شعور الوحدة: الروتين لدى الكبار ومواقع التواصل لدى الصغار

شعور الوحدة: الروتين لدى الكبار ومواقع التواصل لدى الصغار
توضيحية (Pixabay)

كلنا تذوقنا طعم الوحدة في مرحلة معينة من حيواتنا. عند البعض منا كانت زائرًا خفيفا وعادت أدراجها بسرعة. وعند البعض الآخر تعتبر وضعا مزمنا من الشعور بالاغتراب الذي دخل منازلنا. رغم شعور الوحدة، نحن لسنا الوحيدون في هذه الحال، أذ كشفت دراسة جديدة أجريت في جامعة كاليفورنيا أن 3 من بين 4 أشخاص يشعرون بالوحدة بدرجة متوسطة حتى عالية.

ويقول قائد البحث "الوحدة هي شعور مراوغ، إذ أنها لا تعني أنكم وحيدون بالضرورة، بل هي شعور شخصي ينبع من الفجوة بين العلاقات الاجتماعية التي تريدونها وبين ما لديكم بالفعل".

وجزء من المحاولات لمعرفة من أين ينبع الشعور بالوحدة، حاول بحث آخر فحص الجزء الوراثي المسؤول عن هذا الشعور. ووجد أن المادة الوراثية "دي إن إيه" مسؤولة عن ما يقارب 35 في المئة من الشعور بالوحدة. أي أننا حتى عندما نولد مع الميل للشعور بالوحدة، هذا الأمر لا يعني بالضرورة أن قدرنا هو الاستسلام لهذا الشعور.

صعب لنا مع الوحدة، لأننا كأشخاص كلنا نحتاج للشعور بالانتماء، هذه حاجة تطورية للبقاء على قيد الحياة. يبحث الإنسان دائما عن الانتماء، لأشخاص حقيقيين أو حتى افتراضيين (على مواقع التواصل الاجتماعي)، وأيضا لأجل ذلك نبحث عن شريك للحياة.

صعب على الإنسان أن يحيى مع شعور عدم اليقين، وبذلك فمعرفة أن هناك شريك للإنسان يعود للمنزل كل يوم، ولا يخون، تمنح الشعور بالاطمئنان.

أحد عوامل الوحدة بحسب منظور المجتمع هي العزوبية. والمشكلة في ذلك تكمن بأن الأشخاص يعلّقون آمالهم على التخلّص من هذا الشعور بالارتباط والزواج.

وتظهر الدراسة من جامعة كاليفورنيا أن العوامل التي تجعل الشباب و الشابات الصغار يشعرون بالوحدة هي مواقع التواصل الاجتماعية، والتي فيها علاقات اجتماعية تبدّل تلك التي تكون وجها لوجه في الحياة الواقعية.

وتظهر الدراسة التي نشرت هذا الأسبوع، أنه وللسخرية، مواقع التواصل التي صممت للتقريب بين الناس، تجعل من الأشخاص وحيدين أكثر.

أجريت الدراسة على شباب وشابات من عمر 18-30 عامًا، وأظهرت أن تجربة سلبية على مواقع التواصل الاحتماعية (بنسبة 10 في المئة) تزيد من الشعور بالوحدة بنسبة 13 في المئة, بينما تجربة إيجابية لم يكن لها تأثير على تقليل الشعور بالوحدة.

وتتوافق هذه النتائج مع المعطيات السابقة التي تفيد أن واحد من كل 4 أشخاص بين الأجيال 18 حتى 30 يشعر بالوحدة، بينما شخص من كل 10 أشخاص فوق السبعين عامًا يشعر بالوحدة فقط. وهذا يعني أن الصغار بالعمر يشعرون بالوحدة أكثر من الكبار.

والوحدة لا تميّز فقط العازبون، إذ تظهر الدراسات أن الحياة الزوجية لا تقي من خطر الوحدة، بل بالعكس. إذ أنه 60 في المئة من الأشخاص الذين بلّغوا عن الشعور بالوحدة كانوا متزوجين، أو يقطنون مع شريك. ومن المفترض أن يشكّل الزواج أو الارتباط مكانًا عاطفيا للتشارك، لكن من الممكن أن لا تلبي العلاقة هذه الاحتياجات إذا لم يجد الشريك أذنا صاغية تسمعه وتفهمه، خصوصًا مع الروتين اليومي، يقل الاهتمام وبالتالي يزيد الشعور بالإهمال وبالوحدة.

وتختلف وحدة العازبون عن وحدة المتزوجين، إذ يشعر المتزوجة/ة أنهم لا يملكون الشرعية للتذمر من الوحدة مقابل المجتمع. وتحاول البيئة أن تقلل من شأن هذه الصعوبة النفسية، إذ تسمع الكثير من التعليقات مثل: ما المشكلة؟ افعلوا أمورًا سوية.

وتظهر النتائج أيضًا أن ربع الأزواج بعد السنتين الأولين من الزواج يشتكون من الشعور بالوحدة، ونصف الأزواج فوق جيل الـ50 يشتكون من الوحدة خصوصًا بعد قولهم أن "العش يفرغ من أصحابه" أي خروج الأبناء والبنات منه. وتعتبر الوحدة داخل العلاقات الزوجية أمر صعب، لأنه يجعل من الشريك شفاف مقابل تلبية رغبات الأبناء وإتمام الواجبات، بينما لا يجد من يهتم لرغباته أو يسمعه. وإن ترك هذا الشعور فإنه يتزايد ويزيد من شعور الاغتراب تجاه الشريك.

ومن النصائح التي ممكن اتباعها في هذه الحالة هي أن يتكلم الشخص عن الأمور التي تزعجه قبل أن تتفاقم، أو تصل لشعور وحدة كبير. أن يعترف الإنسان مقابل نفسه إن كان أعزبا أو مقابل الشريك برغباته وبالأمور التي يحتاج للإصغاء إليها، وأن تتشاركوا مشاعركم وهواياتكم وأحداث حياتكم اليومية سويًا.

وممكن التوجه إلى معالج نفسي أو معالج نفسي للأزواج الأمر الذي يوفر سبلا للتغلب على هذه المشاعر.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص