* بشارة لا تمنحهم هذه المتعة../ سامي شالوم شطريت

* بشارة لا تمنحهم هذه المتعة../ سامي شالوم شطريت

الشاباك هو ليس فقط أداة للتصفية الجسدية والمراقبة والتحقيق. الشاباك هو بالأساس جهاز ماكر ليس لديه حدود أو ضوابط، ولا يتعرض لأي نقد أو مراقبة، ويستخدم بيد رؤساء الدولة ومساعديهم لإدارة وتوجيه جدول الأعمال السياسي للسلطة. وفي أدائه الذي على هذه الشاكلة، يوجد في الشاباك قسم صغير ومذهل- مخيطة ملفات. كل أنواع الملفات بأحجام وبألوان مختلفة، حسب طلب رئيس الوزراء ومساعديه. من الجيل الأخير نذكر ملف أبو حتسيرا، ملف درعي، ملف فعنونو، ملف فحيمة، ملف الشيخ رائد صلاح وقائمة من الملفات وصولا إلى الملف الحالي للدكتور عزمي بشارة الذي يحاك أمام أعيننا في هذه الأيام. العامل المشترك الرئيسي لكل هذه الملفات هو الدرجة العالية من التهديد الحقيقي أو المفترض الذي يمثله المستهدف بالملف على جدول الأعمال الصهيوني-الأشكنازي وهيمنة سلطته( لذلك، الرئيس المتنحي والحانق كتساف مثلا ليس في القائمة، هو لا يهدد أحدا، وهو بأقصى حد يرجئ دخول بيريس العجوز إلى دار الرئاسة).

ومن بين الأمور المشتركة لكل هذه الأسماء وأخرى هو الأساس البالوني-المنتفخ للملف. يبدأ ذلك دائما بعناوين كبيرة وباستصراخ الموظفين وأسيادهم، الذين يعلنون بأعلى أصواتهم عن حجم الجرائم والمخاطر التي سيسقطها الرجل أو المرأة كما في حالة فحيمة على شعب إسرائيل، وفورا يحاكمون ويصدرون حكما قبل المحكمة. المنفاخ والهواء المتعفن لنفخ البالون يزوده الشاباك، ودائما من وراء الكواليس وبشكل سري( أي يهمس بأذني محرري الصحف والمحللين الرسميين للدولة).

كما يذكر كثيرون منا، في كل تلك الملفات كلما مر الوقت منذ نفخ البالون وصولا إلى الحكم في المحكمة، يخسر البالون هواء شيئا فشيئا إلى أن يتقلص إلى حجم بالون علكة في فم طفل صغير. ولكن في هذه المرحلة لا يعود لذلك معنى. فقد أتى بمفعوله. لأن الهدف لم يكن ذات يوم "العدالة القضائية"، بل هو سياسي مركب أكثر وخاف عن عيون معظم الجمهور. في حالة أبو حتسيرا كان الهدف وقف "سابقة" حزب شرقي مستقل في الكنيست وفي الحكومة مع كل تداعياتها الثقافية المترتبة على ذلك. في حالة درعي ارتفع منسوب الخوف والرعب إلى درجات عالية أمام إمكانية ظهور حزب شرقي حاكم مستقل وعلى رأسه قائد شاب، كريزماتي وصلب يقتحم حدود الغيتو. وحول قضية فعنونو كتبت الكثير- كان الهدف تحذير وردع شبان شرقيين كثيرين من ثمن الوعي السياسي العالي. ذلك الذي يستطيع أن يسمو فوق كل هراء نقاء العنصر وثقافة الشعب وقدسية أرضه.

حالة فحيمة هي هستيريا مضاعفة ومتضاعفة من صحوة شبان وشابات وخلاصهم من الولاء الأوتوماتيكي لقيادة الخنازير وأيدلوجية عنصرهم في مزرعة الحيوانات الصهيونية تلك. جاءت فحيمة من المركز الصهيوني الإسرائيلي، وتجاوزت الخطوط، بكل المعاني، وذهبت للقاء مقاتلين فلسطينيين كي تتعرف على الاحتلال وعلى نضالهم. الأمريكية جيين فوندا قامت بنفس العمل السياسي حينما زارت فيتنام الشمالية، ولكن رافقها كل كاميرات الإعلام وتحولت إلى نجمة التصدي لحرب فيتنام.

العامل المشترك الأخير هو المحاولة التي تتكرر وتنجح أحيانا بشكل كاف، وهي النيل من مكانة أصحاب الملفات في عين الجمهور ووصمهم كلصوص ويتبعون الشهوات. فعنونو كشف أسرار إسرائيل النووية مقابل شهوة المال. وتالي فحيمة باعت الدولة مقابل علاقة جنسية مع عربي. وها هو الآن عزمي بشارة، ليس فقط أنه تجسس على دولة إسرائيل وحاك مؤامرات إبادة مع أصدقائه السوريين والشيعة، بل قام بذلك، يا للقرف، مقابل بضعة حفنات من الدولارات. "يعني"، لا أيدلوجيا ولا سياسة، بل مثل هؤلاء الذين يبيعون أمهم مقابل مضاجعة أو مال. هذه هي الرسالة المضاعفة. فالهدف الأول هو وصمهم مع أو بدون إدانة قضائية. فالتهم يمكن زيادتها أو تقليصها ولكن وصمات كتلك لا يمكن إزالتها أبدا.

