العلاج المعرفي السلوكي... معانٍ ودلالات وسبل علاج الإنسان

العلاج المعرفي السلوكي... معانٍ ودلالات وسبل علاج الإنسان
أمل محسن (عرب 48)

في عصر العولمة والسرعة والتحديات وما ينجم عنها من تداعيات على حياة الإنسان، كثيرا ما يتم الحديث عن سبل الوقاية والتحصن مما يواجه الإنسان من ضغوطات في حياته اليومية ليتسنى له مواجهة الاضطرابات التي قد تنعكس سلبا على سلوكه وأدائه وحتى نفسيته، أو حتى كيف يمكن تخطى العراقيل والحواجز النفسية لمواصلة المسيرة الحياتية، على الصعيد الشخصي، العائلي، الاجتماعي والمهني.

لا يقتصر ذلك على فرد أو شخص دون آخر، بل بات الجميع من أجل التخفيف من التوتر والضغوطات النفسية ولتحسين الوضعية النفسية والاتزان النفسي بحاجة إلى العلاج المعرفي السلوكي.

ولتسليط الضوء على هذا العلم التقينا مديرة عيادة "نور الأمل" أخصائية العلاج المعرفي السلوكي، أمل محسن، من قرية جت المثلث لتشرح وتستعرض معاني ودلالات العلاج المعرفي السلوكي وأهميته للإنسان، وما الذي يتوقعه خلال رحلة العلاج؟ وكيف يمكن للمعالج والمختص زيادة فعاليته؟ خاصة وأن هذا العلم بات نوعا شائعا من العلاج النفسي، الذي يساعد الإنسان في مختلف المراحل العمرية والأجيال في إدراك التفكير غير الدقيق أو السلبي، بحيث يمكن أن يرى المواقف الصعبة بوضوح ويتعامل معها بطريقة أكثر فعالية وأفكار إيجابية.

قبل الخوض بالعلاج المعرفي السلوكي، تحدثت الأخصائية محسن عن العلاج النفسي قائلة إنه "العلاج الذي يهتم بنفسية الإنسان، نتحدث عن مصطلح واسع وشامل يتمحور حول تخفيف الاضطرابات النفسية والانفعالية، بحيث من المهم للإنسان بحال خضوعه لأي علاج جسدي أن يلجأ أيضا للعلاج النفسي للتحسين من نفسيته ورفع معنوياته، وهذا يكفل له أيضا التماثل للشفاء من أي مرض جسدي قد يصيبه".

الوعي المجتمعي

وأكدت الأخصائية محسن أن "العلاج المعرفي السلوكي يعد أحد أنواع العلاج النفسي، وعادة ما يكون بشكل منظم ولفترة زمنية محددة، إذ يمكن إجراء العلاج السلوكي المعرفي كشخص إلى شخص، أو في مجموعات مع أفراد العائلة أو مع الأشخاص ذوي المشكلات المتشابهة أو حتى مع مجموعات طلابية للمدارس وللجامعات أو مجموعات لطاقم عمل مشترك، إذ نلاحظ الوعي المجتمعي للعلاج النفسي والذي لا يقتصر على من يعاني من خلل عقلي مثلما كان يعتقد قديما بشكل خاطئ".

وأشارت إلى أنه "عادة ما يشمل العلاج المعرفي السلوكي، تحديد المواقف التي يعاني الإنسان من مشاكل، فمن الممكن أن تكون المشكلة هي حالة طبية يعاني منها المريض، أو طلاق، أو حزن، أو غضب، أو أن تكون المشكلة هي الأعراض التي يعاني منها الإنسان جراء الإصابة بمرض عقلي، وفي هذه الخطوة يقوم المعالج النفسي مع الإنسان بتحديد المشاكل والأهداف التي على الفرد التركيز عليها خلال المعالجة المعرفية السلوكية".

وتابعت أنه "يتم من خلال العلاج المعرفي السلوكي عقد عدة جلسات محددة مسبقا، يقوم فيها المعالج النفسي أو المختص بمساعدة الإنسان ليصبح أكثر وعيا للأفكار السلبية وغير الصحيحة، ومواجهة المواقف الصعبة بطريقة أكثر وضوحا والاستجابة لها بشكل فعال أكثر".

وشددت على أنه "بمجرد تحديد المشكلات التي يريد الفرد أو الإنسان التعامل معها، سيشجعه المختص أو المعالج على مشاركته معتقداته ومشاعره من حولها، وقد يشمل ذلك ملاحظات ما تخبرك بها نفسك حول تجربة معينة، وتعبيرك عن معنى موقف معين، ومعتقداتك حول نفسك، والأشخاص الآخرين والأحداث الأخرى، ويمكن أن يقترح عليك المعالج الاحتفاظ بسجل يشمل معتقداتك. ولمساعدتك في ملاحظة أنماط التفكير والسلوك التي قد تساهم في تفاقم مشكلتك، قد يطلب منك المعالج الانتباه إلى الردود العاطفية والسلوكية لديك في المواقف المختلفة.

