ملاحظات مقتضبة حول الضغط السياسي الخارجي وتمكين المرأة العربية..

لا يمكن تخيل المجتمعات الغربية الحديثة وتقدمها العلمي والتكنولوجي والحقوقي والثقافي من دون المنجزات التي حققت بشأن قضية مساواة المرأة بالرجل، إن كان ذلك في الحيّز العام: حقوق المواطن، النشاط السياسي، الإدارة والاقتصاد، الثقافة والفنون وغيرها، وإن كان ذلك في الحيّز الخاص: حقوق المرأة داخل العائلة وتخفيف القيود الأسرية التي تمنعها من تحقيق ذاتها على مستوى النشاط الاجتماعي في الحيّز العام، وإن كان ذلك في ولوج الحيّز العام إلى الحيّز الخاص، كي لا تكون العائلة قلعة مغلقة يحكمها الرجل، ولتخضع حتى بعض العلاقات داخل العائلة لسيادة القانون الجنائي والمدني.

وبالإمكان، طبعًا، رغم ذلك، مناقشة النظريات النسوية المختلفة التي تطوّرت بعد هذه التغييرات والاستفادة من نقد هذه النظريات، خصوصًا النظريات النسوية المتطرفة المعادية للرجل، والتي تحوّل الأنوثة البيولوجية إلى إيديولوجية اجتماعية، أو النظريات النسائية المعادية عمليًاً للنسوية، والتي تؤكد على أنوثة المرأة كنقيض لرجولة الرجل، وتتبنى عدة استراتيجيات رجعية في مقاومة البطريركية والنسوية على حد سواء، باستثمار دونية المرأة واستخدام جسدها في تعزيز مكانتها، أي تحوِّل ضعفها إلى قوة. وهذه آخر «نظريات» -وللدقة تقليعات- تمكين المرأة في المجتمع الاستهلاكي والاقتصاد النيولبرالي.

والحقيقة أنّ المجتمعات العربية بشكل عام ما زالت بعيدة عن خوض مثل هذه النقاشات، وما زال المطلوب هو النضال من أجل إحقاق حقوق أساسية للمرأة في حيّز العائلة الخاص وفي الحيّز الاجتماعي العام. ومع ذلك تختلط الأجندات أحيانًا بفعل عولمة الإعلام، وعولمة مصادر تمويل الحركات والجمعيات النسائية ذاتها التي تعنى بشؤون المرأة.

وإلى جانب مساهمة الإصلاحات في تحقيق بعض الانجازات المتعلقة بنخب نسائية من الطبقات الوسطى والعليا، تراوح حقوق المرأة في الأوساط الجماهيرية والشعبية والمسحوقة في مكانها، بل وتعرضت في العقود الأخيرة إلى ردّة فعل هيمنة ثقافية لقوى أصولية تحاول إضفاء طابع ديني مُقدّس على تقاليد شعبية رجعية غير دينية، أو تخلق تقاليد جديدة لم تكن معروفة يمكن اعتبارها أكثر عداءً للمرأة وأكثر محافظة من تقاليد المجتمع الريفي ذاته، ويستحوذ عليها التعامل مع جسد المرأة كعورة. وهو تعامل يمثل الوجه الآخر للتعامل مع جسدها كسلعة. ورغم صعوبة الصراع مع الثقافة الجماهيرية إلا إنه يجب التمسك بالمساواة الكاملة، ويجب أن تضع القوى الديمقراطية إستراتيجية لتحقيقها تدريجياً، من دون فرض الصراع كله دفعة واحدة.

هنالك علاقة لا تنفصم بين الاستغلال الاجتماعي والاقتصادي واستغلال المرأة؛ فالتجربة التاريخية في المجتمعات الحديثة تثبت أنّ بيئة العداء لحقوق المرأة لا تقتصر على النظام الأبوي (البطريركي)، فالفقر أيضًا يزيد من تعقيد قضية المساواة. الفقر يزيد من حدة القمع داخل العائلة، كما يُعرّض المرأة لوطأة ائتلاف الاستغلال الاقتصادي مع الجهل. ومع ازدياد القمع الاجتماعي والضغط الاجتماعي والاقتصادي على العائلة تتدهور مكانة المرأة إلى آخر السلم الاجتماعي. كما يزيد ذلّ الفقر والبطالة من احتمالات توجيه «رجولة» الرجل بشكل سلبي كحالة سيطرة بالمعنى القسريّ على العائلة، بعد أن زالت عوامل الهيمنة الهرمية التقليدية.

