25 عاما على اغتياله: ناجي العلي بعيون شبابية

25 عاما على اغتياله: ناجي العلي بعيون شبابية
جدارية لناجي العلي على مدخل مخيم الدهيشة - الضفة الغربية

صدفةً، تجد على أحد رفوف مكتبة المنزل مجلدًا لرسومات ناجي العلي، يستهويك المجلد أكثر من باقي الكتب لأنه يحتوي على رسومات خلافا للكتب ذات النصوص الطويلة والأحرف الصغيرة.

تظنّ، بدايةً، لأنك أيضا ما زلت في عامك العاشر، أنّها رسومات قصص للأطفال مغايرة عن تلك التي تعودت عليها مغمورة الألوان، ورغم الاكتفاء بالأبيض والأسود تتصفح مئات الكاريكاتيرات وتبدأ بملاحظة الشرير ذو الكرش الكبيرة والمؤخرة العارية، وتحزن لحزن "فاطمة" وتتألم لوجع زوجها،  وتسأل عن ذلك الطفل الذي يرفع شارة النصر ويرمي الحجارة على جنود الاحتلال الإسرائيلي لتكتشف، بعد حين، من صديق لك علّقه على صدره بأنّ اسمه حنظلة.

الجيل العربي، الذي ولد بعد اغتيال الفنان الفلسطيني ناجي العلي، يرفض اليوم كاتم الصوت الذي ينكأ جراحنا ويفضح عرينا، جيل حوّل "حنظلة" إلى أيقونة عالمية كرمز للتحرّر والحرية والتضامن العالمي مع فلسطين.

رسومات ناجي موجودة في وجدان الشباب أكثر من أي وقت مضى، وكأن ناجي ما زال معنا ويرافق الشعب الفلسطيني والعربي في مسيرته ونضاله وانتكاساته.

بعد 25 عامًا على رحيله، استطلع موقع عــ48ـرب آراء بعض الشباب الفلسطيني في الداخل لتكشف عن عمق حضور ناجي العلي فينا، وسألنا: متى سيدير حنظلة وجهه؟!


يافا كريم - مجد الكروم: سؤالي عن حنظلة، عن كلّ حياتنا

تعرّفت مبكرًا على ناجي العلي، فرافق معظم حياتي، وكلما كبرت فهمت كم يعطيها معنى، وكم هو حيّ رغم الاستشهاد.

إنه يعني لي أنّ فلسطين بكل زواياها ملك لنا، وأنّها ليست "طبخة على النار" نضيف عليها بعض الملح أو ننقص عنها بعض الماء، إنما هي حق، وهي العشق الحق، فقد أثبت ناجي العلي أنّه عشق فلسطين اكثر من روحه، وأنّ سنواته العشر في فلسطين كانت أهم وأثمن من باقي عمره كاملاً.

"عفواً؛ فإني ميت يا أيها الموتى؛ وناجي آخر الأحياء؛ ناجي العلي لقد نجوت بقدرة؛ من عارنا، وعلوت للعلياء؛ إصعد؛ فموطنك السماء؛ وخلنا في الأرض إن الأرض للجبناء.." تلك كانت كلمات الشاعر احمد مطر في رثاء ناجي العلي.

وحنظلة؛ حنظلة الطفل، حنظلة الشيخ، حنظلة النكبة والنكسة والعار والانكسار والانتماء وحب القضية.. متى سنرى وجهك؟

رأفت آمنة جمال - مصمص: الحناظل التي فينا سترينا إياه

لم يستطع أحد أن يظلّ بيننا مؤثّرًا ومتربّصًا كما ناجي العلي. إنه إحدى البوّابات الّتي من خلالها ندخل كجيل شاب إلى القضيّة الفلسطينيّة متفحّصين معالم هذه القضيّة بصدق وأمانة من خلال الإبداع الّذي قدّمه هذا الشّهيد العظيم.

