"صفقة ترامب - نتنياهو": صوغ إستراتيجية تحرّر لتحقيق العدالة (3)

"صفقة ترامب - نتنياهو": صوغ إستراتيجية تحرّر لتحقيق العدالة (3)
بشارة خلال الندوة

لا يكتفي المفكر عزمي بشارة في كتابه "صفقة ترامب- نتنياهو" (الطريق إلى النصّ ومنه إلى الإجابة عن سؤال ما العمل؟) الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بتقديم قراءة في الجديد الجوهري، الذي تحمله خطة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لحل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي المعروفة باسم "صفقة القرن"، وبتشريح المناخ السياسي العام، فلسطينيًا وإقليميًا ودوليًا، الذي تسبب بـ"وصولنا إلى هنا" (إلى هذه الخطة الخطرة) بعد أن حدث كل ما حدث، وهو ما توقفنا عنده في الجزأين الأول والثاني من هذه القراءة، بل يقدّم إجابة عن سؤال ما العمل؟ هي ما سنتوقف عنده في هذا الجزء والثالث والأخير من قراءتنا لهذا الكتاب المهّم.

وبغية بلورة إجابته المخصوصة عن هذا السؤال، يعود بشارة إلى التذكير بما توصل إليه من خلاصات لدى تشريح الوضع العربي والحالة الفلسطينية. وبطبيعة الحال فهو يركز جلّ تفكيره في الحالة الأخيرة، نظرًا إلى حقيقة أن العمل السياسي الفلسطيني يعتمد عليه القدر الأكبر من التعويل في سياق الغوص على ما هو مطلوب عمله حيال ما استجد وما قد يستجد.

وربما ينبغي هنا أن نعود إلى تكرار بعض تلك الخلاصات، علّ في الإعادة إفادة.

صراع سلطتين على "سلطة دون دولة"!

أولى هذه الخلاصات تتمثل بتوجيه النقد إلى منظمة التحرير الفلسطينية لقبولها استبدال حركة تحرّر وطني بسلطة (السلطة الفلسطينية) دون دولة، والناجم عن الوقوع في ما يسميه المؤلف بحقّ "فخّ أوسلو" (1993)، والذي حولته القيادة الفلسطينية بعد الانتفاضة الثانية (2000- 2004) إلى إستراتيجيّة. وبرأيه، فإن الأمر الأخطر الذي وقع في مدة العقد ونصف العقد الأخيرة هو احتدام الصراع على هذه "السلطة دون دولة" والتي تحولت إلى سلطتين لكل من حركتي "فتح" و"حماس" في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأصبح الصراع بينهما هو المستهلك الرئيس للطاقة السياسية الفلسطينية ليس محليًّا فحسب، بل أيضًا على الساحتين العربية والدولية. ولما استيقظت حركة "فتح" على وثيقة ترامب وجدت نفسها منشغلة بمن سيخلف رئيس السلطة محمود عباس، فضلًا عن الصراع المستمر مع حركة "حماس".

ولا تقتصر التداعيات الخطرة لـ"فخّ أوسلو" على ما تقدّم ذكره، بل تتعدى ذلك إلى ما هو أبعد من الساحة الفلسطينية نفسها؛ فعلى المستوى الدوليّ تحولت اتفاقيات أوسلو، كما يؤكد المؤلف، إلى مبرّر للكثير من الدول في العالم الثالث لتطوير علاقاتها مع إسرائيل، ومبرّر لدول عربية لتطبيع علاقاتها مع دولة الاحتلال بحجة أنها لا تريد أن تكون "فلسطينية أكثر من الفلسطينيين".

ومن الخلاصات الأخرى الملفتة، نشير أيضًا إلى تخطئة عدد من الرهانات التي ما تزال ديدن القوى الفلسطينية السياسية الفاعلة وتتسبّب بقصور العمل السياسي الفلسطيني، وفي مقدمها الرهان على الإدارة الأميركية (الذي سقط مؤخرًا) إلى درجة قيام السلطة الفلسطينية بوضع أوراقها كلها في البيت الأبيض، وعدم الاكتراث بحركات التضامن الدولية وبأفريقيا وأميركا اللاتينية وبالرأي العام في دول مثل الهند.

ويوجّه المؤلف سهام نقده إلى رهان العمل السياسي الفلسطيني على "اليسار الإسرائيلي" من انتخابات إلى أخرى، واصفًا إياه بأنه وهم قاتل، إذ لا يوجد احتمال بأن يحلّ اليسار الإسرائيلي محل اليمين في سدّة الحكم، وإلى رهانه من جهة أخرى على الصوت العربيّ في انتخابات الكنيست مؤكدًا أنه مهم "لو كان الهدف منه تنظيم عرب الداخل للنضال من أجل قضاياهم، بوصفهم مواطنين وباعتبارهم جماعة قومية في الوقت ذاته، والحفاظ على هويتهم العربية الفلسطينية في الآن نفسه"؛ وأنه رهان يقوم على سوء تقدير لمعنى صهيونية إسرائيل، وعلاقتها بمحيطها، عدا عن أنه يشجع العرب على الأسرلة في دولة تعرّف نفسها دستوريًّا بأنها يهودية.

