مجتمع مدني: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي

مجتمع مدني: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي

يعالج كتاب في المسألة العربية (مقدمة لبيان ديمقراطي عربي) للدكتور عزمي بشارة العصيان العربي والعوامل التي تعيق التحول الديمقراطي في العالم العربي. ويتناول الكاتب هذا الموضوع تحت مسمى “المسألة العربية” الشامل للدلالة على عدم حل المسألة القومية العربية بتشعباتها المختلفة.

ويستعرض الكاتب معيقات التحول الديمقراطي بالجمع بين القومية والديمقراطية، ويحاول الكاتب أن يقدم حلا ديمقراطيا للمسألة القومية ومقاربتها لمسألة الديمقراطية. ويخلص إلى أن الموضوع لا يمكن أن يحل عربيا من دون مشروع سياسي وطني وأجندة ديمقراطية وطنية ومن دون ديمقراطيين ينتظمون معا لطرح مشروعهم الديمقراطي وتصورهم لمستقبل البلدان العربية مجتمعة وكل على حدة.

ويرى الكاتب أن القوى غير الديمقراطية الإصلاحية تطرح الإصلاح وحتى الديمقراطية كأنها في تناقض مع الهوية القومية بدل الانسجام معها في الأقل في المراحل الأولى من عملية بناء الأمة، ما يؤجج الأيديولوجية القومية المتطرفة أو يعمق التعويض الجاري عنها بأشكال أيديولوجية دينية، ويفتح الباب واسعا ليس فقط لسياسات الهوية بل للتنافر بينها وبين الأجندة الديمقراطية.

واعتبر المؤلف أن تصدير وتعميم بنية وثقافة الاقتصاد الريعي في الكثير من الدول العربية - عائق جدي أمام التحول الديمقراطي وهي بنية ذات علاقة بالمسألة العربية لأنها وليدة التقسيم وعدم التكامل الاقتصادي، وبفضل الاقتصاد الريعي تم التكريس والمحافظة على الحكم العربي كحكم “بيوتات” لا تفصل بين الحيز الخاص والحيز العام ولا بين المال الخاص والعام، بقاعدة اقتصادية جديدة وفرها لها الاقتصاد الريعي.

وأوضح المؤلف جملة من الاستنتاجات غير المباشرة في هذا الكتاب، وهو انه لا بديل من تدخل الفعل السياسي كمشروع. ولقد بحث الكتاب عوائق التحول الديمقراطي فتوصل إلى أمرين مهمين: ضرورة التعامل مع المسألة العربية وان الديمقراطية لن تتطور من تلقاء ذاتها في عملية انهيار وتحول وبالتالي ضرورة طرح برنامج ديمقراطي كمشروع وطني وقومي.. وأضاف أن طرح الصراع بين الدولة وقوى تقليدية اقل ديمقراطية منها كما يبدو للقوى الحداثية -يمكن الدولة من المناورة بينهما ومن احتواء القوى الحداثية في صراعها مع القوى التقليدية.

وأشار إلى أن التوازن الناجم عن استعصاء الحسم بين قوى ديمقراطية وانتماءات عضوية مسيسة مثل العشيرة السياسية والطائفة السياسية وحالة اللامخرج أو المأزق الذي يصل إليه النظام كدافع للقبول بالتعددية بين قوى غير ديمقراطية تقليدية وطائفية وإثنية ولم تنتج في البلدان العربية في الماضي، ولا تنتج في الحاضر تعددية ديمقراطية أو نظاما ديمقراطيا.

وينطلق المؤلف في هذا الكتاب من محاولة لفهم معوقات التحول الديمقراطي وهل هناك استثنائية عربية؟ وما هي؟ فبذلك يعالج الفصل الأول الموضوع المثار في الفكر والسياسة ومخاطر طرح المسألة كقضية تدخل أجنبي استعماري وبخاصة بتفنيد نظريات المحافظين الجدد وشركائهم النيوليبراليين العرب.

