كلمة شهم جريس الياس في مهرجان كفر ياسيف

كلمة شهم جريس الياس في مهرجان كفر ياسيف

ولّى زمن الهزائم وحان زمن الانتصارات...

أيها الجمهور العربي الوطني الكريم …

في صيف من صيوف هذه المنطقة قبل أربعين عاماً شُنّت الحرب ، أقلعت الطائرات ، دمرّت المدافع و حسمت الأمور بسرعة . !! نكسةً سمّيت !! الدولة الديمقراطية الوحيدة في هذا الشرق – اسرائيل – واحة الديمقراطية تَهزم العرب وتحتل المساحات الشاسعة وتضع أياديها على صدورنا وتجعر :
" هكذا هم العرب دائماً ، لا يتقنون سوى الثرثرة والعربدة ، فهم جنسٌ ضعيفٌ وعاجز ". وهذا أيضاً ما كرره العرب ، فأكّدوا على نكستهم .
انتهت الأحلام وعلا البكاء وطأطأت الرؤوسُ هزيمةً وخجلاً !!
عندها استيقظ من سباتهم أعداءُ القومية العربية لينعوا لنا موت الأخيرة ونزول الستار عن حلم العروبة ، وشرعوا بتخييط مشاريعهم البديلة .
آمنت اسرائيل أن حروبَها جميعَها يجب أن تحدث على غرار النكسة : سريعة ، مباغتة وحاسمة، تقع على أراض العدو بعيداً عن الجبهة الداخلية .
وها هو صيفٌ آخرُ يطل علينا وعلى منطقتنا ، أيار 2000 يسطع في وجوههم ووجوهنا : عربٌ قاوموا ، عربٌ قاتلوا ، عربٌ حرروا ودحروا جنود الاحتلال وأنجزوا أول انتصار عربي ضد سياسات اسرائيل العدوانية . لأول مرة في التاريخ اسرائيل تهزم وجنودُها يفرّون من جنوب لبنان وتقدّس المقاومة !!
ما هذا ؟ لا يمكن أن يكون هؤلاء عرباً ، لا يمكن ! فالعرب عاجزون وضعفاء واسرائيل لا تُهزم ولا نقاشَ على مشاريعِها وسياساتِها ! كُسرت القاعدة ! نعم كُسرت القاعدة لأنها لم تكن إلا قاعدة وهمية أرادو منها التسربَ إلى نفوسنا والحطّ من عزائمنا !!
وحتى أنها دحضت استراتيجية اسرائيل العسكرية ، فالمعركة لم تكن حاسمة ومباغتة ولا بيعدة عن الجبهة الداخلية ! عندها رفرفت عالياً رايات النصر وقالوا : " لقد ولّى زمن الهزائم وحان زمن الانتصارات ، فلن تكون بعد هزيمةٌ أخرى " .
وأتى صيف 2006 واندلعت حرب ضارية ، حربٌ لم تنفكّ تؤكد لنا المقولة السابقة ، ففشلت اسرائيل بعدوانها وانتصرت المقاومة وشعبُ لبنان صموداً .

