انكسار.../ يردينا حجاجرة

انكسار.../ يردينا حجاجرة

تستوقفني قطرات المطر المتساقطة في الخارج، صوت ارتطامها على حافّة الشبّاك يبعث في قلبي سعادةً جارفة. أحبّ الشتاء كثيرًا، أشعر بأنّه باذخ الوجع، تمامًا كما هو قدري.

أحاول النهوض من سريري المثقل بي، وسادتي تأبى تركي، فقد اعتادت على دموعي وعلى بوحي المفرط لها، وسادتي هي ملجأي، والشيء الوحيد الذي يمتص قلقي وخيبتي، حين يتخلّى الجميع عنّي. أنهضُ أخيرًا، أزيح الغطاء الثقيل عن جسدي بأكمله، أنظر في المرآة الشامخة أمامي، فأرى رجلًا كهلًا، رجلًا قد شاخَ من فرطِ الخيبة، رجلًا قد شاء القدر أن يكون عاجزًا، عاجزًا عن كلّ الأشياء التي يفرضها المجتمع.

أرتدي ملابسي مرغمًا، أضع بعضًا من العطر الفرنسي الذي أهدتني إيّاه والدتي. أخرج من غرفتي لأجد وجه أمي يستقبلني بفرح، أمي التي أشعر بدموعها تجتمع في مقلتيها كلما رأتني، وهي غير مدركة، أبدًا، بأني أعرف بماذا تفكّر.

أبي ينتظرني في الخارج، أجلس في المقعد الذي بجانبه، يقود السيارة متجهين إلى العمل. المطر متواصلٌ، يأتي من السماء كالأشياء المفقودة زمنًا طويلًا، يغسل الأرض من تلك الشوائب التي تغطيها وأولئك البشر الذين لا يدركون بأن نفوسهم ملوّثة، ملوّثة بهم.

أسترجع صورتها، صوتها، عينيها الواسعتين، خصرها المرسوم كلوحة فسيفساء، ثغرها الجامح، شفتيها الممتلئتين كربيعٍ عاشق، فستانها الأسود الملتصق بجسدها الجميل، وتلك الابتسامة التي خطفت حواسي منذ لحظة اللقاء الأولى. أراقب المطر مليًّا والابتسامة لا تفارق روحي.

نصل إلى العمل، يخرج أبي من السيّارة قبلي، يفتح الباب الخلفي ليناولني عكّازي، أحاول الخروج لوحدي، لكنّي أسقط على مقربة من الباب، نظرات الناس حولي تملأها الشفقة، وصوت الانكسار في داخلي كصهيلِ حصانٍ يُحتضر. أبذل جهدي للوقوف على قدمي، يمسك أبي بيدي اليمنى، وأمسك أنا بالعكاز في اليد اليسرى، أنجح، أخيرًا، في مهمّتي الصعبة، نمشي قليلًا حتّى نصل باب الشركة، أنظر ورائي فإذ بالنظرات ذاتها تلاحقني، تلك النظرات التي هدمت كل ما في من أمل. في طريقي إلى المكتب تنخر رأسي حفنة من التساؤلات، لماذا خُلقت معاقًا؟! لماذا؟! وما ذنبي من كل ذلك!

أجلس على كرسي المكتب، أحاول استنشاق بعض الهواء النقي، يأتي أبي بكأس ماء، يضع يده على كتفي محاولًا مواساتي، أزيحها بعنف، فيذهب.

يرنّ هاتفي، فإذ بها تتّصل، هي التي قلبت حياتي رأسًا على عقب مذ عرفتها، هي ذاتها التي أعادت إلى قلبي الحياة، وإلى أصابعي القدرة على الكتابة، وإلى جسدي شبابه الضائع. يأتيني صوتها عبر الهاتف ضاحكًا، مبشّرًا بالحبّ، يخيّل لي في الواقع بأنّه كذلك، لكنّها تبكي، صوت شهيقها يصلني مسرعًا، منذرًا باعترافٍ مصيري. أحاول فهم ما تقوله لكنّي أفشل. مرّت دقيقة حتى استطاعت استجماع ذاتها، قالت بنبرة بائسة: "لا أستطيع، لا أستطيع!". قلت: "لا تستطيعين ماذا؟"، قالت: "لا أستطيع الارتباط بك، والديّ سيرفضان".

شعرت بالهاتف يهوي من يدي، كل الأشياء حولي تحوّلت إلى أشباح؛ الأوراق، الأقلام، شاشات الحاسوب، وأنا.

أسمعها تصرخ باسمي، الهاتف ملقًى على الأرض ينتظر يدًا تنقذه. أنحني نحو الأرض المالسة، أمدّ يدي لالتقاطه لكنّي أسقط، جسدي ممدّد، وساقيّ تفقدان ما تبقّى من قوّتهما، يعودُ صوتي إليها محمّلًا بالخيبة، قلتُ بحزمٍ مفاجئ: "ألأنّي معاق؟"، صمتتْ، شعرتُ بأنفاسها تتراجع، وبصوتها يتلاشى، تمامًا كحبّنا المبتور.

أغلقتُ الهاتف، دبّت في جسدي قوّة مذهلة، لم أعهدها من قبل، ساعدني الكرسيّ على النهوض، وقفت أخيرًا، شعرت بجسدي شامخًا، كمرآتي، لا، بل كانعكاسي في المرآة، اقتربت من شبّاك المكتب، كانت قطرات المطر الغزيرة تُحدِث موسيقى عذبة، أمعن النظر في النقطة البعيدة فأرى أسراب النورس المهاجرة تحلّق، أبتسم، أبكي، أبكي بشدّة، كما تفعل السماء، لكنّ المطر كان شحيحًا، كان هزيلًا أمام دموعي.

أمّا الحبّ فظلّ قاسيًا، ظلّ حزينًا، كالقدر.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018