ورقة.. (قصة قصيرة)../ خالد بركات

ورقة.. (قصة قصيرة)../ خالد بركات

جاء الأخ إلى مكتبي حاملًا معه قُصاصة ورق تشبه كف اليد، مدّها أمامي وقال: أنشرها !

تناولتها من يده الخشنة الموشحة بالسواد، وقد عفرها الغبار واحتلها التراب وملأتها الجروح التي لم تندمل بعد. قرأتها بصعوبة بالغة، الكلمات محفورة و مكتوبة بقلم رصاص قديم والخط رديء جدًا. يبدو أنها تعرضت للمطر وللعاصفة في الخارج، لكن الأهم من كل هذا وذاك، أنها لا تصلح للنشر، أو بمعنى أدق: لا تنشر..

طلبت منه أن يجلس، وأحضرت له قهوة. ثم اكتشفت وأنا أضع فنجان القهوة أمامه أنني لم أكلف نفسي سؤاله ما إذا كان يفضل الشاي مثلا بدل القهوة. اعتذرت له. لكنه لم يسمعني. وهتف فجأة: برد. يلعن دين البرد.

فرك يديه أكثر من مرة، وبدا لي وكأني رأيت شرارة نارية خرجت من بين كفيه وسقطت على الأرض. وقبل أن اقول أي شيء، بادر هو وقال: متى تنشرها؟

كان السؤال جارحا ومباشرا، لكن صوته كان ينبئ بالخطر الداهم. ولا أعرف لماذا شممت رائحة الموت في كل مكان، كان الصمت هو الوحيد الذي يسكن في هذه الغرفة، وبدا الهواء ثقيلا وجافا، أردت أن أقول له أي شيء، وأن هذه الكلمات لا تنشر. لكن عبثا. لم تخرج كلمة واحدة من حلقي، وشعرت أنني قد اختنق وأموت...

قال في يأس: لم كل هذا الهلع؟ وحين وجدني مثل صنم، ولم أرد عليه. قال هو: الخائف لا يصنع أي شيء. أنظر إليّ، أنظر في عينيّ تمامًا، هل هذا شخص يخاف؟ انا أرجف من البرد فقط، وأنت ترجف من حروفي. وربما لأنك لا تريد أن تخسر وظيفتك؟ ثم أطلق ضحكة هستيرية اهتزت لها جدران المكتب. وقف أمامي فوجدته يحمل مسدسا، صوبه نحو رأسه، وقال: متى تنشرها؟

وفي تلك اللحظات الفارقة، حين يتجمد كل شيء، يقف الزمن أيضا، وتكتشف كم هذه الحياة عبثية و قصيرة وتافهة، خاصة حين تكون بلا معنى ولا هدف ولا رفيق ولا زوجة ولا حبيب ولا وطن ولا أمل، أنت بلا أي شيء.

نظرت إلى قصاصة الورق أمامي. كانت لما تزل تشبه كف اليد، ثم سمعت صوت رصاصة واحدة، ورصاصىة ثانية، وثالثة، ثم دوي انفجارات من بعيد. كانت الغرفة موحشة، وباردة والورقة بيضاء وفارغة. لا شيء هنا سوى جثة هامدة!
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018