آذار 2007 ، حددت مؤسسة اسرائيل برئيس شاباكها وحكومتها عدوها الاستراتيجي الحقيقي ، ألا وهو الأقلية العربية الفلسطينية داخل اسرائيل ، هذا ما أعلنه رئيس الشاباك !! يعتبروننا أعداءً لسياساتهم وتآمراتهم العنصرية . نعم نحن أعداؤهم ، أعداء سياسات هذه الدولة العنصرية تجاهنا .
فهي تعرّف نفسها كدولة اليهود وتمارس سياساتِها العنصرية بشكل منهجي ضدَّ وجودِنا وتهدف إلى طمسنا وتخلّفنا وأن نضعَ رؤوسَنا في التراب ( أي أن نمشي الحيط الحيط ونقول يا رب السترة ) .
فهذه المؤسسة تعتبر تحركاتِنا السياسية وطموحاتِنا القومية ومشاريعَنا خطراً على وجودها . فرأى رئيس الشاباك أن الوثائق الأخيرة التي عُرضت على المجتمع الاسرائيلي من قبل هيئات المجتمع المدني العربي والتي تحوي اقتراحات ورؤى لماهية الدولة وجوهرها ، لقد اعتبرها "مؤامرات تبديها النخب يمكنها أن تحدد وجهتَها وتجتذب وراءها الجموع " . للتوضيح فهذه الوثائق تطمح إلى تعريف الدولة كدولة جميع مواطنيها والاعتراف بالعرب كأقلية قومية لها حقوقُها وتبنّي مبدأ المساواة مبدأً جوهريا لا ريبَ فيه .
لذلك أعلن الشاباك للحكومة أنه سيقوم بإحباط أي نشاط تغييري يَبدُر عن عناصر غايتُهم المس بطابع الدولة اليهودي الديمقراطي حتى لو كانت هذه النشاطات ديمقراطية الوسائل .
عملياً أعلنت المؤسسة حربها الآتية علينا ، على النشاطات "التآمرية" ضد طابعها اليهودي الديمقراطي. لأنه من هذه التصريحات تفوح رائحة المعركة فقد حُدّد العدو والاسباب والآن لم يبق سوى شنِّها !
نعم شنّت الحرب في وضح النهار غامضةً ، متوهةً و مرعبةً !
حملة إعلامية هوجاء اشترك فيها الجميع اليسار واليمين ، واعين وغير واعين ، ضد القائد عزمي بشارة ملفقّين ، متهمين ومخونين ! أهدافُها اثنان :
1) رسالة الى الأقلية العربية في الداخل مفادُها الترويع والتخويف والابتعاد عن هذه الظاهرة – ظاهرة عزمي بشارة ، ظاهرة العزة والكرامة – ظاهرة الوثائق والطموحات . فتقول الرسالة لنا: أنتم العرب ولدتم لأن تصمتوا وحَراج عليكم الافتخار والنضال والتطاول على اسيادِكم وإلا وجهَتُكم ستكون التهم الملفقة والسجون !
2) رسالة الى العالم الغربي الحر الذي نجح عزمي بشارة فيه وبكل جدارة بتعرية اسرائيل من ديمقراطيتها فصادر خطابها الديمقراطي ووجّهه ضدها . رسالة مفادها عدم تصديق واحتضان امثال بشارة فهؤلاء لا يطمحون للديمقراطية وإنما ينوون دماراً لاسرائيل وكل ما يقولونه فقط غطاء ً لنواياهم الإرهابية .