ويعود على رؤيته التي تشدّد على أن الاندماج الوحيد الممكن في السياسة الإسرائيلية من دون التنازل عن الهوية العربية الفلسطينية، في حالة الفلسطينيين في الداخل، هو ذاك الذي يقوم على برنامج دولة المواطنين المناقض للصهيونية والمتمسك بالحقوق الفردية المدنية والجماعية القومية للمواطنين العرب، بوصفهم مواطنين في إسرائيل ومنتمين إلى الشعب الفلسطيني في الوقت ذاته. وهو البرنامج الذي صاغه بشارة نفسه.

بموازاة هذا، ينتقد المؤلف التيار الإسلامي المقاوم الذي لا يعوّل إلا على بعض الدول المسلمة دون غيرها، بالاعتماد على التضامن على أساس الدين، ما يسهم في تحويل الصراع بوصفه صراعًا دينيًا، كما يرغب الكثير من الإسرائيليين في تصويره، ويحوّل قضية فلسطين من قضية تحرّر وطني يمكن أن يتضامن معها المسلمون وغير المسلمين إلى قضية دينية، وبذلك يخسر باقي الرأي العام ليس في الغرب فحسب، بل أيضًا في دول مثل الصين وروسيا.

ما المطلوب؟

يؤكد بشارة أن المطلوب كي يكون في الإمكان مقاومة مشروع ترامب- نتنياهو الذي أيده أيضًا خصم هذا الأخير، بيني غانتس، هو ما يلي:

أولًا، أن تُسمّى قضية فلسطين باسمها.

هنا يتعيّن أن نشير إلى إسهام بشارة الإبسيمولوجي في هذا الصدد، والذي يتمثل بالأساس في تعريف هذه القضية ذاتيًّا ومن خلال تعريف "الآخر". وهي في قراءته قضية استعمارية غير محلولة، بل هي آخر قضية من هذا النوع في العالم، وأصبحت تتجلّى على شكل نظام فصل عنصري (أبرتهايد)، منوهًا بأن رمزية القضية بالنسبة إلى العرب وشعوب العالم الثالث نابعة من كونها قضية استعمارية.

بناء على هذا التعريف، فقضية فلسطين هي قضية تحرّر من واقع الاحتلال والشتات والتمييز العنصري في آن، والتحرر أيضًا من واقع التشظي الفلسطينيّ. والمطلوب حاليًا أكثر شيء هو صوغ إستراتيجيّة التحرر وأهدافه، وليس اقتراحات حلول (سياسية). والخصم هو نظام الأبرتهايد في فلسطين. ويجب أن يكون خطاب هذا النضال ديمقراطيًا فلا يمكن في هذا العصر، حين تدور من حولك نضالات عربية ضد الاستبداد، أن تخوض نضالًا من أجل العدالة بخطاب غير ديمقراطي، فلن يقتنع أحد بصدقيتك إذا كنت تدافع عن النظام السوري أو النظام المصري. كما أن فلسطين حاليًا هي وحدة واحدة وفضاء واحد خاضع لدرجات مختلفة من سلب الأرض ومصادرة الكيان الوطني، وتلوينات وأساليب سيطرة مختلفة للسلطة الإسرائيلية الحاكمة نفسها. ويخضع الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، والمواطنون الفلسطينيون في إسرائيل، وأولئك الواقعون في منزلة بين المنزلتين في القدس، لهذا النظام. لكن ظروفهم مختلفة، وكذلك مطالبهم العينية. ووسائل نضالهم مختلفة بالضرورة، وكذلك جبهات المواجهة التي يخوضونها. ويمكن تشخيص قضية اللاجئين ضمن نموذج الأبرتهايد نفسه. وبالتالي، لم يعد ثمة مجال لتصور "حل لقضية فلسطين" يشمل فقط جزءًا من الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة منذ 1967، ولن يكون تنفيذه ممكنًا. وقد أسهم فشل مسار المفاوضات الهادفة إلى مثل هذا الحل في إظهار عبثية هذا الطرح وغرابته.

وتتطلب الإستراتيجية الجديدة، وفق ما يؤكد المؤلف، أن ينخرط الفلسطينيون في أماكن وجودهم كافة في المعركة ضد نظام الأبرتهايد العنصري. وهذا يحتاج إلى درجة عالية من التنظيم والتنسيق، من دون التنازل عن خصوصية كل تجمع فلسطيني وطبيعة جبهة المواجهة التي يخوضها. ويحتاج كذلك إلى الاقتناع بأن العودة إلى الإستراتيجيات القديمة أمر غير ممكن، ولذا يبقى الحديث عن العودة إلى التحرير بالكفاح المسلّح مثلًا، مجرّد كلام.

