عزمي بشارة وبؤس الديمقراطية الإسرائيلية../ هاني المصري

عزمي بشارة وبؤس الديمقراطية الإسرائيلية../ هاني المصري

قد تتفق أو تختلف مع الدكتور عزمي بشارة في أفكاره ودوره، ولكن لا مجال للخلاف على أنه شكل ظاهرة فكرية وسياسية تركت بصماتها، ليس على فلسطينيي 1948، والشعب الفلسطيني فقط، وانما امتدت آثاره الى العالم العربي الفسيح.

فلم يكن عزمي بشارة، فلسطينياً فقط وإنما عربياً، وبعده الإنساني والأممي أكثر من واضح. كما ان عزمي شوكة في حلق اسرائيل. يكفي عزمي بشارة فخراً، أنه أطلق فكرة تحويل اسرائيل الى دولة لكل مواطنيها، التي غدت هدفاً لكل الفلسطينيين تقريباً، وأدت في الآونة الأخيرة الى إقرار وثائق لفلسطينيي 1948 بلورت ووضحت هويتهم القومية واهدافهم، وأنهم ليسوا مهاجرين وإنما اصحاب البلاد الأصليون.

"دولة لكل مواطنيها" شعار يضرب الفكرة الصهيونية في الصميم، لأن إسرائيل قامت كدولة يهودية، ويريدون لها أن تبقى دولة لليهود فقط، "فالديمقراطية اليهودية" تريد من الفلسطيني أن يصبح صهيونياً، لكي يعترف به مواطناً كامل الحقوق، أي تريد منه أن ينفي نفسه، وإلا سيبقى مواطناً من الدرجة الثانية، ومهدداً بالتهجير والملاحقة بكل أنواعها، القانونية والايديولوجية والإعلامية.

قضية عزمي بشارة، بصرف النظر عن التهم المنسوبة إليه، قضية تكشف بؤس الديمقراطية الإسرائيلية، وأنها ديمقراطية لليهود فقط، وعنصرية من رأسها حتى قدميها، بالنسبة للأغيار الذين يأكل الأحزاب الصهيونية الندم لأنها لم تجبرهم على الرحيل العام 1948، وتفكر غالبية الاسرائيليين في كيفية التخلص منهم تارة بإثارة "الترانسفير الطوعي"، وتارة أخرى بطرح أفكار "تبادل فلسطينيي 1948 بالمستوطنين في الأراضي المحتلة العام 1967". وتارة ثالثة بترحيلهم إلى سيناء أو بلاد العرب الفسيحة.

وأكبر دليل على بؤس الديمقراطية الإسرائيلية، أن بشارة اتهم وحوكم وأدين، في نفس الوقت الذي تواصل المحكمة الاسرائيلية حظر نشر أية معلومات عن التهم المنسوبة اليه، حتى يتم تحطيم عزمي بشارة وما يمثله قبل تقديمه للمحاكمة.

ليست صدفة أن يواجه عزمي بشارة ما يواجهه الآن، بعد أن رأت أجهزة الأمن الاسرائيلية في تقارير رسمية مرفوعة للحكومة أن العرب في اسرائيل يشكلون خطراً استراتيجياً، وما داموا كذلك يجب إزالة هذا الخطر، والبداية الجديدة محاولة إنهاء ظاهرة عزمي بشارة.

اسرائيل التي تصورت أنها في أوسلو استطاعت أن تضرب القضية الفلسطينية عبر زعزعة وحدة الفلسطينيين بفصل القضايا عن بعضها البعض، والأرض عن الشعب عن الأهداف، وبتقسيم الارض نفسها الى (أ،ب،ج) فوجئت بأن الشعب الفلسطيني داخل اسرائيل، شعر بعد أوسلو الذي من المفترض أنه تخلى عنهم، صار فلسطينياً أكثر من السابق، وعربياً أكثر من السابق، وإسلامياً أكثر من السابق، وهذا افشل السياسة والمخططات الاسرائيلية لتذويبهم ما بين مسيحي ومسلم ودرزي وبدوي وعرب الجليل وعرب المثلث...الخ.

رغم كل ما تقدم، ومع إدراكي ان عزمي بشارة، فكر وقرر الاستقالة قبل التهم الأمنية التي وجهت ضده، إلا أنه بين نارين، وأي قرار سيتخذه هو أصعب من الآخر. فإذا قرر البقاء في الخارج والتحول إلى لاجئ، يمكن أن يبقى مفكراً قومياً وديمقراطياً ويسارياً كبيراً، لكنه لن يستطيع الاستمرار كقائد سياسي، فالحجر بأرضه قنطار. كما أن هذه الخطوة يمكن أن توجه ضربة لحزبه وافكاره، وللنضال الفلسطيني العربي داخل اسرائيل، خصوصاً أن هذه القضية تكشف حدود المراهنة على الديمقراطية داخل اسرائيل، فعزمي يشعر أنه استنفد دوره كعضو كنيست، وكان كما قال، يتقدم خطوة ويتراجع خطوتين أثناء ذهابه الى الكنيست خلال الحرب الاسرائيلية الاخيرة، على لبنان.

وإذا قرر العودة الى وطنه، سيواجه احتمالاً كبيراً بصدور حكم يقضي بسجنه لفترة طويلة، فالتهم هذه المرة امنية، ويندرج عليها قانون مكافحة الإرهاب.

وأياً كان القرار الذي سيتخذه عزمي بشارة، فهو سيكون علامة سيكون لها ما بعدها، وستساهم برسم معالم الدور الفلسطيني في اسرائيل، وهل ستتحول دولة لكل مواطنيها أم تبقى دولة احتلالية إجلائية عنصرية عدوانية.


"الأيام"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018