مذيعة الأخبار..العمياء! / رشاد أبو شاور

مذيعة الأخبار..العمياء! / رشاد أبو شاور

فضائية عربية أتحفتنا بواحد من الأخبار المتفرّقة الخفيفة الطريفة، بالصوت والصورة، عن ( معجزة) فتاة هنديّة ضريرة باتت محّط اهتمام الجمهور في الهند، لأنها رغم فقدان البصر تعمل مذيعة أخبار تلفزيّة!

الفتاة تقرأ النشرة من ورق مخرّم بالإبرة ( بريل)، وهي وسيمة وإن كانت منطفئة العينين، وطموحة بدليل ما بلغته من حضور لافت جعلها خبراً تذيعه مذيعات مبصرات ذوات عيون تلعب بقلوب المشاهدين ( الرجال)، وتثير غيرة النساء وحسدهن.

ماذا يريد الناس من المذيعة سوى أن تتلو على أسماعهم نشرة الأخبار بكّل حياديّة وموضوعية، رغم أن هذا الأمر غير ممكن في حالة المذيعات العربيّات اللواتي يمزقهّن هوان الحال العربي الرسمي والجماهيري، بحيث يبدو انفعالهن جليّاً وهنّ يقرأن أخبار فلسطين والعراق...

في بلاد العرب، يقتل الفلسطينيون على الهواء مباشرةً، وينسف العراقيون في المساجد والحسينيّات والشوارع والبيوت غير الآمنة، ويطارد رجال الشرطة بهراوتهم ( شيوخ) القضاء، ويغتصبون الصحفيين والصحفيات، والمحتجين والمحتجات...!

المذيعة الهندية عمليّة، فهي تقرأ النشرة وهمّها أن لا تخطئ في القراءة، وأن تضبط نطقها وقراءة سلاميّات أصابعها للكلمات التي هي ثقوب، فتركيزها، وتركيز جمهورها، ينصّب على النشرة، على الخبر، لا على فستانها المنحسر عن عنقها اللامع، وصدرها الفسيح، وشعرها المسرّح بأناقة، بحيث أنه ولا شعرة تحلّق خارج السرب، أو تخرج على التصفيف الوطني...

هناك من ينتقدون ظهور المذيعات العربيّات وكأن واحدتهن في حفل زفاف، وليست في ستوديو أخبار عربيّة مليئة بالموت، والمآسي، والمخازي...

هذا الانتقاد مردود عليه، فمن غير المعقول أن تقرأ المذيعة نشرة الأخبار وهي منفوشة الشعر كما لو أنها ( ميدوزا)،التي في الأسطورة اليونانيّة كانت تحجّر وجه من يراها، لأن شعرها أفاع تنبثق من جمجمتها...

المذيعة يكفيها أن فمها اللطيف يجّف وهي تقرأ أخبار بالمآسي، هي التي (نفسها) أن يلعلع صوتها بخبر يزّف انتصاراً عربيّاً ولو في مباراة كرة قدم، على فريق أجنبي وليس على فريق شقيق، ( بمناسبة مونديال ألمانيا)!

ما ذنب المذيعة العربيّة إذا كانت هي جميلة والأخبار العربيّة قبيحة ؟!
ما ذنبها إذا كان أيمن نور يثبّت الحكم عليه، والقضاة في مصر يستباحون هم والقضاء والجمهور المتعاطف معهم ؟
ما ذنبها وهي تنقل خبر وزير خارجيّة السلطة محمود الزهّار وهو يحمل (شويّة) مصاري وقد نشف ريقه وريق من معه، وهم يجمعونها من بلاد العرب والمسلمين، فإذا بمعركة تشّن على فعلته التي تمثّل (خروجاً) على (الشرعيّة الدوليّة) ممثلّة بالمراقبين الأوربيين، في حين يغّض النظر عمّن يخرجون (الملايين) من مناطق السلطة ؟ تحجب الأدوية والأموال عن الفلسطينيين، ويسمح بتزويد حرس رئيس السلطة بالسلاح!.. أهذه هي المساعدات الإنسانيّة والأخويّة؟!

هل يجب أن تظهر المذيعة العربية وكأنها في المطبخ، تقشّر البصل، وتفرم الثوم، وتتبّل الدجاج، بينما بعلها يقرأ الجريدة، أو يتأمل نشرة أخبار تذيعها مذيعة أنيقة!...

المذيعات اللواتي يحسدن على الشهرة، والفساتين، والشعر الحرير، يعانين من متاعب لا حدود لها، فهنّ يتغيّبن عن بيوتهن كثيراً، ولا ينعمن بحياة أسريّة مريحة، يتمزقن بين عملهن وواجباتهن الأسريّة، فهن يعنين بالأطفال، والزوج، ويكرّرن يوميّاً أخباراً عربيّة مخزية...