يُفترض أن يدعم الموقف الديمقراطي تمثيل المرأة في كافة المؤسسات السياسية والاقتصادية على مستوى الدولة والمجتمع، ولكن يجب التأكيد على المحاذير التالية: (1) عدم قصر قضية مساواة المرأة بالرجل على موضوع وصول نساء إلى مناصب؛ (2) أنّ تمثيل نساء من الطبقات الوسطى والعليا في المؤسسات الحاكمة -رغم أنه خطوة تثقيفية هامة- لا يعني مساواة المرأة بالرجل، كما قد تساهم المرأة في هذه الحالة بوضع سياسات معادية للمرأة ذاتها ولبقية المجتمع؛ (3) هذا لا يتعارض مع التأكيد على تفضيل المرأة على الرجل إذا كانت لديها نفس مؤهلات الرجل (التفضيل الإيجابي- affirmative action)، وهذا يعني أيضًا الحثّ على تأهيل النساء كي يصبح بإمكانهنّ انتهاز الفرص التي يناضلنَ من أجل تحقيقها.

في مقابل الضغط الغربي ينتشر في الحركة الوطنية الفلسطينية وفي الحركات الوطنية الاستقلالية العربية الأخرى خطاب سياسي يؤكد على حقوق المرأة، من منطلق مساهمتها في معركة التحرير والاستقلال. والحقيقة أنّ موضوعة المساواة للمرأة لا تحتاج إلى هذه التبريرات الإعتذارية؛ فمبدأ مساواة المرأة بالرجل ينطلق من حقها كإنسانة كاملة وكمواطنة كاملة. وكافة الحركات التي برّرت الحقوق «المعطاة» للمرأة بمساهمتها في معركة التحرير إلى جانب الرجل، لم تصمد فيما بعد الاستقلال أمام الردّات الثقافية والدينية والتقاليد الشعبية، وذلك لأنها لم تؤسّس هذه الحقوق على مفهوم المساواة كقيمة.

ولا يمكن أن تنطلق المجتمعات العربية وأن تتحرّر فعلاً وأن تسلك طريق التطوّر والتقدّم، ما دام نصف المجتمع العربي مشلولاً- وهذه المقولة ليست تبريرًا للمساواة، فالمساواة ليست بحاجة إلى تبرير، وإنما هي تأكيد على نتائج انعدام المساواة.


لا يأتي الضغط الغربي على الدولة العربية بشأن حقوق المرأة من فراغ بل كجزء من الثقافة السائدة في الدولة التي تمارس الضغط. فهو يأتي ومعه كمٌ من الأفكار المسبقة حول وضع المرأة العربية، ولا يستبعد أن يتخيّله بعض الإعلاميين وصُناع الصور الإعلامية في الأذهان وكأنه فارس على حصان آتٍ لإنقاذ "الحريم" من سجنهنَّ لدى الرجل الشرقيّ. أي أنه يأتي خارج سياق نضالات المرأة العربية في السابق، ومُتجاهلا مُنجزاتها، إن كان ذلك في إطار العمل الأهلي منذ نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، السابق حتى على المنظمات غير الحكومية، وإن كان ذلك في إطار الحركات الوطنية والقومية.

إضافة إلى ذلك، يأتي الضغط الغربي من وسط حضارة استهلاكية وفي سياقها، الذي يشمل، عدا الحقوق التي أنجزتْ فعلا، النظرة إلى المرأة كجسد، كموضوع للشهوة الجنسية وتطويره وتهذيبها لتظهر في السوق كحاجات علنية شرعية، وكمُشترٍ. تصارع المرأة التي تم وضعها في هذا الإطار إمّا للتحرر منه أو لتعزّز قوتها داخل الإطار ذاته بحيث يصبح هذا الضعف قوة سيطرة على الرجل، تمثُلاً ببضاعة تسيطر على المستهلك في نوع من الصّنمية الفيتشية الجديدة.ةكما يأتي الضغط في سياق يشمل فيما يشمل أيضًا النظرة إلى المرأة إما كبضاعة أو كمُسِّوقة بضاعة في الإعلان التجاري وفي التسويق ومجال المبيعات والسكرتارية والعلاقات العامة.

