العنف المستشري والشباب: فلسطينيو 48 إلى أين؟

أعترف بأن أكثر المهام المستعصية في تجربة الوالدية، من جانبي، كانت حماية أطفالي الثلاثة من العنف الجسدي والإساءات اللفظية التي تعرضوا ويتعرضون لها في الإطار المدرسي، وأعترف كذلك بأن من أكثر الوظائف الصعبة على الإطلاق وغير المُقَدّرة كما ينبغي هي مهنة التعليم، والتي تعتبر مهنة "مطروقةً" لدى النساء في مجتمعنا، (لأسباب عدة ليس هنا المجال لتحليلها)، ولكن ما يحدث في السنوات الأخيرة في مدارسنا العربية يحمل مؤشرات غاية في الخطورة بشأن مستقبلنا كنسيج اجتماعي- قومي بات يتفكك رويداً رويداً في مسار من الانفلات وفقدان السيطرة من قبل كل المعنيين بالأمر، الشئ الذي يتطلب منا جميعاً التوقف عنده ومحاولة إيجاد حلول له قبل أن يُدركنا الوقت، حيث لن يكون مكاناً للندم بعد.

صحيح أن مدارسنا مراَة لما يحدث في مجتمعنا الذي يئن تحت وطأة العنف المستشري والممنهج، ومراَة لما يحدث في أُسَرنا العربية المأزومة جراء ضغوطات الحياة وملامح الفترة، غير ان جيل بأكمله يترعرع في خضم هذا الحال، لا يعرف البدائل التي نشأ عليها والديهِ، أو ذويهم، وبات يتعاطى مع العنف (بشكل فعّال أو خامل) بكل مكان وبكافة أشكاله.

 وأين نحن كأهل؟! البعض ينمي العنف في بيته من خلال إسقاط ضغوطاته وإحباطاته على أطفاله، الذين بدورهم يبحثون عن وسائل لتفريغه أيضا بمن هم "أضعف" منهم (دوائر العنف)، وبعضهم ينجرفون وراء التيار كرد فعل لحماية أنفسهم وحماية أطفالهم، ومن منا لا يسمع مصطلح "اللي بضربك اضربه!"، عدة مرات على مدار الأسبوع ومنهم من يرفض هذا النهج مبدئياً وأخلاقياً ويختار اللجوء للأطر التربوية أملاً منها بأن تضع حدأ لهذه الحلقة المفرغة، نعم يتم التعامل معه كأنه هو المثير للمشاكل ومن يفتقر لأدوات حماية أطفاله الذين "كُتب عليهم" أن يقعوا ضحية من باتوا يعتبرون "الأبضايات"، والذين أصبحوا هم القاعدة بغياب الجهة المسؤولة التي ينبغي عليها ان تضع حداً لهم ولسلوكياتهم الخطيرة! بكلمات أخرى، الأهل في معضلة جدية في سعيهم لحماية أطفالهم في الإطار المدرسي، والقيمين على الهيئات التدريسية يجلسون على الجدار بغياب الصلاحيات الكافية التي تمكنهم من وضع حد لسلوكيات الأطفال العنيفين، وهكذا ندخل جميعنا في حلقة مفرغة كان من الممكن تفادي نتائجها الهدامة سلفا ولم نفعل!.

ويبقى السؤال أي مجتمع وأي إنسان تنمي أُطُرنا التربوية؟ وهل يعي القيمون عليها بأن كرة الثلج هذه ستفتك بالأخضر واليابس، إن كان بالإطار المدرسي أو ما بعده عند خروج هذا الجيل إلى "الحياة"؟! وهل يمكننا الحديث عن "مجتمع" بمفهومه التقليدي بعد؟!، وما الذي ننتظره قبل التدخل لإجراء تغيير جذري، في حال باتت ملامحه ونتائجه واضحة للعيان؟ وما هو فعلاً دور الأطر المدرسية؟ وهل على الأهل بداية البحث عن أطر تربوية بديلة تحمل أولاً مبادئ كالأمان وقدسية الحياة والسلامة النفسية والجسدية واحترام الذات والآخر ثم التحصيل والتفوق العلمي؟.