مرّة سمعت أحدهم يتساءل: أيعقل أن هذه المذيعة تدخل المطبخ، وتفرم البصل والثوم ؟!
نعم إنهن يعددن الطعام لأسرهن، ولعلّ واحدتهنّ وهي تقرأ خبر استقبال القائد العربي الفلاني، كانت تستعيد في ذهنها مكونات طبخة يقترحها الشيف رمزي، وتستذكر المقادير اللازمة لوجبة شهيّة، أكثر فائدة من وجبة أخبار عمّن لا يسعفون أطفال فلسطين بحبّة دواء، ودفتر وقلم، أو بقطعة قماش تلّم ما جمع من أشلائهم...

لم أقرأ عن متاعب المذيعات العربيّات سوى قصّتين قصيرتين جميلتين للإعلاميّة اللبنانية (فاطمة برّي) _ فضائيّة المنار _ في مجموعتها القصصية ( مذكرات امرأة)، وهي لكونها إعلامية وقّاصة، وصاحبة تجربة ومعاناة، تمكنّت من الغوص في عالم المذيعات اللواتي رغم ما يتمتعن به من شهرة، فإنهن يعشن حياةً متوتّرة مرهقة...

المذيعة الهنديّة مريحة، إذ يمكن لأي رجل أن يتأمّل طلّتها دون أن تتوّتر العلاقة الزوجية، فهي تظهر بملابس متواضعة، وهي ليست مثلاً بنت بلدنا المذيعة الفلسطينيّة الجميلة، التي تطّل على مشاهديها من شاشة إحدى الفضائيّات، والتي بسبب جمالها الأخّاذ، وحضورها، نشبت حروب زوجيّة، ولا هي المثقفة الجميلة السمراء الذربة اللسان، ولا هي الأنيقة الصارمة، ولا...

هي بالتأكيد ليست واحدة من مذيعات فضائيات عرض الأزياء الحاسرات الكاسيات!
هي تذيع دون أن ترى جمهورها، وجمهورها يراها ويركّز على الأخبار لا على العيون، والشفتين، والفم، والابتسامات التي تذهب إلى جمهور جماعي، لا إلى فرد بعينه، تلك الابتسامات التي تتسبّب بانقسام الجمهور الذكوري إلى فرق وشيع، في الولاء لهذه المذيعة،أو لتلك...

مع المذيعة العمياء نصغي للأخبار بواقعيّة، فلا جمال يشتت ويبلبل أفكارنا، ويشتت انتباهنا، بحيث عندما تلحظ الزوجات الوفيّات شرود نظراتنا يلكزننا بأكواعهن، بضربات هي أشّد من تلك التي كان يسدّدها بقوّة ورشاقة كلاي في أوج قوّته!
أتخيّل حواراً بين زوجين عربيين إثر إذاعة الخبر عن المذيعة الهنديّة العمياء. الزوجة تبدي إعجابها بالمذيعة الهندية:

_ هيك يجب أن تكون المذيعات!
_ يعني كيف، عمياوات ؟!
_ لا، ولكن بدون مساحيق تغطّي البشرة، وفساتين تثير وتستّفز، تثير الرجال، وتتسبب بالحسرات للنساء غير القادرات على مجاراتهن ؟
يسأل الزوج:
_ أتظنين أن المذيعات يطبخن، ويكنسن _ بالمكنسة الكهربائيّة طبعاً _ ويفرمن البصل والثوم، ويعددن الطعام للزوج والأبناء ؟
_ أتريدهن أن يكّن بهذه الأناقة في المطبخ ؟
عندها حّق في التساؤل: ففي المطبخ لا تكونّ المذيعة أمام الكاميرا، ولكنها تكوّن في عيني زوجها وقلبه، وفي روح ألإبن والبنت، وهذا هو جمهورها الباقي...

هل يجب أن تفقأ المذيعة العربيّة عينيها من هول ما في نشرات الأخبار، كما فعل ( أوديب) حتى لا ترى ما يحدث ؟
إحدى المذيعات أخبرتني بهواجسها: أحياناً أوّد أن أغمض عيني براحتي يدي، وأشرع في معط شعري، ولطم خدّي، فنشرة الأخبار العربيّة يناسبها أن تذيعها ( ندّابة)، أو مذيعة عمياء بكماء،ما دام الجمهور لا ينفعل بالكلام، ولا يخرج إلى الشوارع صارخاً بجنون: لم نعد نتحمّل كل هذا، اذهبوا إلى الجحيم كلّكم!..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018