وحاول أن يميز في هذا الفصل بين شروط نشوء الديمقراطية تاريخيا ومكوناتها الجاهزة والمتطورة إبان عملية إعادة إنتاج ذاتها.. واعتبر المؤلف أن هذا التمييز مفيدا لحسم الحاجة إلى ديمقراطيين في عملية التحول الديمقراطي ويعالج هذا الفصل مسألة الروح السائدة في مرحلة التحول الديمقراطي وتطلعها الثوري إلى العدالة والحرية والإنصاف، ويبين حالة الانحلال وقيمه التي تبث لتفعيل التدخل الخارجي في فرض الديمقراطية نظاما، أما الفصل الثاني فيعالج التوجه لنظريات الانتقال إلى الديمقراطية كنظريات نشأت بأثر رجعي ولا تصلح دليلا للعمل ولا بديلا للعمل، وهي غالبا ما تفسر عوائق الانتقال إلى الديمقراطية أو أسباب الردة عنها أكثر مما تفسر سبب أو كيفية الانتقال إلى الديمقراطية.

ويتطرق الفصل الثالث إلى موضوع مطروق هو علاقة الاقتصاد الريعي بالتطور الديمقراطي، ولكن يتم تناوله من زوايا مختلفة وبخاصة في ظل المسألة العربية.

ويحاول أن يكشف كيف أن هذه المسألة تجعله يتجاوز دوره داخل دول صغيرة إلى تأثير ثقافي سياسي أوسع، كما يتطرق إلى بروز اقتصاد ريعي ذي طابع امني سياسي متعلق بالمسألة العربية.

أما الفصل الرابع فيعالج مسألة الثقافة السياسية والتهمة الموجهة إليها بإعاقة التطور الديمقراطي .إذ يعود إلى أصول هذه النظرية الحديثة ثم يفصل بين المشروع وغير المشروع في استخدام هذا المفهوم كأداة تفسير.

واعتبر أن هذه النظرية في حالة هانتنغون من عناصر تأسيس سياسات الهوية في طرح العلاقات والصراعات بين الدول والشعوب، وبخاصة أن الثقافة تختزل لديه في النهاية إلى دين، أو انتماء إلى دين بعينه ويرفض الحث افتراض ثقافة جوهرية ثابتة تعيق الديمقراطية أو تشكل نوعا من “بنية تحتية” كما في حالة فوكوياما، ولكنه أكد أهمية التعبئة القيمية والثقافية وافرد دورا للثقافة كعملية منح معنى أو إضفاء معنى على الأشياء والأفعال في سياقات اجتماعية وبواسطة قوى اجتماعية محددة ولا يمكن في مثل هذه الحالة الاستغناء عن الثقافة كأداة في تفسير السلوك السياسي للناس العينيين وفي إعاقة أو تعزيز التحول الديمقراطي وهذا ما فهمه القوميون والديمقراطيون العرب الأوائل إذ علقوا أهمية كبرى على التربية والثقافة.

ويطرح في الفصلين الخامس والسادس قضيتين جرت العادة على اعتبارهما مسألتين ثقافيتين سياسيتين لأنهما يشملان بعد الثقافة السياسية وبعد البنية الاجتماعية وتشابكمها مع المسألة العربية.

ويسير في الفصل الخامس إلى معضلة تقربنا من العوالق العينية العربية وبخاصة وحدة الاجتماع والاقتصاد والسياسة في إطار القبيلة فلا حديث عن دولة حديثة من دون قدرة على تخيل الفصل بين الحيز الخاص والعام عند الحكام والمحكومين.

وينتقل الكاتب في الفصل السادس إلى تفرغ آخر للمسألة العربية في تعقيد آخر لعملية تشكل الأمة، وهو العلاقة الإشكالية بين الفكرة القومية والإسلام كدين وكحضارة وتوضح الفكرة من خلال التمييز لافتعال التناقض بينهما مع اعتبارهما ثقافيا وتاريخيا وحدة عناصر متمايزة لا تنفصل.

وفند في الفصل عملية ترويج فكرة خاطئة أن القومية العربية نخبوية في مقابل شعبية الإسلام. وبين تهافت اعتبار الأمة هي الطائفة الدينية بواسطة تحويل الدين من عقيدة أو مذهب إلى انتماء طائفي.