لهذا أقترح تبني نظرية بسيطة والتي أسير وفقها منذ سنوات طويلة- ففي كل مرة يتهم النظام أحد معارضيه بأعمال جنائية، أقرأ العنوان وأعتبره وكأنه حروف شفافة، وأتجاهله بشكل تام. هذا يساعد على نمط تفكير سليم وصاف. وبشكل عام ودون علاقة لدرعي أو بشارة، فقط إنسان ساذج كالخروف يصدق الأخبار الواردة من مكتب رئيس الوزراء. الرجل حسب حجم الشبهات والمخالفات ضده التي تكومت على عتبته، هو لص، ومخادع، راش ومرتشي منذ شبابه. لماذا علي إذن أن أصدق كلمة واحدة منه، أو من وزرائه الذين يجري معهم التحقيق بتهم جنائية. والشاباك؟ تعلمنا أن نعرفه عن كثب عن طريق "ملف فحيمة" عن حملات الأكاذيب والتلفيقات، الخداع والتهديد وأكثر من ذلك- بنود الاتهام المنفوخة بهواء ساخن، كم هو ساخن، إلى درجة أنه حينما تفجر البالون في النهاية كنا بحاجة إلى منقي للجو.

عزمي بشارة لم يسرق "أغورة"(1 على مئة من الشيكل) من أي شخص، لم يتجسس ولم يخطط شيئا يستهدف وجود إسرائيل ومواطنيها. يمكن اتهام بشارة بشيء واحد بأنه طالبُ عدالة ملتزم. لا يمنح الاحتلال والقمع الراحة حتى ولو للحظة واحدة. هو المواطن المطلق. هذا الذي يطلب العيش في هذه البلاد في إطار مواطنة ديمقراطية مبنية على العدل والسلام، وليست تحت نظام قومجي أو ديني، وبسبب ذلك وفقط بسبب ذلك يشار إليه كمتطرف وخطير على أمن إسرائيل.

من الزاوية التي ينظر منها رؤساء الدولة ومساعديهم، بشارة وحركته يشكلان تهديدا دائما على حقيقتهم الأبدية، لأنه يضع أمامهم المرآة كل يوم من جديد ويواجههم مرة تلو الأخرى مع تناقضهم الذي لا يطاق، المتواجد في أساس كل المشروع الصهيوني: دولة يهودية ديمقراطية. أو بكلمات أخرى ديمقراطية مع أغلبية يهودية ثابتة بكل ثمن. كم صعبا عليهم النظر في هذه المرآة ، هؤلاء الكاذبون المدعون الصدق. ولكن كم هو مثير للسخرية، أنه بالذات بفضل هؤلاء الكاذبين، ربما يتجرأ إسرائيليون كثيرون على النظر في تلك المرآة واكتشاف أن الملك ليس فقط عاريا-عاريا بل عديم المسؤولية وحملهم بالكذبة القومية إلى لا مكان ثلاثة أجيال.

مع كل ذلك ما زال ينقصني شيء في هذه الصورة. ماذا يسعى قادة الدولة ومساعدوهم إلى تحقيقه في هذه الحملة ضد القائد الذي يرمز أكثر من أي شيء إلى الجيل الفلسطيني الجديد في إسرائيل، هذا الذي انتصبت قامته؟ فسيرورة الوعي لا يمكن إعادتها إلى الخلف. ولا يستطيعون القضاء على الهوية الفلسطينية للجيل الجديد حتى بقنبلة نووية لا يملكونها. هم يعرفون ذلك جيدا. حتى لو استطاعوا القضاء على حركة "بلد"(التجمع الوطني) كلها وإخراجها خارج القانون لن يستطيعون قتل روح الوعي القوية داخل الجيل الشاب. بل عكس ذلك ما سيحدث: مهما عذبوه. ولكن رغم أنهم يدركون كل ذلك جيدا أكثر منا، يعملون وكأن ذلك كل اهتمامهم ويوجهون سهامهم إلى هناك. لماذا؟ الجواب طبعا مغروس في شؤون معقدة أكثر، في الصورة الكبيرة.

