عزمي بشارة: لا المقاطعة ولا الوجود في الكنيست نضال بل هي حاجة لفلسطينيي الداخل

عزمي بشارة: لا المقاطعة ولا الوجود في الكنيست نضال بل هي حاجة لفلسطينيي الداخل
الدكتور عزمي بشارة (العربي الجديد)

شارك المفكّر العربي، الدكتور عزمي بشارة، أمس الإثنين، في الحلقة الرابعة والأخيرة في سلسلة الحوارات التي أجراها "التلفزيون العربي" ، وقدّم قراءة في تطورات المشهد العربي الحالي في أقل من 50 دقيقة، بمحاور سريعة ومتنقلة تناولت البلدان العربية.

وأفسحت الحلقة الأخيرة المجال لأسئلة المشاهدين، ممن انقسموا إلى فئة تريد معرفة رأي مدير "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" بالأحداث الساخنة، ولا سيّما في شمال أفريقيا، وأخرى ترغب بالعودة إلى قضايا سياسيةــ فكرية إن جاز التعبير، وخصّص لها بشارة جزءا كبيرا من إنتاجه الفكري ونضاله السياسي، مثل المواطنة للجميع، والدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين.

وشملت الحلقة الحوارية مع بشارة مجموعة أسئلة فلسطينية عن مدى راهنية طرح الدولة الواحدة، المدنية الديمقراطية لكل مواطنيها، والتي أولاها بشارة حيزا كبيرا من نضاله السياسي وإنتاجه الفكري، واعترف بشارة بأن الموضوع غير مطروح اليوم إلا نظريا كفكرة، وذلك أمام رفضها بالمطلق من إسرائيل ومن الساحة الفلسطينية المشغولة أطرافها بالسلطة، ولأن الكيانية الوطنية غالبة والاستعجال لزيادة دولة في المنطقة جامح. 

ولفت بشارة إلى أن المقاطعة للكنيست أو الوجود في الكنيست ليست نضالا ولكنه حاجة للفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية، وشدد على أن المشكلة تكمن في التأسرل لا في المشاركة بانتخابات الكنيست، أو بكلام آخر، فالأزمة تقع في "كيف تمثّل قضايا شعبك في الكنيست ولا تنسى قضيتك الفلسطينية في آن معا؟".

واستكمالا للأهميّة التي أولتها الحلقات الثلاث الماضية من سلسلة حوارات بشارة، للوضع في الجزائر، اعتبر بشارة أن لا مؤشرات حتى الآن تفيد بأن الجيش، الذي اتخذ موقفا مسؤولا في التعاطي مع مطالب الجمهور، طامع بالسلطة الجزائرية على نسق السيناريو المصري.

وأوضح بشارة أن الجيش الجزائري يحظى بتقدير شعبي "وسيبقى كذلك إلا إذا أمسك بالسلطة السياسية، وهذا قد يحصل في حالة حصول فراغ"، مضيفًا: "يجب عدم اختبار الجيش في حال حصول فراغ دستوري وسياسي".

وشدّد على ضرورة التوافق بين النخب الرئيسية، من حراك وأحزاب معارضة وأطراف من داخل السلطة، وربما من الجيش، على قواعد التحول الديمقراطي، والتوجه نحو الغفران لا النسيان، ورفض النزعات الاستئصالية مع توثيق الذاكرة.

وكان من الطبيعي أن يكون هجوم قوات قائد ما يسمى "عملية الكرامة" في ليبيا، خليفة حفتر، على الغرب الليبي، والعاصمة طرابلس، ثاني أكثر موضوع يستحوذ على أسئلة المشاهدين، وعلى أجوبة من بشارة. 

وردا على أحد الاستفسارات، حول احتمال وجود علاقة بين الحدث الجزائري ما بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهجوم قوات حفتر، اعتبر بشارة، من باب التحليل، أنه ربما يكون هناك علاقة من ناحية التوقيت بين الحدثين، أي ربما يكون حفتر رغب بالاستفادة من تركيز الجيش في البلد الجار لليبيا على الحدث الداخلي، لأن بلد المليون شهيد لطالما رفض الخيارات العسكرية لقائد ما يسمى "عملية الكرامة". 

ووصف بشارة خليفة حفتر بأنه "أمير حرب مليشياوي وضابط مارق، يحاول تقليد (معمر) القذافي، تركيبته تذكّر خصوصاً بديكتاتوريي أفريقيا القديمة، ورجل خطير يجمع مرتزقة وعناصر من النظام السابق يسميها الجيش الوطني الليبي". 

وحمّل بشارة كلّا من فصائل ومليشيات غرب ليبيا بخلافاتها والفوضى التي خلقتها، ونفاق المجتمع الدولي، مسؤولية تمكّن حفتر من القوة التي يمتلكها اليوم. واعتبر أنه كان يجب أن يتأسس الجيش الوطني الليبي في طرابلس، من رحم حكومة الوفاق والمجلس الرئاسي، المولودين من الاتفاق السياسي (الصخيرات، كانون الأول/ ديسمبر 2016). 