ثانيًا، أن تحمل القيادة الفلسطينية إلى الدول العربية رسالة فحواها أن قضية فلسطين هي قضية العرب الأولى بوصفهم أمة، وبدلًا من التهاون مع تطبيع بعض الدول العربية علاقاتها مع إسرائيل والتشجيع عليه أحيانًا، عليها أن تضع برنامجًا مشتركًا للعمل العربي بشأن القضية الفلسطينية ينطلق من رفض صفقة ترامب- نتنياهو.

ثالثًا، لا بُدّ من إعادة إحياء منظمة التحرير لتولي دور قيادة سياسية للشعب الفلسطيني، أو أن يُعقد مؤتمر وطني جديد تتولّد منه قيادة سياسية. في هذا الموضوع يؤكد بشارة أنه يجب حلّ معضلة تحويل منظمة التحرير إلى أداة في ما بين الفصائل التي وصلت إلى طريق مسدود ومعها النضال الفلسطيني، ولا شك في أنه إذا لم تُحلّ هذه المعضلة فسوف تتولّد بدائل لمنظمة التحرير. وفي السياق ذاته، يؤكد أن الدعوات إلى حلّ السلطة الفلسطينية ليست صائبة أو واقعية، ويمكن أن تبقى هذه السلطة لكن بوصفها نوعًا من إدارة مركزية لحكم ذاتي: سلطات محلية أو بلديات تدير شؤون السكان ولديها مهمات شرطية، وأن تضطلع بمهمات مصيرية في بناء المؤسسات وتطوير الاقتصاد والتعليم وغيرهما.

وفي خضم حديثه عما هو مطلوب، يتطرّق بشارة كذلك إلى عدد من القضايا المطروحة في الأجندة الفلسطينية، ومنها:

  1. "حل الدولة الواحدة": ويؤكد في هذا الخصوص أنه من الأجدر التجوهر حول النضال ضد الأبارتهايد وتحقيق العدالة في فلسطين كلها، منوهًا بأن النضال من أجل العدالة هو نضال من أجل الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني والمساواة لأفراده، من دون إنكار تشكّل شعب آخر في فلسطين، وإن كان مسار تشكله استعماريًا.
  2. تفكيك البنية الصهيونية: ويعرب عن اعتقاده بأن هذا التفكيك غير ممكن من دون انخراط اليهود أنفسهم في هذه العملية. وهذه عملية طويلة الأمد وتحتاج إلى صبر وتنظيم وتغيير الخطاب إلى خطاب ديمقراطي.
  3. موقع القوى اليهودية في هذا النهج من التفكير الجديد: هنا يؤكد أنه لا بدّ من مخاطبة أوساط أوسع فأوسع من الرأي العام الإسرائيلي والتعاون مع قوى يهودية ليس على إحياء المفاوضات وإسقاط حكم اليمين وغيره، بل على العدالة في فلسطين ومستقبل العيش سوية من دون نظام صهيوني حاكم. وهذا مختلف تمامًا عن الحوارات الجارية من أجل السلام. فموضوع الحوارات بموجب هذا النهج المغاير هو ليس السلام، بل العدالة في ظل نظام غير صهيوني.

مكامن القوة

أخيرًا يشير بشارة إلى مكامن القوة.

وبرأيه، فإن مكمن القوة الرئيس هو في وجود الشعب الفلسطيني على أرضه، وعدم تسليمه بواقع الاحتلال، وعجز الولايات المتحدة وإسرائيل عن فرض رؤية ترامب - نتنياهو عليه. كما أن استمرار النضال، واستمرار عملية بناء المؤسسات الجاري في الضفة الغربية وقطاع غزة، هما مساران حيويان في تنظيم الشعب الفلسطيني وتعزيز قدرته على الصمود. يضاف إلى ذلك حصول انقلاب مهم في أوساط واسعة من الرأي العام العالمي لمصلحة قضية فلسطين، ولا سيما في الغرب. وبعضه أصيل ناجم عن صعود أجيال جديدة أكثر أخلاقية وأقل أيديولوجية في تعاملها مع قضايا العالم، ويدخل بعضه في عملية الاستقطاب ضد الشعبوية اليمينية التي لن تبقى في حالة صعود؛ إذ سوف تدخل في طور الأزمة مثل سابقاتها.

كذلك يشير إلى ما يصفه بأنه روح فلسطينية جديدة متمردة منبعثة من أنقاض مسار أوسلو ترفض تجزئة الشعب الفلسطيني وتشظية قضيته، وتتبنى نهج التفكير الداعي إلى صوغ استراتيجية تحرّر من أجل تحقيق العدالة في فلسطين.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"