إذا كان من غير الممكن إخراج الهوية الوطنية من الفلسطينيين الإسرائيليين، يقول الحكماء أحدهم للآخر، إذن نخرجهم ونخرج هويتهم سوية إلى خارج حدود دولة إسرائيل، أو على الأقل قسم كبير منهم. وعلى الأصح- كل منطقة وادي عارة والمثلث وأم الفحم على رأسه. وذلك حسب خطط قديمة رسمها قادة إسرائيليون كثيرون من اليمين واليسار، كتلك التي نشرها مؤخرا المقرب من رئيس الوزراء، عضو الكنيست شنلر. خطة عنصرية لنقل مواطني إسرائيل من وادي عارة والمثلث إلى مناطق السلطة الفلسطينية، أو الدولة إذا قامت. الوزير إيفيت ليبرمان وأصدقاؤه سال لعابهم على تلك الخطة منذ سنوات طويلة. ولكن ما يعنينا أكثر هو خطة المقرب لرئيس الوزراء التي تنشر في هذه الأيام بالذات، في الفترة التي تنشر الاتهامات الغامضة والتافهة ضد بشارة. ولأن أي رئيس وزراء لا يستطيع الخروج بخطة سوبر-ترانسفر من هذه النوع أمام الأمريكيين والعالم دون "مبررات وجودية" صهيونية ساخنة، عليه أن يشمر عن ساعديه وخلق تصدعات من هذا النوع في نظر العالم. وهنا يدخل عزمي بشارة إلى الصورة. قائد بحجمه يمكنه أن يكون رافعة ممتازة لخلق أزمة ثقة حادة وعميقة بين الحكم اليهودي وبين الفلسطينيين الإسرائيليين، الذي بإمكانه أن يدفع إلى تمرد حقيقي (بمساعدة المستفزين من رجل الشاباك). والذي يعيد الحكم العسكري إلى الجليل ومن بعد ذلك بناء الجدار حول المثلث وبعدها الانفصال أحادي الجانب. يبدو جنونيا؟ كل خطة من هذا النوع وحينما يكشف عنها قبل وقتها تبدو جنونية. من المهم أن نذكر أن الشاباك لا يقوم بتلك الخطوات الكبيرة والحادة هذه دون التعليمات الواضحة من رئيس الوزراء الذي يجلس التنظيم في مكتبه.

ومن هذا المكتب يطور شنلر أيضا بالون التجربة الخاص به. هو طبعا ليس "ترانسفيري" ويسعى إلى تمييز نفسه عن ليبرمان، لأن خطته تعتمد الطرق اللطيفة والاتفاقيات، وهو فحص ووجد أن الفلسطينيين الإسرائيليين سيسعدون للسكن في فلسطين العتيدة، وهو جدا كريم، ويعدهم بتصاريح عمل في إسرائيل.. شنلر يقوم بعمل رائع حينما يشرح الخطة- ويقارنها بتسليم البريطانيين هونغ كونغ للصين الأمر الذي برأيه لاقى نجاحا، وجميعهم سعداء جدا. لماذا رائع؟ لأنه يدخل دون أن يقصد العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية(ومن لطفه يعترف أن "عرب إسرائيل" فلسطينيون ) في إطار الحوار الكولونيالي وما بعد الكولونيالي: بريطانيا الاستعمارية تحرر مواطنيها وتعيدهم إلى حضن وطنهم، عمل إحسان. وهكذا تريد إسرائيل أن تفعل للسكان الفلسطينيين.

أكثر من مرة كتبت في الماضي عن عزمي بشارة بإعجاب وتأييد لفكرة دولة المواطنين والتي ستقف عاجلا أم آجلا أمامنا كخيار وحيد يؤمن الحياة للجميع. وكانت ردود الفعل التي تلقيتها من اليهود القلقين غاضبة وقاطعة: "إذا كنت تؤيد عزمي بشارة فأنت مثله تؤيد إبادة دولة إسرائيل". لا أكثر ولا أقل. وكان جوابي بسيطا – الأعداء الحقيقيون للشعب في إسرائيل(مصطلح أوجده بشارة بدل شعب إسرائيل) هم من يقودونه ببطء ولكن إلى الضياع بالتأكيد، هم من يلونون أنفسهم بألوان محبة الشعب والبلاد، أي الوطنيون الكبار. وبكلمات أخرى، هؤلاء الذين اهتمامهم ينصب في مصالحهم الشخصية والسرقة والرشوة وشهوة الجنس والأرباح السهلة في البورصة، ووساطة العقارات والمتع الصغيرة، هم هؤلاء الذين يبيعون البلاد ومواطنيها مقابل ربح مناسب. من الوطني الحقيقي هنا؟ هذا الذي يخاطر بكل ما لديه من أجل العدالة والسلام، أم من يتبع الجشع الذي يقسم وقته بين المكتب الحكومي وبين غرف التحقيق.؟

ولكنهم ليس لديهم كوابح وإلى جانبهم تقف كل آلية الديمقراطية اليهودية بقوة مع إعلامها والأكاديمية والشارع المحرَّض بعمى. ومقابل كل ذلك، الأصوات القليلة المتعقلة التي تسمع في هذه الأيام هي أصوات يأس بالأساس، لهذا أدعو من هنا: عزمي لا تعد . أجر الحساب الطويل وليس ذلك القصير- واجب الولاء لجمهورك. حسب الحساب الطويل إذا عدت الآن ستقع مباشرة في ساحة لعبهم بيدين موثوقتين وعينين مغطيتين، وهم لا يلعبون الشطرنج، لا تمنحهم هذه المتعة. سمعت أن هناك من يقولون "فليأت ويقف أمامهم في المحكمة كقائد" وأنا أقول لك لا تصدق للحظة. الكل كذب. لا يوجد محاكمة ولا محكمة، بل مخيطة ملفات صهيونية أشكنازية. كن قويا...


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018