عروس الجليل المنكوبة / نصري دكور

عروس الجليل المنكوبة / نصري دكور
نصري دكور

على سفح جبل المجاهد في اعالي الجليل تقع قريتي ترشيحا أو "عروس الجليل" كما نحب ان نسميها، وهي الكنية التي اكتسبتها القرية نسبة الى تاريخها وحضورها القوي على الساحة الفلسطينية، مذ ابصرت النور قبل ما يقارب 900 عام.

فترشيحا- وحتى عام 1948- كانت القرية المركزية في الجليل الاعلى، واشتهرت بمحصولها الزراعي الوفير، وحرفييها الماهرين، وطيبة اهلها وحسن اخلاقهم. ووصل عدد سكان القرية عشية الاحتلال الصهيوني عام 1948 الى 5000 شخص.

قاومت ترشيحا الغزو الصهيوني بشراسة، واستعصت على المحتل الذي هاجمها مرارا وتكرارا، حتى استطاع تركيعها بعد قصفها بالطائرات في خريف عام 1948، ليبدأ منذ ذلك الحين خريف ترشيحا الذي لا ينتهي.

فالسلطات تعاملت مع ترشيحا على انها بؤرة مقاومة لا بد التخلص منها، وبدأت تحيك لها المكائد. ففي عام 1957 اقامت السلطات مستوطنة معلوت على اراضي ترشيحا بهدف معلن وهو "القضاء على ترشيحا التاريخية قبل عام 1948" (مرفق مستند رسمي مصور).

ولم تكتف السلطات بذلك بل قامت عام 1963 بدمج ترشيحا ومعلوت في مجلس محلي واحد وذلك عام 1963.

 تم الاعلان عن معلوت- ترشيحا مدينة في عام 1995، وتحت اشراف رئيس البلدية شلومو بوحبوط، اتقنت السلطة الجديدة طرق الاحتيال ومصادرة الاراضي، وارتقت بها الى مستوى فن.

فتحت شعار "المدينة المشتركة والكيان الواحد"، قامت البلدية بسلسلة خطوات تهدف الى ضرب الكيان المستقل (الى حد ما) لترشيحا، توجتها مؤخرا بمخطط شامل يهدف لمصادرة ما تبقى من اراض خاصة بحجة تطوير المدينة المشتركة.

 فالمخطط المزعوم يصادر ما يقارب 1500 دونم من الاراضي الخاصة، دون مقابل يُذكر، كي تقوم البلدية بتطويرها واقامة عمارات سكنية ذات طابع مدني عليها دون الاكتراث الى مصالح اصحاب الارض بشكل خاص، واهالي البلدة بشكل عام.

وفي حال اتمام هذا المخطط تكون السلطات قد حققت مبتغاها في محاصرة ترشيحا بمستوطنات تمنع تطورها من الجهات الاربع، محولة القرية العريقة ذات الماضي العريق الى حي هامشي داخل مدينة مختلطة، مع كل ما يحمل ذلك من معاني سلبية.

ولم تكتف البلدية بالتخطيط على الاراضي الموجودة في تخوم القرية، بل قامت بتحديد اولويات غريبة للذين يودون تقديم طلب لشراء قسائم بناء، فاصبحت الاولوية لمن خدموا في الجيش الاسرائيلي بدلا من ان تكون لابناء القرية.

أستطيع الاستمرار في سرد الاحداث لفقرات عديدة وحول مشاريع عديدة تقوم بها البلدية لتقويض كياننا، نذكر منها حل الفرق الرياضية، انعدام الفعاليات الثقافية، وتسليم ادارة مدرسة ترشيحا الى الشبكة الصهيونية التجارية اورط. لكن لا بد لنا من الوقوف عند النقطة الاهم: اين نحن- اهل ترشيحا- من ما يحصل؟ ولماذا هذا الصمت المطبق والاستسلام المبكر تجاه سياسات البلدية؟ ولما هذه اللا مبالاة تجاه معركة تستهدف وجودنا في ارض اباءنا واجدادنا؟

لقد قامت اللجنة الشعبية في ترشيحا مؤخرا بسلسلة نشاطات- شعبية وقانونية- من اجل الحفاظ على ما تبقى من اراض لكي يسكنها ابناءنا واحفادنا من بعدنا. لكن من غير المعقول ان تتحمل اللجنة الشعبية وحدها ثقل المعركة بينما يقف قسم لا بأس به من اهالي القرية وقفة المتفرج الخنوع، الذي قبل بمصيره المحتوم دون اي مقاومة تذكر. ومن غير المعقول ايضا ان يدعم عضو البلدية- ابن ترشيحا- المخطط المذكور، متجاهلا مصلحة قريته واهل قريته.

قد يواجهني بعض التراشحة بمقولة "اذا كانت فلسطين بنكبة .. فترشيحا باربعة"، في محاولة منهم لتبرير حالة اللا مبالاة التي تسود القرية في المواجهة مع السلطة. وقد تكون هذه المقولة صحيحة ولكن استخدامها ضمن نفسية انهزامية هو الخطأ بعينه.

يجب ان تكون هذه الجملة محفزا لنا نحو العمل الجدي والدؤوب كي نقاتل على ما تبقى من فلسطين وما تبقى من ترشيحا. ولكي لا تصبح ترشيحا بخمسة او ستة نكبات ولكي تعود لتكون عروسا للجليل كما سمعنا عنها، علينا بالتكاثف وعلينا بوحدة الصف وعلينا بالعمل جنبا الى جنبا، ففي عروس الجليل لا مكان للضعف، وفي عروس الجليل لا مكان للانهزامية، وفي عروس الجليل لا مكان لنفسية الاستسلام، وفي عروس الجليل لا مكان للتفتت، لان عروس الجليل تحفظ مكانة خاصة لاصحاب العزة والكبرياء، اصحاب الكرامة واصحاب الانتماء.


- المستند الرسمي -

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018