سلوك الأب يحدد مستقبل أبنائه

سلوك الأب يحدد مستقبل أبنائه
(أ.ب)

يتأثر الأبناء بسلوك الآباء بشكل مباشر، حيث يعدون المصدر الرئيسي الذي يبدأ الأبناء بالتعلم منه كل شيء، فيقلدون ويتعلمون منهم حتى يصبح الآباء دون أن يشعروا يورثون أبناءهم كل ما يقومون به من سلوكيات وتصرفات وأفعال بل والأخلاق أيضاً، والتي يتسم بها الأبناء بالوراثة من المحيط الأسري بما يطور شخصيتهم ويحدد ملامح مستقبلهم.

تشير أبحاث في مجال التربية الحديثة، إلى أن الطفل يكتسب العديد من العادات والسلوكيات بما يشكل شخصيته المستقبلية من والديه وبالأخص الأب من دون أن يدرك ذلك، حيث أن التصرفات والسلوكيات التي يمارسها الآباء أمام أبنائهم غير مدركين لتأثيرها، تشكل مضمون الطفل وترسم ملامح سلوكياته وعاداته وتصرفاته المستقبلية.

فبحسب دراسة فرنسية أجراها باحثون في جامعة السوربون، وجدت أن أكثر من 71 بالمئة من الأبناء الذكور يتشابهون في السلوكيات والعادات المكتسبة مع آبائهم، في حين تتراجع تلك النسبة إلى 40 بالمئة بالنسبة للأبناء الإناث.

وأشار الباحثون إلى أن العادات السيئة كانت أكثر ما توارثه الأبناء من آبائهم، دون أن يشعروا بذلك، وفي مقدمتها الفوبيا والمخاوف، فمع تعبير أحد الآباء عن مخاوفه من شيء ما أمام ابنه، خاصة وإن كان يعاني من “فوبيا”، تنتقل تلك المخاوف مباشرة إلى الابن، فيعاني منها هو أيضاً، كذلك طريقة التعامل مع الغضب والتوتر، فالطفل يكتسب مشاعر والده سواء أن كان يكبت غضبه أو يعبر عنه بالصراخ والعنف، ففي كلتا الحالتين يرثها الابن، ولا تختلف الحال بالنسبة للتذمّر والقلق الزائد، فالتذمر الدائم والقلق من كلا أو إحدى الوالدين ينتقل بسهولة إلى الأبناء،  فكلّما كان الآباء أكثر قلقا وترددا حيال الأمور التي يفعلونها والقرارات التي يتّخذونها، وحيال أبسط التفاصيل التي تخصّ الطفل زرعت في نفسه أيضاً هذا القلق والتوتر.

كذلك يمثل تناول الحبوب من دون وعي، صفة سيئة تنتقل بالوراثة إلى الأبناء، فالاعتياد على تناول حبوب مهدئة أو عقاقير مسكّنة للتهدئة أو التخفيف من الألم، ينعكس على قيام الأطفال بنفس الفعل، والاعتياد على تناول الأدوية عند كل مرض أو عياء مهما كان بسيطاً، وهو ما سيكون له تأثير سلبي على صحتهم، كون أن استهلاك الأدوية والعقاقير أمر غير مستحب إلا في الضرورة.

ويُعدّ التدخين من أبرز العادات السيئة التي يقتل بها الآباء أبناءهم من خلال ممارستها دون أن يشعروا، لما لها من آثار سيئة ومضاعفات خطيرة على الصحة، سواء من خلال استنشاق دخان السجائر في المنزل، أو ممارسة التدخين تقليداً للوالدين، وهو ما أكدته العديد من الأبحاث، بأن حوالي 75 بالمئة من المدخنين كان آباؤهم يدخنون السجائر، في حين تنخفض النسبة إلى 40 بالمئة مع المراهقين الذين لم يروا والديهم يدخنون السجائر، ولا يختلف الأمر كثيراً عن شرب الكحول، فقد أثبتت الأبحاث أن الأطفال الذي يراقبون أهلهم يشربون الخمر سيحاولون تدريجياً وبأية طريقة تقليدهم وتكرار تصرّفاتهم عندما يبلغون.

ويشير د. محمود عبداللطيف، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة حلوان، إلى أن الأب هو المعلم الرئيسي للطفل، فبحسب سيكولوجية الابن الذكر فإنه يكتسب من والده كل شيء تقريباً، ويقلّده في جميع أفعاله وعاداته سواء كانت سيئة أو جيدة، مؤكداً على ضرورة أن يحرص الآباء على سلوكياتهم وتصرفاتهم أمام الأطفال، وإن كانوا يمارسون بعض العادات السيئة فلا يكن ذلك أمام الأبناء أو داخل المنزل، موضحا أن المشكلة تكمن في العادات، والتي تُعتبر جزءاً لا يتجزأ من الشخصية، وبالتالي يمارسها الوالدان دون شعور أو انتباه لخطورتها وتأثيرها على الأطفال، وهو ما يحتاج إلى الإقلاع بالكامل عن العادات السيئة، كالتدخين وشرب الخمور، والغضب المبالغ فيه والتشاؤم والخوف والقلق الزائد، مشيراً إلى أن تعرّي الوالدين أمام الأبناء سلوك سيئ وغير صحي، كونه يعلّم الأطفال عدم احترام خصوصيته وخصوصية الآخرين، ويؤدي إلى أن يعتاد الطفل على فكرة التعرّي أمام الآخرين من دون أيّ خجل، ومن ثم من الأفضل ألا يرى الطفل أحد أفراد أسرته من دون ملابس مع بلوغه سن الأربع سنوات، لأنه خلال هذه المرحلة العمرية يبدأ الإدراك ويلاحظ الفرق بين العري والاحتشام، وذلك حتى نحمي الأبناء من تلك العادات السيئة والمضرة.

من جهتها، تضيف د. منال رستم، خبيرة التربية: أن للوالدين وخاصة الآباء تأثيراً كبيراً على الأبناء سلباً وإيجاباً، كونهما أول شخصين يختلط بهما الطفل، ويعيش معهما ويشكّلان عالمه، خاصة في سنوات عمره الأولى التي يتكوّن فيها الجزء الأكبر من شخصيته، مشيرة إلى أن البيت هو المدرسة التي ينشأ فيها الطفل، ويتعلّم كل شيء من أبويه المنبع الأساسي في تكوين وصقل شخصيته، فيتعلّم منهما القيم والمبادئ والعادات، وبفضول الطفل وحبه لأبويه يسعى لتقليدهم فيتحوّل الأمر إلى نسخ عادات وأفعال وسلوكيات الوالدين إلى الأبناء، وخاصة بين الآباء والأبناء الذكور، والذين يتأثرون كثيرا بالآباء أكثر من الأمهات.

وتنصح رستم لتجنب الأبناء انتقال العادات السيئة من الآباء بتجنّب التعزيز السلبي، وعدم إظهار أو ممارسة السلوكيات والعادات السيئة أمام الأبناء، كذلك عدم الإساءة إلى إحدى الوالدين أمام الطفل، وتقويم سلوكيات الآباء والأمهات، واعتماد أسلوب المناقشة مع الأبناء في عواقب السلوك الصحيح والسلوك الخاطئ، ومحاولة تحسين العادات والتصرفات داخل الأسرة، ما يترك أثراً طيباً في شخصية الطفل، فضلا عن تحفيزه مادياً ومعنوياً لاكتساب السلوك الجيد والابتعاد عن السلوكيات الخاطئة، بالإضافة إلى فتح حوار حقيقي وصادق بين الآباء والأبناء حول السلوكيات الجيدة وكيفية تكوين شخصيتهم والصفات التي يجب أن يتحلوا بها، ويتوارثوها من الأسرة والمحيط الاجتماعي.

اقرأ/ي أيضًا| التواصل الاجتماعي يحمي الشباب من المخدرات

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"