لقد استطاع ناجي العلي أن يرسم القراءة المستقبليّة لهذا الجيل وللأجيال القادمة من خلال رسوماته الّتي تربط الأجيال الفلسطينيّة والعربيّة ببعضها فتطالع رسوماته كما لو أنّه رسمها البارحة، ليس لأنّ التّاريخ يُعيد نفسه أحيانًا ولكن لأنّه -ناجي العلي- كان قادرًا على الإدراك، فلم يقدّم أعمالًا تُعالج قضايا هامشيّة قد تموت مع الزّمن، بل توغّلت ريشته في صُلب الأزمة والقضيّة.

أعتقد أنّ ثلاثة مبدعين في فلسطين استطاعوا أن يتواصلوا مع الجيل الشّاب من خلال إنتاجهم الأدبيّ والفنيّ حتى بعد رحيلهم قبل سنوات طويلة وهم ناجي العلي، غسّان كنفاني وراشد حسين، الّذين كلّما تأمّلت نتاجهم يصعقك هذا التوازي بين ما قدّموه قبل أربعين وخمسين عامًا وما يجري اليوم.
يحضرني هذه الأيام ما رسمه ناجي العلي منتقدًا حافظ الاسد ونظامه، وما رسمه منتقدًا الفساد في السّلطة الفلسطينيّة والعرب، يحضرني اليوم في ظلّ ما يتعرّض له الفلسطينيّون في المخيّمات في لبنان مثلًا، يحضُرني في زمن إطلاق النّار على الكلمة. فأجد أنّ شيئًا لم يتغيّر.

ولكن ما يعزّي هو أنّ صوت ناجي العلي ما زال مدويّا، لم تجف بعدُ ريشتُهُ. انت لا تطالع حنظلة مرسومًا بقدر ما تسمعه وتطالع ملامح وجهه غير الظّاهرة في رسوماته.

أمّا حنظلة، فسيلفّ ظهرَه حين نؤمن جميعًا بهَمّ وقضيّة ناجي العلي، حين يلفذ كلّ حنظلة داخل كلّ منّا ظهره ليواجه. لقد فهم كثيرون منّا حنظلة خطأ، فظنّوه هاربًا ليكرّسوا مفهوم الهروب داخلهم، لم يفهموا اعتراضه واحتجاجه. وحدنا قادرين على أن يلفّ حنظلة ظهره، بالـ "حناظل" الّتي فينا.

 

أنهار حجازي - طمرة: حين يعود حنظلة إلى فلسطين الحقيقية

كيف ابدأ الحديث عن ناجي العلي؟ لا توجد مقدمات تليق به، ليس اني اجيد التقديس والمغالاة، لكن ناجي كان مميزًا، حتى في موته؛ اغتالوه في يوم 22 يوليو (يوم قبل ذكرى ثورة يوليو المجيدة)، لكنه استشهد في 29 اغسطس، ظلّ رقما صعبًا حتى في موته.

عندما اتحدث عنه امتلأ حبًا، ليس فقط لأنه يذكرني بالوطن، أو اللاجئين، أو فلسطين، بل ايضا لأني طالما شبهته بجدي الذي لم اره يومًا إلا في الصور، ربما هو لا يشبهه أبدا، لكني أردت، منذ صغري، رابطا قويًا مع ناجي العلي.

لم اكن قد ولدت حين استشهد، لم اشهد ميلاد حنظلة، ولا خلود صاحبه. اقول خلودا لا موت، لأن هناك اناس ولدوا ليعيشوا فقط، ولو فنت اجسادهم، يظل ذكرهم حيّا، وناجي العلي منهم، الم يخلف وراءه خيّر ولد؟ حنظلة! "الي بخلف بمتش". عندما انظر إلى رسوماته ناجي العلي، محاوِلة معرفة أيهن ما زالت تناسب وضعنا العربي والفلسطيني وحتى الدولي اليوم، اصدم (دون استغراب او صدمة حقيقية) بأن رسوماته كلها لا زالت تعكس الوضع، كأنه الوضع لم يتغيّر، كأن ناجي لم يمت.

لكن متى يرينا حنظلة وجهه؟ سنراه حين يكبر، وهو لن يكبر إلا اذا عاد الى فلسطين الحقيقية، التي كما رسم ناجي حدود معناها: "فلسطين مش بس الضفة وغزة... فلسطين عندي من المحيط للخليج... و مش من حق أكبر راس انو يتنازل عن شبر من فلسطين".

 

هيثم الشيخ أحمد - إعبلين: مع الثورات اقتربنا خطوة لرؤية وجه حنظلة

أربعون ألف رسمًا كاريكاتوريا وربما أكثر رسمها ناجي العلي عبر مسيرة حياة حافلة بالنكبات، مسكونًا بوجع الأمّة من محيطها الهادر إلى خليجها العامر، لم يعرف محاباة العروش والأنظمة، لم يرَ من الألوان غير الأبيض والأسود، ومن خلال هذين اللونين حفر على جدران التاريخ موسوعة لا تزول ولا تفنى، هو الوليد من رحم الوجع الفلسطيني، محرّك الشاعر برسم كاريكاتوري، الشارح لنظريات بجرّة قلم.

هو "ضمير الثورة"، ما زالت تلك المحاكاة البصرية تحتل الكثير من الوضع الراهن الحلو-المُر بدقة عالية وعبقرية نادرة، حتى من قبل أكثر من ربع قرن يوحي لنا حنظلة أنة مُلهم كل عربي ثائر على الطغيان والحرمان، إنه يعني كل الأحلام البريئة للبشرية بالوطن والسعادة، أحلام الطفولة التي تدير ظهرها للعالم بغضب وعتاب لأنها لم تعد ترجو شيئا من العالم، حنظلة ذلك الخليط العجيب من الأمل واليأس، رمز للعربي المعذب رغم كل الصعاب التى تواجهه فهو شاهد صادق على الأحداث ولا يخشى أحد.

عندما سُئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب: «عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته» الآن وبعد مرور 25 عاماً على إغتيال صاحب حنظلة، أشعر بأننا اقتربنا خطوة من الحلم, صدقوني لقد اقتربنا خطوة من رؤية وجهة حنظلة, الطريق إلى فلسطين ليست بالبعيدة أو بالقريبة، إنها بمسافة الثورة .

ومع الثورات العربية، اقتربنا خطوة من رؤية وجهة حنظلة، حنظلة الذي يكبر فينا يوماً بعد يوم، لنفجّر معاً "ثورة حتى النصر".

____________________________________________________________________________

سيرة ناجي
«ولدت حيث ولد المسيح، في قرية الشجرة بالجليل الشمالي» كان يردد ناجي العلي. بعد النكبة انتقل إلى مخيم عين الحلوة في لبنان... نال شهادة الإعدادية، ولم يداوم في الأكاديمية اللبنانية للرسم إلا شهراً، إذ أمضى وقته في السجون. اكتشفه غسان كنفاني ونشر أحد رسومه في «الحريّة».

سافر عام 1963 إلى الكويت ليعمل في مجلة «الطليعة»، ثم انتقل إلى جريدة «السياسة». وهنا سيولد حنظلة ذو العشر سنوات «الذي لن يكبر إلا عند عودته إلى فلسطين». في عام ١٩٧٤عاد إلى بيروت ليلتحق بجريدة «السفير» حتى 1983. بعدها هاجر إلى الكويت، ليعمل في جريدة «القبس»، لكنّه أبعد مجدداً إلى لندن عام ١٩٨٥ بسبب نقده الحاد للأنظمة العربية والقيادة الفلسطينية. في بريطانيا عمل في الطبعة الدولية من «القبس»، ويمارس نقده الذي لا يرحم أحداً حتى اغتياله صيف ١٩٨٧. أصدر ثلاثة كتب (1976، 1983، 1985) ضمت رسومه المختارة.

وكان يتهيأ لإصدار كتاب رابع، لكنّ رصاص القتلة حال دون ذلك. انتخب رئيساً لرابطة الكاريكاتور العرب عام 1979. وفي 1988، منحه الاتحــاد الـدولي لناشري الصحف في باريس جائزة «قلم الحرية الذهبي».

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018