فالنتاين العرب..

ما زال جيلنا يذكر حين بدأ أبناء الطبقات غير الميسورة، وغير الوسطى على اختلاف طبقاتهم يحتفلون بأعياد ميلادهم. وكان الاحتفال حكرا على ميسوري الحال أو المثقفين المتغربنين المتغربين أو الموظفين، وكان لعيد الميلاد الشخصي رونق، كما أنه لكل أصالة رونق. كما يذكر جيلنا الجيل الذي لم يعرف بعض أفراده تاريخ ميلادهم بدقة، إما لأنه لم تصدر لهم شهادة ولادة وإما لأنها ضاعت ولا يذكروا التاريخ لأنهم لم يستخدموه حتى جيل متأخر. تغيرت الدنيا وحل الاحتفال بمناسبة الولادة السعيدة، أو بالذكرى السنوية للولادة الفردية، نوع من إحياء الذكرى، إذا صح التعبير. ومن زاوية نظر أخرى أكثر تفاؤلا: نوع من نشوء الفردية، احتفاء بالفرد، بأهمية كل فرد. ولم لا، لم لا؟ تفسير جيد ومقبول.... لولا أن صديقا عتيقا إلى حد انه لم يهضم في ثقافته الفردية فكرة عيد ميلاده بعد، ويعتبر أن هذه الممانعة تشكل أيضا نوعا من الفردية، أليس كذلك؟ قال لي مؤخرا ضاحكا بسخرية مُرَّة أن أبناءه الذين فرضوا عليه الاحتفال "يحتفلون على أنقاضي" they celebrate on my ruinsفي إشارة لعيد الميلاد كاحتفاء بالتقدم بالعمر باستعارة ساخرة لمستعارات فلسطينية.

كما يذكر جيلي تحول المولد النبوي إلى يوم عطلة، وهو لم يكن كذلك، ورأس السنة الهجرية إلى عطلة، كأنها أعياد عيد الميلاد ورأس السنة (يتفاجأ بعض الأصوليين المحتفلين بهذه المناسبات التي اعتبروها ذات يوم بدعا عندما يدركون كم أن الدنيا متفاعلة ومتثاقفة، بما في ذلك دنياهم!!)، ونذكر تحول عيد الميلاد المسيحي المحلي المتواضع إلى "كريسماس" أمريكي. ونذكر بالسنة عملية تحول عيد الميلاد إلى مناسبة أهم من عيد الفصح. وقد كانت المسيحية الشرقية عموما، من بلادنا، بلاد المسيحية الأولى، وحتى روسيا، تعتبر عيد الفصح أهم أعيادها وتسميه "عيد الكبير"، المقصود "العيد الكبير"، كما يسمى المسلمون أيضا عيد الأضحى العيد الكبير.

دخلتنا الصين بالشجرة وبالزينة عبر أوروبا وأمريكا مثلما دخلنا الطعام الصيني ملطفا عبرهما. ولكن ولوج الكريسماس الأكبر كان عبر تطور حضارة وعادات الاستهلاك منذ نهاية السبعينيات، فهي التي حددت إيقاعه وتفاصيله الصغيرة التي يعتقد البعض أنها كانت دائما. لا، لم تعد الدولة هي المستغل الأساسي للدين بل أصبح هذا اقتصاد السوق وتليه سوق السياسة. على كل حال حسم الموضوع وانتهى، وأصبحت هذه عادات، نشأت وتشكلت، ولا بأس. ولا حاجة عملية لبحث حول تقلب مفهوم وعادات سهرات رأس السنة وتطورها وطبقيتها، إلا لأغراض البحث الانتروبولوجي، ولا حول إمعان عيد الميلاد في التحول إلى كريسماس معولم إلى درجة احتفال بعض الطبقات الوسطى غير المسيحية به رغبة بالانتساب إلى نمط استهلاك شائع مثل الانتساب إلى "ماركة".

ولا شك في أن كل مستهلك لاحظ عودة الصين الكبرى بعيد وبدون عيد خلال العام بأسعار قضت على بهجة العيد. فالقميص الذي كان يخطط المرء لشرائه شهوراً بات يوجد في حانوت البقالة كأنه بضاعة تستخدم مرة واحدة مثل الأكياس البلاستيكية، وعممت الصين بعض أنماط الاستهلاك طيلة السنة حتى لم يبق للعيد الكثير. وقد يفتح هذا التعميم مفهوم العيد لتطور جديد. فاللحوم والحلويات التي كانت موسمية باتت تؤكل طيلة العام، وكذلك الملابس تشترى طيلة العام.

