرحلون، ولا تبقى غير الذكريات.

ذات يوم، ذات تشرين، كان هناك حبيب عزيز يمشي في أزقة الحياة، ينعم بحضن دافئ أملا بملامسة الفرح، فانقض عليه أعداء الحياة.. نعم أعداء الحياة..

في تشرين ذاك وقعنا في قبضة الحياة وفي مهب القدر، وهاقد مرخمس سنوات ونيف ونحن نتأمل في أحذية من رحلوا..

هؤلاءالشهداء الأحباء الذين انتعلوا أحذيتهم دون أن يدري الواحد منهم أن حذاءه سيخونه، ولن يستطيع ان يكمل مشوار الحياة. ولقد سألت نفسي أكثر من مرة: لم يا ترى قد اختار أسيل ذلك الحذاء دون غيره لرحلته الأخيره تلك؟ وهل ترك حذاءه الاخر في زاويةغرفته لمناسبة أجمل؟

رحلة قصيرة بحذاء جميل.. هذه حكاية أسيل وحكاية كل شهيد. الحكاية التي لم تهترئ، فوراء الوراء حنين وصمت صارخ ما بين تشرين وتشرين..

ومابين أيار وأيار... الأشياءفقدت لونها وطعمها. والأيام أضاعت مدلولها. والسنة أمست فصلا واحدا. فها هو الربيع قد قدم لكنه ليس ربيعي، إنه ربيع الصخور والغابات والأشجار والسناجب. فالفصول الأربعه تأتي الأرض والأشجار وتمر على الحيوانات، أما أنا فقد مر علي الخريف ودام طويلا ولم يفارقني، وها أنا أجد نفسي أجتر عمرا عقيما، أحاول التمرد لأتحدى عقم الأمور، أبحر في كل شيء كي أحطم جدار العجز والإستسلام..

أيار يغادرني وأيار يأتيني.. وأيامي ما زالت شاحبه، فلا أنا قادرة على الإستسلام ولا هذا القدر قادر على فهمي..

فيا أيها الأسيل العزيز على القلب والذاكرة.. أعذرني حبيبي في هذا اليوم الذي يجسد ولادتك ومجيئك إلى هذا العالم الظالم.

نعم أعذرني حبيبي.. إنني لا أستطيع أن أرفع دعوى على الحياة..

ها هو السادس من أيار هذه السنة قد أطل خجلا أكثر مما مضى. فلقد استيقظت هذا اليوم باكرا حيث ذابت فرحة استقبال الصباح في فنجان القهوه، فلم أشرب من القهوة إلا لونها، فبدا لي هذا النهار بدون نهار.. لأن خطوات كل فجر في حياتنا تاهت منذ خمس سنوات.وها أنا تائهة أيضا في درب المعاناة، أبحث عن العدالة الهاربة.. فكلما اقتربنا منها ازدادت بعدا عنا. فلا رفيق لي في هذا الدرب سوى سيدي الالم. حيث أنسني أمس وجلس بجانبي يواسيني بقوله: سأكون رفيقك في كل لحظه.. سأنتظرك في كل مكان وزمان.. فمن الأفضل أن تألفيني..

وهكذا جاء العيد .. وكان موعدا مع الأصحاب، ولم تبتسم السماء. وبكى الربيع في حديقة البيت خلف شباكك حيث لا أمام ولا وراء للحياة..

أما قلت لك يا أسيل لا تتأخر فالطعام جاهز؟ فصحنك الفارغ على الطاولة ما زال ينتظرك.. وساعتك الجدارية يتيمة، لأن الزمن قد توقف في ذلك اليوم.. يوم أطلقوا عليك الرصاص قاصدين محو اسمك من سجل الحياة..

فيا عزيزي أسيل …لا تسألني عن أي شيء. فأنا لا أحتمل الأسئله، لأن القلب لا يسأل لماذا ينبض.. ولا الطائر لماذا ينشد.. والشلال لماذا يتدفق.. والمطر لماذا يهطل..

ففي ذكرى ميلادك اليوم تصير الإبتسامة ذكرى... وتنهيدة الراحة تصير طموحا.. وكل حركة تصير ذات مدلول...

هكذا أتاني أيار وهكذا سيأتي آخر.. أما أنا سأظل هنا أنبش جدران غرفتك.. أفتش عن ابتسامتك الرقيقة، وأحاول سماع صوتك من خلف الزمن المنطفىء...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018