حول الجدوى..

جهاز التلفزيون بات يعمل بوظيفة كاملة في بعض البيوت حتى دون أن يشعر سكانها، الذين فقدوا القدرة على التمييز بين ما يشاهدون وما يلمحون وما شبه لهم. وأنت تلمح صورة تلفزيونية دون قصد، تخترق مجالك البصري دون أن تبحث عنها، لأن نوعا محددا من الأخبار لم يعد يثير فضولك، ولم تعد تنتظر ما تسفر عنه اجتماعات السياسيين وقادة الدول... خاصة إذا كان أولمرت على جهة من الطاولة في بيته وطاقم من رئيس ومستشاريه على جهتها الأخرى. ولكنها صورة تمر كلمح البصر تثير لديك ما لا تتحكم به من تداعيات حول العبث والمعنى والجدوى من وراء هذا كله، مثلما تثيرها لديك أحداث في حياتك الشخصية من نوع خبر مباغت عن وفاة أحد معارفك، حتى لو لم يكن صديقا مقربا لمجرد أنك رأيته حيا يرزق ويخطط تفاصيل حياته قبل يومين.
إذا لم يغرق من يفكر بالسياسة بالتفاصيل الصحافية وإذا كان يتمتع ببعض الحساسية، تصادفه أسئلة وجودية وأخلاقية حول الجدوى والمعنى من هذا كله.

ويأتي السؤال مباغتة دون سابق إنذار على حين غرة فينقل زاوية النظر إلى طبقة أعلى تشرف على الصورة الشاملة وتتيح رؤية حركة التغير في المشهد برمته بدل حركة التفاصيل الشيطانية داخل نفس المشهد، أو ينقلها باتجاه معاكس إلى طبقة أدنى، تحت سطح الأرض مثلا، فيتوقف عن رؤية وسماع كليهما، التفاصيل والصورة الشاملة. والفاصل بين اتجاهي الحركة في نقطة البداية أقل من شعرة، وكان يمكن أن يتحرك المرء بأحد اتجاهين معاكسين؛ رؤية الصورة الشاملة وحدها، أو فقدان الرغبة برؤية أي شيء، لنفس السبب. ولا يوجد تفسير إلا في أعماق النفس البشرية أو البنية الشخصية لماذا انتقل المرء إلى التفكر وليس إلى العدم، إلى التفلسف وليس إلى الصمت. نفس النقطة تشكل منطلقا للاتجاهين المتعاكسين. أن تدرك فجأة سؤالا مثل:

منذ متى يفاوض المحتل الواقع تحت الاحتلال، وما معنى مثل هذا التفاوض؟ وأن الحصار الدولي ليس مفروضا على الدولة المحتلة في فلسطين، بل على الشعب الواقع تحت الاحتلال. وحتى بعد قرار المحكمة الدولية في لاهاي ضد ممارسات دولة الاحتلال فإن من يتعرض لعقوبات دولية، غير مقررة قانونيا طبعا، هو الشعب الواقع تحت الاحتلال.

أما المطالبة بمحكمة دولية فلا يتم لغرض تقديم مجرمي حرب كما يجري عادة من قبل دولة انهارت أو لا يمكنها أو ترفض محاكمتهم على قتل أسرى في سيناء عام 1967 مثلا، أو على جرائم الحرب الأخيرة التي ارتكبتها إسرائيل ضد مجتمع بأسره في لبنان طيلة 33 يوما الصيف الماضي، بل نسمع عن مطلب إقامة محكمة دولية في نفس الدولة التي ارتكبت ضدها جرائم الحرب، ولكن في سياق موجه ضد دولة عربية انسحبت بعد اغتيال رئيس الحكومة مطبقة قرارا لمجلس الأمن لم توافق عليه.

وإسرائيل تستمر بممارسة الاغتيال، وذلك ليس وحده، بل ضمن عدد لا يحصى من الجرائم. وهي تواصل احتلالها ولم تنسحب بعد، بل تقيم عوض ذلك نظام أبرتهايد. ولا تجري مقاطعتها، وليس هنالك طلب لتشكيل محكمة جنائية دولية ضد مجرميها مع أن جهازها القضائي عاجز عن تقديمهم للمحكمة، ولا نثق به إذا قدمهم. والحالة حالة جرائم حرب دون محاكمة. ولا يكفي أنها لا تقدم لأية محكمة، بل هي لا تعترف بالقيادة المنتخبة للشعب الواقع تحت الاحتلال، وتجري محاولة دولية لإقناعها أن تفاوض هي الطرف الفلسطيني وأن تعترف به. وبدل مقاطعتها ورفض الاعتراف بها تتوجه قيادة سياسية فلسطينية معترف بها دوليا تجتمع مع رئيس حكومة دولة الاحتلال مرة تلو الأخرى حول أجندات يقررها هو لأنه الطرف الذي يملك الأجندات.

في عالم الحروب والصراعات إما أن يتفاوض الأعداء أو لا يتفاوضون، يتوقف على درجة نضجهم وتوصلهم إلى قناعات أو كاستمرار للحرب بوسائل أخرى تترجم نتائجها. وبرأينا فإنه ليس هنالك ما يتم التفاوض بشأنه بين استعمار وشعب يقع تحت الاحتلال. وإذا جرى تفاوض، فمجرد أن يجري التفاوض قبل إعلان دولة الاحتلال الاستعداد للانسحاب الكامل والاعتراف بحق تقرير المصير يفقد الشعب الواقع تحت الاحتلال هذه الصفة ويصبح طرفا في مفاوضات غير متكافئة بين طرفين. ولذلك يعلن الشعب الواقع تحت الاحتلال انه لا يفاوض دولة الاحتلال، وانه يناضل أو يصمد إلى أن تعلن عن استعدادها لتصفية الاحتلال، وعندها يصبح بالإمكان التفاوض حول كيفية التنفيذ.

في فلسطين أصبح حلم حركة التحرر هو أن يعترف الاحتلال بها. وما أن حققت هذا الحلم حتى تحولت إلى طرف بين طرفين، وبعثرتها هذه اللعبة بين كيان سياسي افتراضي ليس ذا سيادة وشظايا وبقايا حركة تحرر.

وعندما أتيحت فرصة الانتخابات انتخبت حكومة فلسطينية ترفض هذا النموذج، ولكنها لا تستطيع أن تحكم لنفس أسباب انتخابها، أي لأنها حركة مقاومة تحت احتلال. وهي تعارض التفاوض، ولكنها لكي تتمكن من الحكم انتدبت من تعارض خطه السياسي ممن بعثروا الحركة وتزعموا الكيان الافتراضي للتفاوض دون أن تتفق معه على محاذير التفاوض. لا فاوضت ولا رفضت التفاوض. لا هي رفضت التفاوض ولا ضمنت ألا يتم التفاوض على حساب الثوابت الوطنية.

وبدل محاولة إقناع العالم العربي بقبول السلام مع إسرائيل ككيان استعماري مغتصب للأرض ومعتدٍ على الشعب، لا تكتفي أميركا وإسرائيل وبعض الدول العربية بمبادرة سلام عربية وتجري محاولة للضغط على القمة العربية لتعديلها وتقديم المزيد من التنازلات... من أجل ماذا؟ أمن أجل أن يفاوض، ثم يحكم هؤلاء الذين لمحتهم للتو في التلفزيون نصف دولة على نصف الضفة الغربية وقطاع غزة؟ أم من أجل أن يستمر أولئك بالحكم في دول فاقدة السيادة؟

تعليقات Facebook