المهم، خلونا بالمهم!! المهم بالنسبة لهذه المقالة انه لا يستطيع أحد أن يحرمنا حق التعليق على "فلانتاين". فما زال تكونه طازجا، يسمح بالتعليق وأمر توطنه عندنا لم يحسم بعد. وهو يتشكل أمام أعينا ويعفر اللون الزهري ال"بينك" والأحمر بكل اتجاه حتى أصبنا بـ"باربي فوبيا"، أو حساسية غبار فالنتاين. حبُ حلاوته بطعم دواء السعال على أنفلونزا. ومن المبكر أن نتذكر، ولا حاجة لنتذكر كيف ولج فالنتاين حياتنا المشتتة المتشظية المختلطة الألسن المهمشة المهشمة المشوهة المرتبكة. فنحن نشهد دخوله الآن. ونحن نشهد ونشاهد ليس فقط لأنه لا حاجة للتذكر، بل لأنه لا يمكن تجاهل ال"بينك" والتكلف والاصطناع والتصنع، و"هابي فلانتاين داي"، وكأن الدنيا أصبحت "مول" أحمر اللون. وكأن باربي قد تسلمت مقاليد الحكم في بلادنا ليوم واحد وهي تغتال خصومها برائحة الفنيليا والشوكولا وباقات الزهور المعدة سلفا وغيرها من أنواع الرقة واللطافة الاستهلاكية المدفوعة الثمن.

ولا يكفي أن بعض الناس تفجر ذاتها، أفراد يفجرون فرديتهم، وأن آخرين يجوعون حرفيا في حالة عربية منهارة أخلاقيا، كأنه في كل دولة عربية تعيش عدة شعوب بعدة ثقافات، يطغى على تقسيمها الفرق بين ثقافة الفقر وثقافة الغنى، ولا يكفي أنه يكفي أي ثري محدود الثقافة أن يطلق علينا فضائية ليربط الشباب ليل نهار بدين جديد، أو "ثقافة كليب"، أو "كليب ثقافة" تدور كلها حول سيقان هي امتداد لصدور أو صدور هي امتداد لسيقان تدعي الفن والغناء، وحول استخدام تعهيري بورنغرافي لجسد المرأة كبديل للفن والعقل والذوق وللموسيقى، وكبديل للحس الجمالي أيضا في النهاية، أي بالتعويض بالغريزة عن كل مقومات الحضارة، بدل العكس، لا يكفي هذا كله ليضاف إليه الفلنتاين لنصبح في "مسمجة" حقيقية من "الكتش" بالكريما والكراميل والأحمر والزهري وفقاعات القلوب الصابونية المتطايرة وبطاقات الكليشيه. مراهقون؟ ممتاز عظيم، ولكن حتى أي جيل؟ ومع أن الموضوع ليس مهما، وليس ذا علاقة إلا أنني ما زلت اعتقد أن العلم نور، وما دامت المعرفة كماليات فلتكن على الأقل معرفة الفلنتاين تكملة للاحتفال باللون الأحمر الزاهر. قد تساهم بعض المعلومات في تخفيف حدة اللون، نضيف إذا مادة مخففة للون الفاقع ولحلاوة الطعم.

أصل الاحتفال وثني، كما يبدو، وكما هو حال الاحتفالات والطقوس والألوان في حضارات الديانات التوحيدية. فهذه الأخيرة ليست احتفالية الطابع بشكل خاص. ولا يتوقعن أحد أن تُحيا في مسيحية القرون الوسطى أو أن تنشأ أيام حب من هذا النوع.

احتفل الرومان القدماء كما يبدو في التواريخ الموازية لـ 14 و15 شباط بأعياد خصوبة مختلفة من نوع الاحتفال بعيد "لوبركالا" تكريما ل"لوبركوس" الإله الذئب الذي يرعى الرعاة والقطعان. ما علاقة الذئب بالحب، والمواشي بالرومانسية والرومان إلا إذا كانت رومانسية الرعاة مع المواشي؟ يجوز. ولكن يقال إنه في أحد تلك الطقوس كان يكرم الذئب لوبركال الذي أرضع روموس ورومولوس حسب الأسطورة، فكانوا يضحون بالماعز للإله الذئب، ثم يلبسون جلود الماعز بعد التضحية. يصبحون تيوسا إذا صح التعبير. ويتبعون النساء ويضربونهن بعصي صغيرة. نوع من "خفة دم" ما قبل ثلاثة آلاف سنة. وترمز الضربات إلى تمني الخصوبة للمرأة التي مسها تيس. وينطلق الخيال الأسطوري ليحدثنا عن طقوس وعلب توضع فيها بطاقات بالأسماء لتختار النساء عشوائيا اسم خليلهن لفترة الاحتفال. تقوم العلبة إذا بعملية "ماتشنج" بين الرجال والنساء. ومن هنا الاسم الغريب "ماتش بوكس" لعلبة عيدان الثقاب، ويبدو أن لعبة العلبة أوروبية متأخرة.

ولا يتخيلن احد أن القرون المسيحية الوسطى وأن الكنيسة قد تحتضن مثل هذه الاحتفالات. ولكن، كما في العديد من العادات الشعبية التي مرت مع الثقافة الشعبية من دين لآخر واخترقت حتى الدين الرسمي أحيانا عبر إعادة تفسيرها وتغيير مناسبتها، نقل هذا العيد إلى الحضارة المسيحية عبر أسطورة ولادة جديدة، قصة منشأ جديد. ومن لا يعرف فليعرف أن غالبية الأماكن المقدسة في بلادنا وفي العالم قد توالت على تقديسها الديانات المختلفة مع تفسير مختلف في كل مرة. وكم من قبر ولي أو قديس أو غيره غير اسمه وديانته واعتنق أخرى وهو في القبر ذاته، واستمر الناس بنفس العادات الشعبية بالزيارة والتبرك وغيرها حول نفس القبر. على كل حال الله وحده يعلم، أو الشيطان وحده يعلم في حالة الاقتتال، لماذا يميل الناس إلى تقديس نفس الأماكن.