الهدف الحقيقي هو إزالة ظاهرة عزمي بشارة وإبعادُه عن الانظار !
لماذا عزمي بشارة بالذات ؟!! لنسأل أنفُسَنا لماذا عزمي بشارة بالذات ؟! لأنه رأس الحربة في هذا السياق ! و لأنه أصل البلى !!
اسمحو لي هنا أن افتخر بأن قائدَ حزبي ورأس خطي السياسي والفكري يُختار من قبل المؤسسة الشاباكية عدواً ورأساً لحربتنا ! هذا الأمر إن دلّ على شيءٍ ما ،فهو يدلّ على ما يمثله عزمي بشارة من خطر فعلاً على "أمن" هذه الدولة ! هذه الدولة التي لم تدرك بعد كيف تعيش من دون إهانة واستبداد وعنجهية ! يشكّل خطراً على أمن الدولة ؟! فهو لا يحمل رشاشاً ولا يملك أسراراًَ أمنية أو معلومات استخباراتية !
فكره هو الخطر ، وانتصاب قامته هو الناقوس ، واجندتُهُ تفتيحُ أعينِ أبناءِ شعبِهِ على حالهم بأنهم أبناءُ هذا الوطن الأصليون الذين قبلوا بالقادم الجديد الغريب ، وتفتيحُ أعينِهِم على أنهم أصحابُ حقٍّ يجب أن يطالبوا به في السكن ، العمل ، الثقافة والخدمات . وأنهم أنداد لا يقلّون بملمتر واحد عن اليهودي .
الهدف هو كبح أفكار المفكر الكبير من التعشيش في أذهان الناس بعد أن تمكنت من عبور عتبات القلوب والبيوت . أفكارٌ تعلّم على الالتصاق بالهوية العربية وتذوت فينا قيم الديمقراطية مسلّحين بها لإحقاق حقوقنا المدنية والقومية . أفكارٌ وأعمال تذكّرنا يومياً بأن سوريا ولبنان ، دمشق وبيروت ليسوا أعداءً لنا ، إنما هم أبناءُ جلدتنا وشركائنا في هويتنا العربية وثقافتنا . وأيضاً أن نؤمن وأن لا نهاب قولَ الحقيقة : فالشعب القابع تحت الاحتلال مقاومتُهُ مشروعة ومقدسة وهذا ما ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة حتى وإن لم تَرُق للمؤسسة الصهيونية هذه الحقيقة التي تتهمهم بالإرهاب .
يجب أن نُذكِّر أن عزمي ليس فرداً عادياً يمكن للشاباك الإستفرادُ به .. إنه لسانُ حال الأبيين من الأقلية الفلسطينية الباقية في الوطن وهم الأكثرية الساحقة وأما البقية فتتراوح ما بين حاسد ، حاقد أكلته الغيرة من سطوع نجم بشارة وعجزه عن مجاراته أو مبارزته أو حتى التشبه به وبين براغماتي وعميل أو جبان يهاب المواجهة.
يأتيك نوعٌ من الناس ويقولون "بهدلنا عزمي" نعم بهدلتكم حقيقة عزمي . لأنكم لطالما شوّهتم صورته وقللتم من شأنه وما تعبتم تجرّحونه ، ولكنّ الأيامَ أتت وأبرزت لنا من هو رأسُ الحربة لهذه المشاريع والنشاطات ومن تختار المؤسسة للنيل من طموحات وتطلعات العرب !
لذلك فالمؤسسة إذ تختار مهاجمة بشارة ، فإنها تختار مواجهة سوادِ شعبنا المستنفرة أطرافُهُ وقلبُهُ للذود عن ابنه البار الذين يخيطون له الملفات والتلفيقات لغرض إزاحته عن طريقهم إلى اسرلة العرب وخاصةً الشباب ، لتذويبهم في هوية اسرائيلية الفحوى والمظهر ، وسيادية الجوهر على غرار الراكب والمركوب .

وهنا أسألكم ! هل سنهزم في هذه المعركة ؟ هل سنعي كيف ننتصر ؟ مرة أخرى إذكركم ما قيل : " لقد ولى زمن الهزائم وحل زمن الانتصارات فلن تكون بعد هزيمةٌ أخرى " .
فأنا أقتبس هنا هذه المقولة في سياق معركتنا ، الأمر بالطبع لا يعني أن الشاباك يحاربُنا بجنوده وعلينا الرد بالسلاح ، هذا أمر سخيفٌ للغاية . إنما المعنى هو مجازي في حالتنا ، أي علينا أن لا نخضع و أن لا ننظر إلى كل ما تريده وتخطط له المؤسسة كأمر مُنزل ومُقدّر له أن يحدث . بل علينا مقاومتُهُ وردُّه عنّا في إطار مواطنتنا ومبادئنا الديمقراطية .
نعم سننتصر ولكن كيف ؟ إذا صمدنا أمام هذه الهجمة وأفشلنا أهدافها !! فنحن كالمقاومة لا نشنّ حروباً ولا نعتدي ولكن نرد الهجمة عنا وعن أبنائنا ونفشل أهدافَ المعتدي بتخويفنا وابعادنا عن طموحاتنا وخطنا الوطني القومي السيادي !