ولا شكّ أنّ النقد الغربي الأكاديمي والنسويّ وحتى السياسي لمكانة المرأة العربية صحيح بغالبيته. ولكنه لا يردُ نقيًا بل تشُوبُه صور وتصوّرات رائجة غربيًا حول ما يعنيه تحرر المرأة ترتبط جميعها باقتصاديات السوق المتطورة وتذرير المجتمع، كما يشمل تصورات استشراقية يغلب عليها طابع شيطنة الرجل العربي، وتصوّرًا يكاد يكون دراميًا لقضية تحرير جسد المرأة من سيطرة الرجل العربي، إما لغرض التحرر ذاته في حالة التصورات التقدمية والنسوية، أو ليصبح قابلا للبيع والتعاقد في اقتصاديات السوق من زاوية النظر النيولبرالية، في مقارنة مع تحرير الاقتصاد الرأسمالي لقوة العمل من الارتباط بالأرض والتبعية للإقطاعي. كما يندر أن يشمل تصورًا ذاتيًا نقديا للمراحل التي مرّت فيها المجتمعات الغربية ذاتها في قضية مساواة المرأة بالرجل.

وأحد أبرز أشكال التدخل الغربي لتعزيز مكانة المرأة هو موجات تتوحد فيها أجندات المُموِّلين لدعم أيّة مشاريع لمؤسسات نسوية أو نسائية أو لدعم مشاريع لتعزيز مكانة المرأة. ولا تتوفر دراسات حقيقية لقياس تأثير هذه المشاريع على مكانة المرأة العربية في مجتمعها وفي العائلة وأمام الدولة. ولكن هنالك أمرًا بارزًا للعيان وهو أنه باستثناء إثارة بعض المواضيع الهامة المتعلقة بهموم المرأة وما تعانيه على جدول النقاش في المدينة، فإنّ الثابت هو تعزيز مكانة نساء من النخب للحديث باسم قضية المرأة، يُمثّلنَ هوية المرأة العربية أمام صناديق دعم وتمويل غربية وأمام المجتمع الدولي، ومؤخرًا أمام المستوى السياسي المحليّ.

وينتشر هنا نوع من سياسات الهوية يتم بموجبه تمكين نساء بصفتهن ممثلات لقضية المرأة، ومن دون أن يصل هذا التمكين إلى فئات واسعة من النساء. ويتم بشكل واضح تجاهل المسألة الطبقية وأسباب انتشار الثقافة المحافظة بخصوص المرأة في الأوساط الفقيرة بشكل عام، خصوصًا تلك التي أفقرت كنتاج لعملية التحديث، أو المتحولة من الريف إلى المدينة.

ولكنّ التوجه الغربيّ بشكل عام هو نحو تعزيز نساء في الحيّز العام يتحدثنَ باسم قضية المرأة، حتى يتقمّصنَ القضية مثل هوية، فيُطالبنَ بتعيينات على مستويات الإدارة وغيرها والعضوية في البرلمان في دول غير ديمقراطية أصلاً. كلّ هذا في نوع من الاستفادة من هذه الهوية، من دون الانتباه إلى أنّ هذه المعايير لا تفيد إلا نُخبًا من النساء ولا تأخذ بعين الاعتبار المسألة الاجتماعية وترابطها مع قضية المرأة. خُذ مثلا الفقرة من خطاب الرئيس الأمريكي، جورج بوش، يوم 23 أيلول 2003، التي تحدث فيها أخيرًا عن آفة عالمية هي ازدياد تجارة النساء. وهي بمجملها تعبير عن موقف جيّد مُعادٍ للمتاجرة بثمانمائة إلى تسعمائة ألف امرأة ومراهقة وطفل يقعون سنويا في كافة أنحاء العالم ضحية لصناعة وتجارة الجنس. لا شك أنّ تطرق رئيس أمريكي إلى مثل هذا الموضوع هو أمر جيد. وتكمن السخرية التاريخية في أنه مضطر لأن يتجاهل أنّ تجارة النساء ارتفعت بشكل حادٍّ في البلدان التي انهار فيها الاقتصاد التقليدي وانتشرت سياسات نيولبرالية تشجعّها الولايات المتحدة. ونفس أحياء الفقر التي تنتج أبًا لا يأبه بمسألة بيع ابنته تُنتج أيضًا تديّنًا سياسيًا واجتماعيًا يُفسّر الدين على أنه عقيدة مُعادية لوجود المرأة في الحيّز العام، ويعتبر سحق حقوق المرأة داخل العائلة ومنعها عن الحيّز العام شكلين من أشكال الدفاع عن الوجود المُهدَّد. هذا الدفاع بحدّ ذاته يخلق وجودًا من نوع جديد فيه قمع أكبر للمرأة.