وهكذا نشأت ثلاث أساطير لفالنتاين، أو نشأت توظيفات أسطورية لأشخاص فعليين عاشوا فعلا، أو غير فعليين من بنات الخيال، ولا يهم، ففي الحالتين نشأت أسطورة، الله اعلم. عاش الأول كما يبدو في فترة الإمبراطور كلاوديوس وقام بعقد قران الشباب رغم تحريم إمبراطوري يخشى التهرب من الجندية بالزواج. سجن الكاهن وحكم عليه بالموت. وحسب الأسطورة أرسل إليه الشباب "بطاقات مكتوبة"، ( ينقص الأسطورة فقط أن تروي أن البطاقات كانت من ورق معطر وزهري اللون!!!) وقد كتب عليها ويا للمفاجآت السعيدة: " الحب أفضل من الحرب" وكأنهم كانوا ال"هبيين" الأوائل في ذهن مخترع هذا الكلام. وطبعا إن ننس فلا ننسى أن الإعدام تم يوم الرابع عشر من شباط. وبعد ذلك بقرنين أعلنه الإمبراطور جيلاسيوس يوما مقدسا، أي عيدا بديلا للوبركوس الذئب.

وتختلف الروايات حول فالنتاين الثاني الذي كان كما يبدو أكثر تحررا فقد سجن لأنه ساعد المسيحيين ولكنه وقع في حب بنت السجان. أليس هذا الكلام على نفس وزن ابنة صاحب الدكان، أو ابنة الطحان في أساطير أخرى؟ وكان طبعا يرسل لها بطاقات حب. وأعدم ودفن كما يبدو في "فيا فلامنيا"via flamnia. أما الثالث فشخصية أكثر واقعية، وكان على ما يبدو مطرانا في تيرنيterni، وقد استشهد أيضا.

كان الاحتفال في بداياته يتم تقديرا للشهادة والتضحية، وقد عاد إلى شخصيته الأصلية في مرحلة النهضة الأوروبية مثلما عاد الكثير من الثقافة الأوروبية إلى العصور الكلاسيكية الرومانية واليونانية. ولكن أصل بطاقات الحب يعود إلى مرحلة سجن تشارلز دوق أورلينز الذي أرسل من سجنه في قلعة لندن أشعار حب لزوجته على بطاقات ربما في العام 1415. وقد انتشرت البطاقات مع دخول الآلة إلى عملية الطباعة عام 1840.

تثبت يوم فالنتاين في الغرب إلى درجة أن أي متابع منا لأفلام حروب العصابات من الثلاثينيات يذكر أن مذبحة آل كابوني ضد خصومه من عصابة باغز موران كانت في يوم فالنتاين من العام 1929. أما في ذاكرتنا القريبة قد اقتحم لوبركوس الأمريكي، الذئب الأميركي، عالم وعصر فالنتاين العرب بإطلاق قناة "الحرة"...ليكمل علينا يوم 14 شباط يوم الحب زهري على زهري على وردي على أحمر على حرية بطعم دواء السعال.

في أمريكا تنعت "بالحرة" وسيلة الإعلام الحرة غير المرتبطة بالدولة. ونغض النظر لغرض هذه المقالة عن ارتباطاتها بالشركات الكبرى، فكلمة "حرة" في العرف الأميركي ترادف عبارة "لا علاقة لها بالدولة". أما في عصرنا وعالمنا عالم فالنتاين العرب، فـ"الحرة" هي قناة لا تملكها الدولة فحسب، بل وزارة الخارجية ذاتها. "بروباغندا" أميركية غير مقنّعة سافرة. محطة تلفزيون تملكها دولة تسمى "الحرة"؟ فقط في بلادنا، وفقط باللغة العربية، وفقط في تعامل الأميركان مع العرب يصح مثل هذا الاستخدام للتعابير.

لنتخيل مراسلي محطة تملكها وزارة الخارجية لإمبراطورية ما في دول تابعة لها في منطقة ما. تخيل صحفياً شاباً محدود الإدراك غير محدود الطموح، ومحدود المعرفة غير محدود التطلعات، ومحدود القراءة غير محدود الكلام... صحفي ومراسل من هذا النوع ممثل لهذه الإمبراطورية في دولة تابعة، لا بد انه يعتقد أن أي مسؤول في الدول التابعة لا يستطيع أن يرفض له طلبا، وأن المسؤول العربي قد لا يحترم صحفيي بلده ولكنه مضطر أن يحترمه هو. وذلك ليس لأنه محترم لا سمح الله ولا قدر، فهذه ليس صفة مطلوبة منه، وإنما لأن وسيلة الإعلام إمبراطورية رسمية، ولا أحد حرّ تجاهها. إنها "الحرة" الوحيدة بهذا المعنى.

تعليقات Facebook