لذا, ونحن في إجازة الشتاء بعيداً عن الأجواء المدرسية الضاغطة، وعلى عتبة عام جديد نتمنى ان يعود علينا جميعاً بالخير وهداة البال ولحظات وافرة من السعادة، ونأمل من جميع القيمين على الأطر التربوية الذين لهم صلة مباشرة مع الطلاب والمشرفين عليهم والنشطاء والمؤثرين، بمن فيهم النواب العرب، بالعمل على تقييم الحال والخروج بخطة طوارئ لاستدراك الوضع قبل فوات الأوان!.

ولكي نكون عمليين في اجتثاث أصول الظاهرة السلبية، دعونا ننتقل إلى مرحلة الحلول التي من شأنها أن تحد، بعض الشيء، من تسارع تدحرج كرة الثلج هذه ويبدو أنها تكمن في خمسة مسارات متوازية:

- المسار الأول - تكثيف الضغط السياسي والمؤسساتي والإعلامي على المؤسسات الحكومية المعنية وبمقدمتها ذراعها المنفذة وهي جهاز الشرطة للقيام بمسؤولياتها في بلداننا العربية ولا سيما تلك التي تستهدف شبابنا وبمقدمتها جمع الأسلحة غير المرخصة، معاقبة عصابات الإجرام والمسؤولين عن تفشي مظاهر العنف في شوارعنا من إطلاق النار، تدفيع رسوم الحماية التي تعرف باسم "الخاوة"، انتشار ظاهرة تداول القروض عالية الفوائد المعروفة باسم "السوق السوداء"، التجارة بالمخدرات بأشكالها المختلفة، ومن بينها تلك "المخففة" التي انتشرت في السنوات الأجيرة ويتم تداولها في أحيائنا على الملأ, استقطاب عصابات الجريمة لشبابنا من خلال إغرائهم بتقاضي أجور عالية مقابل خدماتهم لتثبيت الجنوح والجريمة، في واقع يفتقر به هؤلاء الشباب لفرص عمل مواتية.

- المسار الثاني – تشجيع المؤسسات الناشطة في مجال التوظيف على إيجاد فرص عمل لشبابنا العرب تليق بدراستهم الجامعية، وبشروط مواتية، تمنحهم الثقة بمستقبل واعد بعيداً عن اغراءات عصابات الجريمة، أو تلك التي باتت تتربص لهم حتى في "معارض التوظيف" التي نجحت في استقطاب العديد منهم، في السنوات الأخيرة, للالتحاق في صناعة ال"سايبر" الإسرائيلية أو تلك الناشطة في مجال الاحتيال المتمثلة ببعض شركات تداول الأموال المعروفة باسم "الفوريكس" وغيرها.

- المسار الثالث – حث أعضاء الكنيست لاستجواب المسؤولين وتكرار المطالبات بنتائج ملموسة للحد من الظواهر المذكورة اعلاه، بلا كلل او ملل! إلى جانب العمل الدؤوب على سن قوانين تحد من المضامين العنيفة في الأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي على غرار المحاولات التي نشهدها مؤخراً لحماية الأطفال والشباب من المضامين الإباحية في الأنترنت.

- المسار الرابع, يكمن باستجماع القدرات الكامنة لدينا من مؤسسات مجتمع مدني ونشطاء اجتماعيين ومختصين في مجال علم النفس والاجتماع والقانون والإعلام وغيرهم، لأحراء حملات توعية مكثفة في مدارسنا وبلداتنا عموماً.

- المسار الخامس والمباشر, منح القيمين في المدارس صلاحيات أوسع لمعاقبة الطلاب الجانحين، من خلال تمكينهم من إبعاد أولائك عن المدرسة لعدة أيام ومطالبتهم (اي الطلاب الجانحين) بالقيام بنشاطات سلمية معاكسة، لصالح أترابهم ليكونوا عبرة للآخرين, وعدم الاكتفاء بالإنذارات التي لم تعد ذات فعالية في خضم كرة الثلج المتدحرجة، سعياً للحد من تفاقم الأزمة وهي لا تزال قيد السيطرة.  

 

سناء حمود

 

كاتبة المقال أم لثلاثة أطفال, محامية, صحافية ومستشارة إعلامية