يمكن تلخيص نقد الضغط الغربي ومدى تأثيره على تعزيز مكانة المرأة العربية بزيارة السيدة لورا بوش إلى بعض دول المنطقة في النصف الثاني من شهر أيار 2005 فيما اعتبرته بعض وسائل الإعلام الأمريكية محاولة لتلطيف صورة أمريكا بعد "أبو غريب"، وبعد تقرير "نيوزويك" حول تحقير القرآن في معتقل غوانتنمو، كما صرّحت هي نفسها (موقع "سي أن أن" الإخباري، 20 أيار 2005)، واعتبره البعض الآخر محاولة لتغيير صورتها هي كَرَبّة بيت في الظل (تحليل وَلاند فالميني، وكالة "يو بي آي"، 25 أيار 2005)، حتى لو كان هذا البيت هو البيت الأبيض.

وعلى كل حال تبرز هنا القضية؛ فنماذج المرأة القوية أو المُتحرّرة التي تقدم للنساء في المنطقة العربية هي نماذج مناقضة من حيث الجوهر لقضية المساواة، وإن كانت نجومية من حيث المظهر. فلقب السيدة الأولى هو لقب يُتبعها بشكل قاطع لزوجها، فهي في هذه الحالة لا تتحدث بصفتها هي، ولا بقوّة موهبتها هي أو إنجازاتها هي، بل لأنها زوجة فلان- أي رئيس الولايات المتحدة. وهذا التمكين بصفتها زوجة الرئيس أو زوجة الملك هو في الواقع عكس تمكين المرأة.

ولذلك، فإنّ هذا السياق لا يسمح بكلمات كبيرة كالتي استخدمتها "واشنطن بوست" في وصف الزيارة بلهجة إستشراقية لا تجتهد الصحيفة لإخفائها: " الأردن، البحر الميت، 21 أيار 2005، تحدَّت السيدة الأولى لاورا بوش منطقة يسيطر عليها الرجال والقيم التقليدية مطالبة بالسماح للمرأة بولوج العملية السياسية ومكان العمل، قائلة إنّ المساواة في الحقوق مسألة جوهرية للتقدم الديمقراطي في الشرق الأوسط". الوصف طبعًا دراماتيكي، والأفكار مُشوَّهة وغير دقيقة، والقائلة هي "زوجة رجل" دخل العملية السياسية من أوسع أبوابها، وهي دخلتها في الشرق الأوسط بصفتها زوجته.
وهذه ليست مسألة جانبية؛ فالنماذج العربية التي تقدمها وسائل الإعلام الغربية باعتبارها نماذجَ للتغيير هي ملكة، زوجة ملك وشيخة، أي زوجة شيخ، وسيدة أولى بصفتها زوجة رئيس، وتُنسب لهنَّ إنجازات لا علاقة لهنَّ فيها، بل بواضع السياسات الذي يسمح لهنَّ بالعمل أو بالوصاية أو بـ "رعاية" هذا المجال. وهُنّ يُجسّدنَ بذلك طريقة ذكية في عرض السياسات أمام الغرب بواسطة الزوجة، بحيث يظهر أنّ ولوج الزوجة هذه المجالات هو تغيير ناتج عن تعزيز مكانة المرأة. (يُنظر إلى النماذج التي تقدمها مجلة "تايم" في عدد هام أُفرِد خصيصًا لهذا الغرض، "تايم ماجزين" (الاوروبية) 23 شباط 2004). يجدر بنا التنويه إلى أنه إضافة إلى السيدات الأوَّل تستعرض "تايم" في هذا العدد أسماءً تتضمن مخرجة سينمائية وصحافيات.

وتكرّر السيدة بوش في المنطقة في الواقع كلام زوجها حول الحرية في نوع من العبارات المنسوخة بشكل كامل يُكرّرها بوش منذ 11 أيلول: "حقوق الإنسان هي وعد فارغ من دون الحرية" (من خطاب لورا بوش أمام الفوروم الاقتصادي للبحر الميت 21 أيار 2005). وهي عبارة إدارة بوش التي تربط حقوق الإنسان بالتحول الديمقراطي. وتضيف لورا بوش أنّ الحرية تشمل حقوق النساء السياسية.

