لاعب الزهر

لاعب الزهر

لم يمرّ أسبوع واحد على اجتياح الجيش للمدينة والمخيّم، حتى اتّخذت المدرّعات والدوريات العسكرية مكانها في الساحة المقابلة لبيتنا، فأحكمْنا إغلاق البوابات علينا، وأرخينا الستائر على الشبابيك، وحرصنا على ألا نصدر صوتاً مريباً قد يدفع الجيش لاقتحام البيت.

وفجأة! انخسفت البوابة طَرْقاً وركْلاً وصراخاً، فسارعتُ أتساءل: مَن الطارق؟

انفتحت البوابة وتكوّمت على نفسها وتشظّت! لقد نسفوها من أساسها، فلم يعد لبيتنا باب. وما هي إلا دقائق حتى كان الجيش قد تموقع في كلّ زوايا البيت ونواحيه وحول شبابيكه وفي حوش الدار، فامتلأت الغرف والصالون بالدببة المُصَفّحين المُدجّجين بثيابهم الحديدية الثقيلة، وبقعقعات تحرّكاتهم الحذرة المذعورة... والبشرُ وحوشٌ مركّبة.

تقدّم كبيرهم ببزّته ومسدسه المدلّى على جانبه، ومدّ يده نحوي ليصافحني، فلم أرفع ذراعي، وحدّقت في عينيه كرهاً وغضباً، وتصلّبت مكاني... فقال: لا بأس، المطلوب منك ومن زوجتك وأولادك أن تخرجوا من البيت، نريد أن نجعله نقطة مراقبة ومقراً للحملة، وهذا أمر عسكري! وإلا...

لن نخرج أيها الضابط... بإمكانك أنْ تقتلنا واحداً واحداً، ثم تدخل إلى غُرفنا ومطبخنا وفِراشِنا... وهذا قراري الأخير.

التفت الضابط يميناً ويساراً كأنّه يبحث عن شيء ما، فوقعت عيناه على طاولة الزّهر، تحت شجرة التوت في الحوش، حيث كنتُ ألعب أنا وجاري أبو عزّت...

قال الضابط: حسناً، سنجلس أنا وأنت تحت الشجرة ونلعب الزّهر، فإذا غلبتُك خرجتَ من الدار، وإذا غلبتني سأسحب جنودي وأبتعد عن بيتك... 

لا! لن ألعب معك أيها الضابط.

حسناً، أيّها الجنود، أخرجوهم...

بعد أسبوعين رجعنا إلى بيتنا، وشكرنا جارنا أبا عزت على استضافتنا، فوجدنا بيتنا قد تبعثر واتّسخ وتحطّم... وسألني أبو عزت: كان بإمكانك أن تغلب الضابط في لعبة الزّهر... فأنتَ مُحترف وكنت ستبقى في بيتك.

قلت: يا أبا عزت، أنْ ألعب معه في بيتي يعني أنه ضيف أو صديق وأنني أعترف بوجوده معي... ثم لو غلبته فإنه لن يقرّ بالنتيجة، وسيختلق عُذراً جديداً يطردنا به من البيت... ثم كيف لي أن أحتمل النَّظرَ إلى وجهه طيلة اللعبة؟.

بعد عدة شهور جاءوا واعتقلوني... وكانت التّهمة أنني أُشَّهِّر بقوات الاحتلال وبالجنود وأُحرّض عليهم.

كان المحققون والسجّانون يطلبون أن ألعب معهم الزّهر! رفضت بداية الأمر، ثم رحتُ ألاعبهم، وكلّما انتصرتُ عليهم كانوا يضاعفون العذاب... أمّا المرّة الوحيدة التي غلبني فيها السجّان فقد توقّعت أن يخفّف من تعذيبي... لكنّه حوّلني إلى العزل الانفرادي... وكان يضرب بهراوته باب الزنزانة المُصفّح ويقول لي: بتتحدّاني يا ابن الكلب!! فأردّ عليه بشتيمةٍ أحسن منها، وهكذا... غير أنّ الذي أثار استغرابي هو صراخ الضابط في وجه السجّان الذي لاعبني، وكان يسأله مُسْتنكراً: كيف تلاعبُ عدوّاً معتقلاً لدينا؟، فيجيبه: لكنّكَ لاعبته! فيردّ الضابط: لقد لاعبتُه لأتَعَرّفَ على طريقة تفكيره...

ثمّ سمعتُ الضابط يطلب من مساعديه أنْ يضعوا السجّان في الزنزانة عقاباً له... وكان السجّان بين الفينة والأخرى يتوعّدني ويهدّدني، فأضحكُ... فيجنّ جنونه.

اقرأ/ي أيضًا | تيكوب/ المتوكل طه

يقولون في وقتٍ ما لا بدّ من وضع حدٍّ للكراهية... وأنا أسعى لأبلغ ذلك الوقت بِحُرِّيَّتي، لكنّهم لا يريدون، ولا يريدون...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018