العيد عنّا../ آدم عنبوسي

العيد عنّا../ آدم عنبوسي

في باقة، القرية وإن تقمّصت دور المدينة في السجلّات، يبدو العيد غير ذلك الّذي تفرضه المدينة، غير ذلك العيد المبتذلة قدسيّته في القدس.

فهو أن تلاقي آلافًا مؤلفة عند الباعة، وجوه مصفرّة وأخرى عليها غبرة من تعب اليوم لتسديد ثمن كيلو أضلاع خروف طازجة وطريّة، تنكمش وجوه اللحمة والخضرة والفواكه أمام هذه الحشود والّتي أتت لتؤدي واجبًا أمام القريّة وأمام العائلة الصغيرة.
أن نفرح بالعيد رغم ما يرتبه من إرهاقٍ جسديّ ونفسيّ وماديّ. 

مرّة، شاركت بطقس ذبح الخراف، فجر يوم العيد دون أن أتمّم السُّنّة، أي الصّلاة قبل النّحر، وقبل أن نشرع بالتّرحال المقتضب بين "الولايا" أو "لِوْليّات". 

والفريضة الشعبيّة - الدينيّة؛ أن كل من يريد تقدمة القرابين والأضاحي الشذيّة عليه حضور هذا المشهد، كي ينطق الجزّار فوق رأس الخروف الفتيّ اسم صاحبه أو صاحبته، ملحقًا اسم الأم الوالدة. المفارقة هي أن يقول صاحب الخروف اسم أمّه مجيبًا دون تردد أو خجل، لم يغظه سؤال الجزار الرجل العربيّ القويّ، الّذي لا تستغرق معه تعليق الأضحيّة وسلخها أكثر من عشر دقائق، صاحب الشنب غير المشذّب عادةً: "شو اسم امك؟!"   

هذا الاسم لم يقلب بين الدماء والصوف الّذي جزَّ إلى أم فلان، بل هو اسمها... 

نعم اسمها: 

بهجة/ فِرجة/ وضحة/ سَمِيّة/ مِشخص/ صالحة/ ربيحة وغيرها من الأسماء الّتي اندثرت ولا تليق "بحداثة الأيّام هذه في قريتنا الّتي تحاول جزافًا أن تكون المدينة".  

في ذات المشهد، أتت امرأة أخالها في السّبعين من العمر، تلبس الشّال الّذي اعتدته يلفّ خصر جدّتي، حيث يكون في العيد والمناسبات. عمومًا هذا الشال أجمل مع كامل اللباس، من أساور ذهبيّة وفضيّة ترنّ مع كل حركة لجدّتي، تخبّئ في الشال المغسول خصيصًا للعيد، "عيديّات" الأحفاد وحكايات خاصّة في العيد، وأحيّانًا أغنيّة كأن تردد في كل مناسبة دينيّة:

" الله يسهل عليكم خاطرين بعيد 

خطراتكم طولت وعماركم بتزيد

وتروحوا بخير وسلم ع ليالي العيد"

كانت هذه "الحجّة" الّتي سلبت شال جدتي وخِرقَتها بالنّسبة لي تُرَبّتُ على رأس الخروف الّذي أتت به، وتغني له، ثُمّ تقرأ عليه بعضًا من الأدعية المسجوعة، وتختم بالمعوذات... ولا يفيد ذلك الخروف المسكين أيًّا من هذه الطقوس، إلى مقصلة الجزار نهايته لا محال.

دخل المسكين بين أصدقائه المذبوحين عتيدًا، اختلط على الجزار الأمر، أيّ الخراف "للحجّة". رأته وهو في خضم حيرته وباغتته: 

"يرضى عليك يا بنيّي الخروف لِمتشَحَّل (المكحل)".

كانت الخراف تزّين ،ويتم تكحيلها وتطعم خير برسيم قبل حلول العيد، تدلّل أيّما دلال وتفرح بالعيد قبل حلوله...

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018