ويستعرض معيقات التحول الديمقراطي ويهدف إلى المساهمة في الجمع بين الفكرة القومية والديمقراطية ويحاول أن يقدم حلا ديمقراطيا للمسألة القومية ومقاربة القومية لمسألة الديمقراطية ويؤكد ضرورة تدخل سياسي وطني بدل التدخل الخارجي.

ويرى المؤلف انه لا يمكن تأسيس أو إنشاء نظام ديمقراطي في مرحلتنا التاريخية المعاصرة من دون ديمقراطيين.

وأوضح أن مفهوم الديمقراطية تغير مع تغير مفهوم الشعب وولدت الفردية والانتداب والتمثيل والنيابة الحاجة إلى تقييد الأغلبية وحقوق الأقلية وتحصين الدفاع عن الحريات، ليس فقط لان الفردية جلبت معها قيمة الحرية بل أيضا لأن الفردية والاغتراب عن الجماعة حملت معها خطر بحث الفرد المغترب عن معنى وعن ملجأ له من غربته في الايديولوجيات الشمولية الفرد الذي لم يعد جزءاً من جماعة عضوية بل اغترب عنها وأصبح فردا داخل جمهور هو ليس فردا حرا فحسب بل هو أيضا فرد سهل التحريض والانقياد وراء التعبئة الأيديولوجية، لأنه تحرر ليس فقط مما يقيده بل أيضا مما يحميه، لقد جلبت الحرية الفردية الحديثة نقيضها معها ووصلت الديمقراطية الى المنطقة العربية كتوق لإنصاف الفئات الشعبية وكتوق الى الحرية بحصص متفاوتة فقد تفاوتت العناصر الليبرالية والديمقراطية في عقل وذهن وتنشئة من يطلق على نفسه تسمية ديمقراطي في السياسة وفي موقعه الاجتماعي والطبقي ولم يقم مشروع سياسي جدي في المنطقة العربية.

وأشار إلى أن الليبرالية ارتبطت عربيا بمطلب الحريات المدنية من إقامة الجمعيات والأحزاب والصحف وحرية التعبير مع مطلب الاستقلال في تقاليد أسسها أبناء العائلات المتعلمين والمستقلين اقتصاديا في مصر وسوريا والعراق وفلسطين وتونس وغيرها. وقد ازدهرت وشكلت حالة مدينية متنورة ووطنية تجمع بين الشعور الوطني والعربي وبين القيم المتنورة والدستورية عند سعد زغلول في مصر والكتلة الوطنية وحزب الاستقلال وغيرهم.

ويرى أن الديمقراطية ليست أسطورة خلاصية ولاهي وصفة علاجية، وصحيح أنها مجموعة آليات عينية، ولكنها ليست آليات تسير بقوة التسيير الذاتي، بل يتطلب فعلها توفر ثقافة وثقة وإيمان بضرورة الحفاظ عليها حتى عندما تتعثر وهنا تكمن أهم مميزات المسألة العربية وعلاقتها بالاستثنائية العربية بشان الديمقراطية ومن ناحية أخرى يجب التصدي للموقف الذي يدعي أن أصل المشكلة يعود إلى التحديث ذاته ويدعي هذا الموقف أولا، أن الدولة الحديثة كانت أكثر ميلا لتفكيك المجتمع العضوي وروابطه بهدف التحديث. فجعلت بذلك المجتمع اقل حماية من الاستبداد مما كان عليه في ظل الأنظمة التقليدية أو الملكية وغيرها.

والحقيقة أن هذا هو الداعي لتطوير مشروع ديمقراطي من خلال التحديث، وليس سببا للتنازل عن التحديث، وثانيا، أن ذلك قد تجلى برأيهم في أن النخب العلمانية كانت مغتربة ومقتلعة الجذور، أي أن ليس لها جذور شعبية وتمارس بالتالي هذا القدر من القمع لغياب شرعيتها.. ولذلك يدعي البعض أن مشكلة الاستبداد الحداثي تكمن في العلمانية وهذا غير صحيح.