* فتى النهضة العربية الجديدة../ طلال سلمان

* فتى النهضة العربية الجديدة../ طلال سلمان

لان فلسطين تواجه حالة استعمارية ـ استيطانية ـ عنصرية تكاد تكون غير مسبوقة، فلقد كان على شعبها ان يبتدع صيغاً وأساليب في النضال مختلفة او جديدة ومستجدة على ما كان سائداً ومعروفاَ في المواجهات «التقليدية» بين اي مستعمر والشعب المقهور، المسلوبة منه أرضه وقراره في التحرك طلبا للحرية والاستقلال.

كان على شعب فلسطين ان يناضل لحفظ هويته، ولحفظ أرضه، ولحفظ حقه فيها... ثم لحفظ إنسانيته، ولحفظ قيمه وبينها نزوعه الى الديموقراطية كممارسة سياسية.

وكان على هذا الشعب ان يناضل ضد العنصرية، حريصا على قيمه الإنسانية، وضد المستعمر المتلطي بالشعار الديني من دون ان يجعل معركة التحرير مواجهة بين الاديان، وضد الفصل العنصري الذي ينكر عليه حقوقه الطبيعية كشعب، كبشر، ويفرض عليه ان يستسلم والا كان عنصريا، وان يخضع لقوانين العزل التي تحاصره والا كان معادياً للديموقراطية.

ولقد اختار عزمي بشارة الطريق الأصعب: ان يواجه كل ذلك معاً. ان يقاوم العنصرية بغير ان ينزلق الى الشوفينية، وان يقاوم «الكيان» بحقه الاصيل في أرضه، وان يفيد من الحرص الاسرائيلي على صورة «الدولة الديموقراطية» لفضح الطبيعة الفاشية لهذه الدولة التي تمنع على أهل الأرض الاصليين ليس فقط حقوقهم في أرضهم، بل كذلك ابسط «حقوقهم» كأقلية قومية.

وهكذا استطاع عزمي بشارة ورفاقه من المناضلين المزودين بوعي استثنائي وبثقافة واسعة وبايمان عميق بحقهم في وطنهم ان يواجهوا الادعاءات الاسرائيلية جميعاً، وان يسقطوا واجهاتها «الغربية» البراقة: ظلوا فلسطينيين وهم يخوضون الصراع بالشروط الاسرائيلية، وظلوا ديموقراطيين وهم يواجهون الدكتاتورية المقنعة ازاءهم بواجهة ديموقراطية مفصلة على قياس شعب الله المختار، وظلوا قوميين عربا في مواجهة المحاولة الدائبة لجعلهم مجموعة من الاقليات المتنافرة او خليطا من البدو والعربان الوافدين، ثم زادت فحاولت الفصل بين المسلمين منهم والمسيحيين في حين اعتبرت الدروز قومية قائمة بذاتها ومنحتهم بعض حقوق «المواطنين» لوضعهم في مواجهة أهلهم العرب، ولنزع الهوية الفلسطينية الجامعة عنهم كلهم.

ولقد خاض عزمي بشارة ورفاقه هذه المعارك كافة بكفاءة نادرة. وتعلموا من مواجهتها فصححوا الأساليب التي تبين عدم جدواها او تناقضها مع مبادئهم.

ولانهــم خاضــوا معاركهـم كوطنيين، اصحاب البلاد الاصليين واصحـاب الحــق التاريخــي فيها، فلم يكونوا ينتظرون او يتلقون توجيها من احد، او دعماً من أخوانهم خارج الحدود، او حتى داخل فلسطين التي شطرها الاحتلال فأخذت اسرائيل معظم أرضها تاركة لشعب فلسطين مزقاً من الأرض المقطعة بالمستعمرات الاستيطانية وجدار الفصل العنصري والدبابات.

كانت ظروفهم فريدة في بابها ولذلك اتسم نضالهم بوحدانية غير مسبوقة: هم يخوضون نضال أمة تكاد «لا تعترف بهم»، بل تحاول نسيانهم، وهم يحاولون استخلاص حقوق لشعبهم الذي بات نصف عديده خارج فلسطين، والنصف الآخر مقسماً ومجزأ ومفروضاً عليه ان يواجه بعضه بعضاً عبر الحدود التي تدعمها الاسلاك الشائكة المكهربة والمدفعية والطيران والقناصة وارهاب المستوطنين في المستعمرات المسلحة.
صار الفلسطيني في مواجهة الفلسطيني.

بل صار الفلسطيني ثلاثة، اربعة، خمسة.. كل منهم يعيش ظروفاً غير التي يعيشها اشقاؤه، فيبتدع لنفسه اسلوب نضاله الخاص.. واحيانا يحدث ان تتبدى الأساليب متناقضة او غير متكاملة، وفي مجمل الحالات لا تلقى التفهم العربي المطلوب ناهيك بالدعم.

وكان واضحاً ان القوى الدولية الداعمة لاسرائيل، وهي هائلة النفوذ، قد ساهمت مع العديد من الدول العربية في اللعب على تناقضات الاحوال التي يعيشها الفلسطينيون، فتبدى احيانا وكأن الفلسطيني داخل الكيان الاسرائيلي «يخون» الفلسطيني في «أرض السلطة»، او كأن فلسطينيي الشتات قد اهملوا او نسوا فلسطينيي .1948
صار الشعب الواحد «شعوبا».

وكان على المناضلين الأكثر وعيا ان يخوضوا معركة التوكيد على وحدة الشعب الفلسطيني، وعلى وحدة انتمائه لأرضه، وعلى وحدته في هويته العربية، وعلى الطبيعة القومية لمعركته، من دون ان يتورط في صدام مع الديموقراطية بذريعة ان النظام العنصري القائم يتلطى خلفها.

عزمي بشارة ورفاقه خاضوا هذه المعارك مجتمعة، ولذلك تحولوا الى «ظاهرة» تفضح هشاشة النظام العنصري في الكيان الاستعماري الاسرائيلي.

وما كان بوسعهم ان يحققوا ذلك كله لولا تمسكهم بايمانهم بحقهم في أرضهم، ولولا اثباتهم جدارتهم بهذا الحق عبر توكيد ايمانهم بالديموقراطية، ولولا ايمانهم المكين بعروبتهم التي عنوانها فلسطين.

هذا الملحق تحية من «السفير» موجهة الى عزمي بشارة بوصفه عنواناً لنضال شعب فلسطين الداخل (المنسي)، ورمزاً للتضحيات الجليلة التي قدمها الفلسطينيون على مذبح قضيتهم العادلة، انه، ورفاقه، بشارة النهضة العربية الجديدة، بوعيهم وبجديتهم، وبروحهم العلمية، بثقافتهم وبمعرفتهم العميقة بعدوهم، وبانغراسهم في تربة فلسطينيهم التي لم ينكروها ولن تنكرهم.

انها مجرد تحية تقدير لمناضلين لم يتوهوا عن طريقهم، ولم يأخذهم التعصب الى الرد على العنصرية بالعنصرية، ولم يأخذهم اليأس من أهلهم الى انكار هويتهم والتنصل من عروبتهم.

...ولن يكون عزمي بشارة الفارس الأخير، كما ان معركته هذه لن تكون آخر الحروب ضد العنصرية الاسرائيلية.

"السفير/ ملحق خاص"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018