وعن زحف حفتر الهادف إلى وقف المد الشعبي في العالم العربي، على حد تعبير بشارة، فقد أشار إلى أن الضابط الليبي يريد تكريس نمط الأنظمة العربية من خلال عمليته العسكرية الحالية، وذكّر بأن الحملة انطلقت بعد أسبوع واحد من لقائه الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وابنه محمد، ليصفها بأنها "خطوة مبساوية" (من لقب محمد بن سلمان، أي "مبس")، وتذكر بمغامرات الأخير. 

وجزم بشارة بأن بعض الدول الغربية تدعم حفتر مثل فرنسا، بدليل عدم إدانة خطوته العسكرية. وذكّر في هذا السياق بأن فرنسا ومصر والإمارات كانت جزءاً من العملية السياسية في الصخيرات، وفي الوقت نفسه حاربت حكومة الوفاق الوطني عبر حفتر. 

وعما يجدر برئيس حكومة الوفاق فائز السراج فعله اليوم، ردّ بشارة أن على الأخير "أن يدحر حفتر لا فقط أن يردع العدوان، بل أن يطهّر المناطق التي يسيطر عليها" اللواء المتقاعد، ثم تأسيس جيش وطني ليبي والذهاب في تحول ديمقراطي. 

ولم يوفّر بشارة الأمم المتحدة من مسؤولية الحملة العسكرية التي يشنّها حفتر حاليا، من خلال منحه شرعية، ولا أدلّ على ذلك أكثر من أن تُهاجَم طرابلس خلال وجود الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس في العاصمة الليبية، ذلك أن "لا تحدي أكثر من ذلك، ولا أسخف من إعراب الأمم المتحدة عن قلقها ودعوتها إلى ضبط النفس". وختم أجوبته عن الحدث الليبي بالقول إنه "لو نجح حفتر (في حملته العسكرية) لكان المجتمع الدولي قد اعترف به في اليوم التالي".

ورفض بشارة إطلاق توقعات نظرية حول ما إذا كانت ستندلع ثورة ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في مصر، أم لا، لكنه شدد على أن الاحتجاجات مسألة تراكمية. ولأن مصر اليوم تعيش "ديكتاتورية عسكرية قاسية جداً"، على حد وصف بشارة، فإن التجربة التاريخية تقول "إنه إذا فشل النظام المصري في ضمان الاستقرار وإحداث تنمية اقتصادية وتغيير نهج القمع مع المواطنين، يكون مصيره النهاية عبر انقلاب عسكري مضاد مثلا، وإذا نجح في هذه الأهداف، تنشأ طبقات وسطى واسعة تقول للنظام إنه لم يعد هناك خطر إرهابي والوضع الاقتصادي مقبول، بالتالي نريد حرية وديمقراطية، وهذا الاحتمال أيضا ينذر بنهايته".

أما في ما يتعلق بالسودان، فقد أصرّ بشارة على أنه يجب أن يحصل شَقّ في صفوف النظام ليحدث تحول ديمقراطي من دون انقسام وصدام أهليين. وذكّر بأنه في مصر حصل شرخ بين العسكر والرئاسة، وإلا لما مرت ثورة 25 يناير. 

وجدد بشارة تأكيد ضرورة أن يكون الحراك السوداني قادرا على التحاور مع الجيش ومع الحزب الحاكم، وهذا برأيه ما ينقص السودان اليوم، وهو الذي عرف تجارب ديمقراطية ربما تكون الأكبر في العالم العربي. وحذّر من أن المسألة لا تختصر برحيل الرئيس عمر البشير أو تنحيه، "لأن الأمر قد ينتهي بانقلاب عسكري إذا لم يحصل اتفاق على قواعد تحول ديمقراطي" بين مختلف الأطراف، أي الحراك وأحزاب المعارضة وأطراف من السلطة الحالية التي من الطبيعي، بحسب بشارة، أن تشارك في التحول الديمقراطي إلى حين بلوغ مرحلة تكون جاهزة لحكم الأكثرية ومعارضة الأقلية. 

وأشار إلى قناعته بأن لا اكتراث غربيّا بأن يتمتع الشعب السوداني بديمقراطية وحرية، ولفت إلى أن التحفيز الدولي ربما يكون نافعا عبر رفع العقوبات الدولية عن البشير مثلا، أو تطمينه إلى عدم محاكمته.

أما حول أسئلة المشاهدين عن طريقة تعاطي حركة حماس مع حملة "بدنا نعيش" في قطاع غزة، الشهر الماضي، رأى بشارة أن طريقة تعامل "حركة المقاومة الإسلامية" كانت "زلّة خطرة (العنف ونظرية المؤامرة...) خصوصا في دير البلح". كذلك، رأى أن انعدام الخبرة لدى "حماس"، والنزق في التعامل مع الناس، من أسباب هذا التعاطي العنفي. 

وكرر بشارة رأيه الذي يفيد بأن "حماس" أخطأت "منذ البداية عندما رغبت بأن تكون حركة مقاومة تحكم تحت الحصار"، لكنه استدرك قائلا إن "حماس تورطت في السلطة ولم تعد قادرة على التراجع عنها في ظل موقف السلطة والحصار" الإسرائيلي.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية