طلابٌ بين الزنزانة والمقعد الدراسي

طلابٌ بين الزنزانة والمقعد الدراسي
ضياء وعرفات

سنويًا .. تستقبل وتخرج جامعة بيرزيت آلاف الطلاب، وهي جامعة فلسطينية تتربع على قمة جبل في بيرزيت، البلدة الصغيرة الهادئة المعروفة بانتمائها الوطني، والتي يشكل الطلاب نسبة كبيرة من قاطنيها. يجهل الكثيرون ماذا يدور بهذا المربع الجغرافي الصغير الذي يضم شريحة كبيرة من المجتمع الفلسطيني، يمكن من خلال نظرة بسيطة إلى نتائج الإنتخابات الطلابية مثلاً، التنبؤ بالخارطة السياسية التي ستقبل عليها البلاد، ولأجل أهمية هذه الجامعة التي خرّجت عشرات القادة السياسيين كالعياش يحيى والتي عُرفت باسم جامعة الشهداء، يُقدم الاحتلال على سياسات مجحفة بحق طلابها.



عرفات البرغوثي طالب جامعي في السنة الأكاديمية العاشرة! ناشط في القطب الطلابي الذي يضم القوى اليسارية الفلسطينية، تعرض للاعتقال أربع  مرات ومجموع ما قضاه في سجون الإحتلال يبلغ ستة سنوات.

يتأمل عرفات وجوه الطلاب الجالسين على يمينه ويساره في قهوة الجامعة المركزية ، ويأخذ من سيجارته نفسًا طويلاً ينفث دخانها في هواء مختنق ويبدأ بسرد قصته: كان ذلك في عام 2004، عندما قطعت ثلاثة  أشهر كاملة في الدراسة اعتقلت من المنزل كان هذا الاعتقال الأول..مدة 22 شهرًا في السجن. عند خروجي فورًا قررت معاودة الدراسة، إلا أن الاحتلال عاود اعتقالي مرة أخرى في سنة 2006 لمدة عشرة أشهر.. ثم خرجت من السجن، فعاودوا اعتقالي مرة أخرى عام 2007 لمدة سنتين ولمّا خرجت، تم اعتقالي للمرة الرابعة في عام 2009 لمدة سنتين أيضًا.

يبدو أنك كنت مشاغبًا، أقول له ذلك وأنا أضحك فيفاجئني برده: لا أعرف ما هو مفهوم المشاغبة حين تجمعينه مع العمل الطلابي أستغرب حقًا من دولة فيها النقابات العماليّة والطلابية كدولة الاحتلال، وحين نقوم نحن بأنشطة طلابية داخل الجامعة لا علاقة لها بالقوى السياسية خارجًا يتم اعتقالنا.. إنها مهزلة.

يرتشف قهوته المُرة التي اعتاد كل صباح أن يشربها في الجامعة على هذه الطاولة تحديدًا، فأتوجه له بالسؤال عن تأثير السجن النفسي والإجتماعي عليه فيستدرك مجيبًا: إنكِ تفتحين الجُرح على سعته، يبدو أنك تريدين تذكيري بالألم..وهل نسيته؟ طبعًا لا !.. إنه ينخر في قلبي وعقلي، عندما خرجت من السجن إلى الجامعة وجدت هوة حقيقية، فجوة بيني وبين طلاب الجامعة، تخيلي أنني في الثلاثين من عمري وإلى جانبي طالب في العشرين من عمره، وإذا قلنا أن العمر مجرد قيمة كمية لا أكثر، فما بالك بإنسان قرأ آلاف الكتب في السجن وعاد إلى المجتمع الجامعي بين طلاب لا يفقهون شيئًا، إنها غربة ومنفى داخل الوطن لا يمكن اجتيازهما بسهولة.

ما أكثر ماعلق في بالك من تلك الكتب التي قرأت؟
لقد تعاملت مع السجن على أنه سنوات دراسة في الجامعة، فكنت أقرأ في السياسة والأدب والدين والفلسفة، وأكثر ما أحببت هي تلك الكتب التي تحاكي حركات التحرر في العالم.
 
أقاطعه: كيف أثرت معرفتك أنت والسجناء الذين كانوا معك وخرجوا من السجن على حياة ما بعد السجن.. هل حاولتم تطبيق ما تعلمتموه في السجن على المجتمع الفلسطيني في بلداتكم؟

يجيب: إن الظروف المكانية والواقع الفلسطيني كانت أكبر بكثير من استغلال الخبرة وإنتاج أشياء جديدة أو ابتكار طرق للتأثير على المجتمع، فالإنتفاضة الثانية وبعد ذلك الانقسام في الشارع الفلسطيني بين فتح وحماس، أثر بشكل كبير على الفلسطينيين، وربما لمْ يعودوا اليوم يثقون بالحركات السياسية الموجودة على الشارع.

أنت تعرف أن أي نشاط داخل أو خارج الجامعة ينخرط فيه الطلاب الجامعيون لا بد أن يعرضهم في ظل الاحتلال إلى الإعتقال والسجن، كيف تقنع الطلاب بأهمية ما يقومون به من عمل وطني إلى جانب دراستهم الجامعية ؟

الإنسان بين خيارين، إما أن ينظر إلى مصلحته الفردية، وبالتالي لن يتم اعتقاله وإمّا أن يفهم أن السجن هو ضريبة النضال وهو تحصيل حاصل له، وعلى أي انسان لديه رسالة يريد أن يقدمها أن يفهم عمق ما يقوم به، وأنه يصب في المصلحة العامة. ليس المهم أن يكون الطالب نشيطًا سواء في العمل السياسي او الطلابي، وإنما أن يدرك أن الأهمية تكمن فيما بعد السجن، لأن تجربة السجن يمكن أن تكسر الإنسان من الداخل وبالتالي سيتردد عن الإقدام على أية خطوة يجرمها الاحتلال وهذا امتحان حقيقي لكل انسان.

يقترب من الطاولة التي نجلس عليها طالب آخر، إنه في سنته الرابعة في الجامعة، تذكرك مشيته"بأبو الخيزرانه" بقامته الطويلة الفارعة، أحد ابطال رواية رجال في الشمس، يجلس إلى جانبنا وينضم فجأة إلى المكتوب؛ إنه الطالب ضياء الحروب من مدينة الخليل يتذمر قائلاً : لا أحب تذكر السجن..أستفزه فيبدأ بالحديث :
في السنة الثالثة من الجامعة، نهار الثامن والعشرين من آب 2010 كنت في سيارة الأجرة، عائدًا من الجامعة إلى الخليل ومعي أختي الوحيدة، ويبدو أن "اولاد عمنا" كانوا قد نصبوا لي كمينًا بين القدس والخليل، حيث كانوا قد عرقلوا حركة السير وأوقفوا عشرات السيارات، وعندما وصلت السيارة إلى المكان، تقدم الجنود وسألوا عني فنزلت، قاموا بتفتيش حقائب جميع الركاب، وعلى وجه الخصوص حقيبة أختي ثم طلبوا هويتي وقاموا بتعصيب عيني وتكبيل يدي ومن ثم فتحوا الطريق لتكمل السيارات سيرها. بعد ذلك رموني لمدة نصف ساعة على طرف الشارع وتجمهروا حولي ثم عادوا بعد ذلك وحملوني ليضعوني في جيب الجيش.

كانت على ما يبدو فترة تبديل الوردية بين الجنود، لأنني سمعت أصواتا مختلفة، وسمعت مجندة تصرخ بالعبرية التي أفهم منها القليل بأنها ترفض الجلوس بجانبي لأنني "عربي قذر". وصلت بعد ذلك إلى المسكوبية.. انتظرت نحو نصف ساعة فقدم أحد المسئولين ورمى كيسا فيه لباس السجن وطلب مني أن أخلع ملابسي فرفضت فقام خمسة سجانين بضربي وأجبروني على خلع ملابسي، ثم أخذوني إلى عيادة السجن وكان هنالك رجل عجوز يدخن داخل العيادة، لم أعرف أنه الطبيب إلا بعد أن بدأ بتوجيه أسئلة عما إذا كنت أعاني من مرض مزمن أو خضعت لعملية جراحية من قبل وبعد ذلك سلمني الجيش لإدارة السجن نهائيًا وبدأ فصل التحقيق الذي أمتد لأكثر من 72 ساعة، وهي مدة تتجاوز المسموح به في القانون، ولعلمك فقد حققوا معي ويدي وساقي مربوطة إلى كرسي.

وماذا كانت قضيتك؟: في البداية كانت التهمه عن علاقة بخلية تتشكل من أجل تنفيذ عمل ما بالتزامن مع الذكرى السنوية لاغتيال أبو علي مصطفى.. والحق أنني لا أعلم عمّا كانوا يتحدثون وأنكر، كما أنكرت في السجن أية معرفة لي بمثل هكذا أمور..وبعد ذلك تحول مجرى التحقيق عن العمل الطلابي في جامعة بيرزيت! تخيلي من العمل العسكري إلى العمل الطلابي !...لم أسمع قبل اليوم عن بلد يجرّم العمل الطلابي الذي لا علاقة له بالعمل السياسي الخارجي.

تم الحكم عليّ لمدة سنة مع وقف التنفيذ لمدة خمس سنوات وتم منعي من السفر، لكنني عدت إلى الدراسة مع إصرار أكبر، فعلاماتي الجامعية ارتفعت بعد السجن، إن الاحتلال يقصد من السجن تفريغ الإنسان من محتواه الإنساني وتفريغ المناضل من محتواه النضالي، أنا أخجل أمام بقية السجناء لأن المدة التي قضيتها هي نقطة في بحر ما قضوه. أرد على السجن والسجان بأنني أحب الحياة مع أنه في أي لحظة من الممكن أن يتم اعتقالي إلا أن السجن عرّفني على معنى الحرية، إن لهذه الكلمة قيمة لن يعرفها إلا من فقدها.

يضيف ضياء أخيرًا؛ لو أنك أجريت نظرة سريعة فقط على طاولات القهوة ستجدين عشرات الطلاب مثلي، ولن تتسع الصحيفة أو الكتب لقصصهم، رسالتي إلى المسئولين أن لا يتركوا الأسرى لوحدهم، فالأسير في سجنه يعرف قيمًا لا يعرفها هؤلاء، ومعاني لن يدركها أي منهم، لأنهم لمْ يحرموا منها مثله، صحيح أنّ وزارة الأسرى تقوم بدفع نصف الأقساط الجامعية عن الطلبة الذين قضوا في السجن مدة تجاوزت الستة شهور، إلا أن الأسير لا يحتاج فقط الى دعم مادي، يجب أن تتشكل المؤسسات التي تدافع عن المظلومين كي لا يحرموا لا من الدراسة ولا من الحياة التي هي من حق كل إنسان.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018