يُعتبر طرح قضية المرأة العربية مهمة سهلة بالنسبة للولايات المتحدة بعد أن رفعت راية دَمَقرَطة دُول المنطقة بعد التخلي عن نظرية الاستقرار والوضع القائم. فهذه مسألة تمنح دول المنطقة فرصة للظهور بمظهر الإصلاحيين، من دون أن يحدث إصلاح حقيقي وأحيانًا بثمن إظهار نساء في اجتماع مع وزير غربي، أو تعيين وزيرات في مجالات مثل التربية والتعليم والرفاء الاجتماعي والإعلام وغيرها، أو حتى اقتراح تغييرات في قوانين الأحوال الشخصية ومكانة المرأة القانونية بشكل لا يهدد النظام السياسي في البلد.

بالإمكان مثلا بواسطة قضية المرأة توجيه مديح من الرئيس الأمريكي إلى ملك المغرب (خطاب بوش أمام الصندوق القومي للديمقراطية، 6 تشرين الثاني، 2003) على ما قاله الملك أمام برلمانه من جمل بسيطة وبديهية مثل: "كيف يمكن لأمة أن تتطور مع ممارسات كهذه ضد النساء؟..."، أو اعتبار ممارسات تحطّ من كرامة المرأة بأنها تتناقض مع روح الإسلام... كما يتم توجيه المديح للأردن على الأساس ذاته.

لا تهدد مشاريع تمكين المرأة التي تبادر إليها المنظمات الغربية وصناديق الدعم أيَّ نظام سياسي. وهي تحوّل قضية كبرى إلى جملة مشاريع صغيرة يستطيع أيّ نظام غير ديمقراطي التعايش معها. وفي أقصى الحالات تخلق نوعًا من التوتّر بين الحركات الإسلامية والمحافظة وبين النظام. وهو توتر يرحّب به النظام، إذا بقي توترًا منضبطًا، لأنه يصبُّ في صالح صورته دوليًا. وفي الوقت ذاته ينتهي محليًا إلى حلٍّ وسطي لا يُهدّد النظام. ولا أقترح طبعا التقليل من شأن بعض الانجازات التي يمكن أن تحقق خلال هذه العملية من نوع تحسين وضع المرأة وفتح مجالات أوسع أمامها في الحيّز العام وتعديل قوانين الأحوال الشخصية الجائرة ومنع ممارسات عشائرية مثل قتل المرأة على خلفيات متعلقة بـ "الشرف" كجنايات.

حتى فترة قصيرة كانت هناك ثلاث دول عربية، فقط، لا تمنح النساء حقّ التصويت: السعودية، الإمارات والكويت. أولهما لا تجري فيها انتخابات أصلا، والثالثة عدّلت قوانينها مؤخرًا لتشمل حق النساء بالتصويت. ولكن علينا أن نتذكر أنها لم تتحوّل بذلك إلى دولة ديمقراطية. ولا أدري أصلا إذا كان انضمام المرأة إلى حقوق سياسية فارغة جوفاء يزيدها حقوقا أو يزيد المجتمع العربي ديمقراطية.

في سورية مُنح حق التصويت للمرأة عام 1949، وفي لبنان عام 1952، في مصر عام 1956 وفي تونس عام 1957. ومع أنّ تركيا ليست بلدًا عربيًا إلا أنها دولة مسلمة، ومن المفيد التذكير بأنّ المرأة فيها مُنحت حق التصويت عام 1930 وحق الترشيح عام 1934، أي قبل العديد من الدول الأوروبية. ولم تصبح أيٌّ من هذه الدول ديمقراطية لهذا السبب. وما تحتفي به بعض الدول الغربية من تطوّر في بعض الممالك والإمارات الحليفة في المنطقة سبقتها إليه قبل عقود طويلة دول عربية لم تكن حليفة لأمريكا عندما خاضت هذه التجربة مثل العراق ومصر وسورية وغيرها.

ويبدو غريبًا أن يقرأ المرء احتفاءً أمريكيًا بتصويت المرأة في "الشرق": "40% من ثمانية ملايين صوت أفغاني كانوا من النساء، النساء صوّتنَ لأوّل مرة في كانون الثاني، وفي العراق حاربت النساء بنجاح لتغيير النظام القضائي الذي أعطى الرجال حقوقا أكثر." المشكلة في أفغانستان في ظلّ حكم طالبان وقبله لم تكن منع النساء من التصويت بل منع المجتمع برمته من حقوق عديدة ومن ضمنها حق الاقتراع، وحقوق المرأة المهضومة في كافة المجالات، وآخرها فقط حق التصويت لم يكن قائما أصلا، لا للمرأة ولا للرجل.