ننتصر فعلاً إذا فهِمنا أصولَ المعركة ، اسبابها ، أساليبها و أهدافها . فبعد أن وَضُحت الصورة أمامَنا فالنصر واضحٌ أيضاَ .
وهو يكون بإدراكنا لنوايا المؤسسة وعدم التصديق ، الخوف والرعب . بالتصاقنا أكثر وأكثر بالطموحات والحقوق والهوية و برأس حربتنا حتى لو لم نكن تجمعيين ! لأن الهجومَ على عزمي هو هجومٌ على ما يمثله من أفكار ، فهو هجوم واضح و صارخ على شعبنا وقيادته الوطنية . لذلك وقوفُنا معاً موحدين متّحدين أمام هذه الهجمة هي الخطوة الوطنية وضمانة النصر . فلا مجال لكثير من التحليلات والتفلسفات، وبالطبع عيبٌ على الانتهازية الضيقة والشمتان .
رجاء أخير .. بلا نفاق و ألاعيب ، فالمعركة واضحة وأمامكم طرفان : الشاباك المعتدي وديمقراطيته الزائفة ومحاكمه الأمنية ، مقابل الأقلية العربية المعتدى عليها عبر بشارة . إما أنتم هنا أو هناك ,أو إذا اردتم مع قوى عدم الإنحياز . شلوميت ألوني وأمنون ليفي وعشرات المثقفين اليهود حددوا موقفَهم من أساليب الشاباك ومصداقية بشارة وما يمثله ، ومن جهة أخرى القوى الصهيونية العنصرية من اليسار واليمين حددت مسبقاً حكمَها !
ولكن من العيب أن نكون قيادةً في طرف وكوادر في طرف آخر ، هذا يسمىّ نفاق !!
إن كنتم مقتنعين فعلاً بتحليلاتِكُم الرهيبة وموقفِكم فجاهروا به وأظهروه لجماهيرنا !

ورسالة أخرى لأولئك الأشخاص الذين ما زالوا يدعون أن عزمي بشارة عمل على ترسيخ الشرخ بين العرب واليهود وأن حديثَه متطرف ينفّر منّا جميعَ اليهود ، أعطيكم ابراهام بورغ مثالاً ، صهيوني سابق ، ابن لشخصية مفدال عريقة ورئيس الكنيست سابقاً قام مؤخراً وأعلن براءته من الصهيونية وأن مصيبةً ستحلّ عند تعريف الدولة كدولة يهودية وطالب بالغاء قانون العودة اليهودي وحتى أنه شبّه اسرائيل الآن بالمانيا النازية ! فثارَ عليه أبناءُ شعبه كالمجانين واتهموه بالخيانة . لقومه أقول " من فمكم أدينُكم " . ورسالة لأبناء شعبي الذين يتهمون عزمي بالعمل على إبعاد اليهود عن العرب ، أسألهم : هل ستتهمون بورغ بالقومجية العربية وحب بروز النفس والمصلحة النفسية وخدمة أعداء شعبنا ؟!! طبعاً فبورغ الذي أكنّ له فائق الاحترام على هذه الخطوة الجريئة ، هو انسان يهودي أدرك خطورة البرامج الصهيونية المتتالية على المجتمع الاسرائيلي كمجتمع انساني ديمقراطي يعيش به يهود وعرب بسلام واحترام !
في النهاية أومن بأن غالبية شعبِنا وطنيون على مختلف انتماءاتهم الحزبية ، لذلك عليهم التكاتف والتعاون لصد هذه الهجمة وغيرِها !!
وبالطبع سننتصر !!
لأنه ولى زمن الهزائم وأتى زمن الانتصارات ولن تكون بعد هزيمةٌ أخرى !!
وشكراً .

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018