مأمن الرّوح / بيروت حمّود

مأمن الرّوح / بيروت حمّود

احتجت لساعة لها مكنونات التّكاثر كخليّة سرطانيّة متوحّشة  تشنّ هجومًا لحظيًا مفاجئًا، وتحترف كقنبلة عنقوديّة مهنة التّشظّي والانتشار..  ساعة لا تنتمي إلى هذا العالم، ليرتمي جسدي المجنون بكلّ طاقاته الشّيطانيّة في حضنها ويتفجّر هناك بمتعة، ووجدتها!

أمسكت بسكّين خارجةٍ عن سياق التّعريفات المألوفة، لا تجمع بين حدّيّة سكّين الجزّار ولعنة سكّين الباحث عن أوّل ملذّات الخطيئة  في التّفّاحة، ولم تكن هذه الفاكهة اللّذيذة الّتي بين يديّ شبيهة بحبّة تين أو كوز صبر.. كانت فاكهة نصف إلهيّة أطلقنا عليها فيما مضى وما زلنا اسم الكرة الأرضيّة..

استدرجت عقلي إلى الفراغ الّذي يحيط بي وتساءلت: من أين أبدأ؟ هل عليّ إزالة الجليد المتراكم فوق لتنصهر الكرة بين يديّ أم أمتصّ حرارتها الجنوبيّة الحارقة كي يتسنّى للجليد أن يتكتّل أكثر، فتؤول إلى قطعة بلّور لامعة فأحطّمها؟ هل أشرب ماءها الّذي لا ينضب وأحقن نفسي بمعادنها لأستطيع حينها أن أفكّر برحابة عقل وقلب معًا؟ ما ينبغي عليّ من الفجور أن أرتكب بحقّها؟

الحقّ، الحقّ أنّني تعرّقت كثيرًا وأنا أفكّر ثمّ انبعثت منّي رائحة الانسان الأولى، فتناثرت أجزائي وانتشرت رائحتي فوق العوالم.

رفعت يدي لأشم تحت إبطي فطالت يدي  القارة المتجمدة، ومكثت هناك زمنًا لا يحصى، ولمّا دبّ فيها البرد تجمدت مكانها والتصقت بالقطب ولمْ تستطع العودة، حتى انتقل البرد إلى يدي الثانية وتجمعت عندي رغبة بالحرّ، فمدّدت يدي الثّانية نحو الجنوب، ولمّا طال بها الوقت ولمْ تعد أدركت أنّها آلت إلى كتلة فحميّة سوداء..

أحسست بالكرة الكبيرة التي أحتضنها، أحسست بها تغور فيّ وأنّ أنّات المُوجعين فوقها تنغرس فيّ كالسكاكين.. فالتصق جسدي كله بالمحيطات والبحور السبّع والأنهار، فلوّنتها أوداجي الشّجريّة بالدّم.. ولمّا استُنزفت طاقتي نمت وحلمت بأنّ كرة أخرى قدمت من مكان سحيق اصطدمت بالأرض وفجّرتها، وأنّ أطرافي تبعثرت مع الشّظايا؛ ففتحت عينًا واحدة بهلع.. فلاقيت خدّي طافيًا فوق المتوسّط، وفمي يرضع خمرًا متمرّدًا من ناحية نابضة في قلب العتمة اسمها تونس!

أمّا السّكّين فكانت تغوص فيّ من كلّ اتّجاه ..وخار جسدي متمزّقًا.. أمّا روحي فظّل هناك!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018