أما في العراق فالمشكلة أيضًا من الناحية السياسية لم تكن حقوق النساء والأقليات فقد حماها نسبيًا نظام الاستبداد، العلماني في حالة العراق، أمام اجتياح ممكن للحركات الإسلامية، بل كانت المشكلة حقوق المجتمع والفرد في العراق ومن ضمنه المرأة في مجتمع رجولي بطريركي بأيديولوجية قومية متطرفة لا ترى المرأة إلا من خلال القيم العسكرية الرجولية، ولكنها تحميها في الحيّز العام من الأصولية الإسلامية.

وتتجلى عملية الضغط الغربي والاستجابة له في بعض الدول العربية بشكل خاص في قضية تمثيل المرأة على مستوى الأطر السياسية مثل البرلمان والوزارة وغيرهما. وتتراوح نسبة تمثيل المرأة في برلمانات الدول العربية بين صفر و12% في بعض الحالات. ولكن لو كان هذا بحدّ ذاته مؤشرًا لتساؤلنا: هل هذا يعني أنّ حقوق المرأة السياسية في بعض الدول العربية تشبه تلك التي في أمريكا حيث تصل نسبة النساء إلى 14% في مجلس النواب و13% في السنات؟ لا معنى لتمثيل النساء كنوع من تمثيل الهوية النسائية في البرلمان إذا لم يتوفر فعلا تمثيل ديمقراطي للمرأة كمواطنة وللرجل كمواطن.

ومما يزيد الارتباك أنه في عالم انتشار تعابير اللياقة السياسية (politically correct) تتحول قضية المرأة إلى قضية هوية نسائية يجب أن تُمَثَّل، فتمثلها نساء من النخبة من دون أن يُمثلنَ بالضرورة مصالح جماهير النساء، بل يُمثلنَ طموحات نساء يسعين لتمثيل أنفسهن كنساء محافظات وغير محافظات؛ الهام أنهن طموحات للعب هذا الدور. وهذا الطموح هو بحدّ ذاته قيمة في الثقافة الغربية كما تعرض على المنطقة العربية. الهام هو تمثيل المرأة كتمثيل الهوية، أي كما تتجسّد فيهنَّ، تمثيل هوية المرأة في البرلمان. يفترض أن تلعب المرأة هنا دور المرأة. وهذا يكفي بالنسبة لإرضاء مشاعر الغرب ولإثارة دهشة المسؤولين من «أنّ هناك نساء عربيات متقدمات من هذا النوع». وما المفاجأة والدهشة في الواقع إلا تأكيداً لموقف عنصري.

لقد طورت الأنظمة الديمقراطية العريقة، ونقصد تلك التي تبلورت قبل الحرب العالمية الثانية، مؤسساتها الديمقراطية كنوع من التحديد المتبادل لصلاحيات السلطات، خصوصًا التنفيذية وعبر نظام من الموازنة والمراقبة، وذلك من دون مشاركة النساء، ومن دون مشاركة كافة الذكور في الانتخابات، وبتوسيع تدريجي للحقوق السياسية ومنها حق الاقتراع. وقد توسّع هذا الحق تدريجيًا طيلة القرن التاسع عشر. ومنحت النساء حق الإقتراع في الولايات المتحدة عام 1918، وفي بريطانيا عام 1920. بإمكان رايس أن تقول في الجامعة الأمريكية في القاهرة إنّ نصف ديمقراطية ليست ديمقراطية، ولكن هكذا تطوّر بلدها، وهكذا تطوّرت الديمقراطيات.

ومن الواضح أنه في هذا العصر لم يعد مُمكنًا ولا ضروريًا المرور بكافة هذه المراحل، أي لا يجوز تأجيل منح حق الاقتراع للمرأة إلى أن تنضج الظروف، ولكن علينا ألا نقع في الوهم العاكس فنعتقد أنّ مجرد تعميم حق الاقتراع، ومنح مواقع لنساء أو مجرد تمثيل نساء في مناصب في نظام غير ديمقراطي هو ديمقراطية. هذه عملية ضرورية في السعي من أجل المساواة، ولكنها غير كافية. وهي لا تقترب من أن تكون كافية بل تبتعد عن سياق المساواة والديمقراطية إذا جاءت كمبادرات نية حسنة لاسترضاء قوة أجنبية عبر تعيين نساء من النخب الاجتماعية القائمة في شباك العرض الأمامي للنظام.

تعليقات Facebook