في الجلسة العلاجية الأولى، سيقوم المعالج عادة بجمع المعلومات حولك وسيحدد ما يهمك لكي يتعامل معه، ومن المحتمل أن يقوم المعالج بالسؤال عن صحتك الجسدية والعاطفية الحالية والماضية للتعرف بشكل أكثر على حالتك، كما سيرغب المعالج أيضا في معرفة هل ستستفيد من طريقة علاج أخرى مثل الأدوية أم لا، قد يستغرق ذلك جلسات قليلة لكي يفهم المعالج حالتك ومخاوفك بشكل كامل، ولتحديد أفضل سبل للعمل والعلاج".

التوزان النفسي

تعد الجلسة الأولى، حسب أخصائية العلاج المعرفي السلوكي، فرصة للإنسان للتحدث إلى المعالج لمعرفة هل هذا الشخص هو الأفضل لك أم لا، فالكثير طور ويهتم بفكرة العلاج النفسي، مثلما يوجد صحة جسدية، وقالت محسن إن "هناك صحة نفسية، فالإنسان بغض النظر عن جيله وفئته العمرية عرضة للاضطرابات النفسية والذهنية، وعليه هو بحاجة للعلاج من أجل التوازن النفسي لكي يتنسى له مواجهة التحديات والصعوبات في حياته اليومية".

لا يخفى مدى الفائدة التي يجنيها الإنسان من العلاج السلوكي المعرفي، فمرضى الاكتئاب، ومرضى اضطراب ما بعد الصدمة، وحتى مرضى اضطرابات الأكل استفادوا من جلسات العلاج السلوكي المعرفي، كما يمكن، أكدت محسن، "لغير المرضى أن يستفيدوا من العلاج السلوكي المعرفي أيضا، فالعلاج يساعد على مواجهة مواقف الحياة المجهدة بشكل أفضل. فكل إنسان عرضة للاضطرابات النفسية والتوتر والقلق، وقد يؤدي ذلك لزعزعة الإنسان ثقته بنفسه وبذاته، ومن المهم أن يعرف الإنسان بوجود علاج لهذه الإضرابات بغية الوصول للتوازن النفسي".

يعتمد العلاج على بالأساس على النموذج الإدراكي، حيث يعتمد على طريقة استقبال الإنسان أو الفرد بأي مجموعة اجتماعية، الأسرة، مكان العمل، المدرسة، الجامعة، لحدث معين بشكل مرتبط برد فعله أكثر من التركيز على الحدث نفسه، والجزء المهم في هذا العلاج، بحسب إخصائية العلاج هو "مساعدة الشخص على تغيير أفكاره غير المفيدة، وتغيير سلوكه بشكل ينعكس إيجابا على مزاجه وعمله".

كما ويعد العلاج السلوكي المعرفي طريقة للحديث عن شعور الإنسان والفرد حيال نفسه وذاته بالأساس، وأيضا للحديث حيال الآخرين وحيال العالم والمحيط من حوله، إضافة إلى الحديث عن الأشياء التي تؤثر في مشاعره وأفكاره، وبينت محسن أن "هذا العلاج يركز على المشاكل والصعوبات التي يواجهها الشخص أو الفرد في الوقت الراهن وفي المكان الراهن، أي أنه علاج يركز على الحاضر بدلا من التركيز على الأسباب الماضية التي ربما تكون سببا في ظهور هذه الأعراض على الشخص".

اكتساب الثقة

المعالج سيشجعك على التحدث عن معتقداتك ومشاعرك وما يضايقك، لا تقلق، قالت محسن: "إذا وجدت صعوبة في الكشف عن مشاعرك، يمكن أن يساعدك المعالج في اكتساب المزيد من الثقة والراحة. إذ يركز العلاج السلوكي المعرفي عموما على مشكلات معينة، باستخدام طريقة موجهة إلى الهدف. وبينما تتقدم مع عملية العلاج، قد يطلب منك المعالج القيام بواجب منزلي، أو أنشطة أو القراءة أو ممارسات تعتمد على ما تعلمته أثناء جلسات علاجك المنتظمة، وسيشجعك على تطبيق ما تعلمته في حياتك اليومية".

وبالتالي، أضافت محسن أن "العلاج السلوكي يجمع ما بين العلاج المرضي وعلاج الأفكار والتفكير السلبي والسلوكيات للفرد التي غالبا ما تتسبب سلبية وتصرفات سلبية كذلك دون أن يدرك الفرد ذلك وهنا يحدث الاضطراب النفسي، وعليه يأتي العلاج الذي يهدف لتحسين حالة الشخص العقلية في الوقت الحاضر، لحين الوصول إلى التوازن النفسي لدى الإنسان، ما يمن الراحة النفسية وغياب التوتر وإكساب المهارات والآليات التي من خلال سيشعر الإنسان أو الفرد بالانسجام مع المحيط والبيئة التي يعيش بها، والأهم انسجام الفرد مع الذات والروح والجسد".

كما أن العلاج المعرفي السلوكي، أوضحت محسن، من شأنه أن "يساعد الإنسان ليكسب بداية وعيا تجاه مشاعره وأفكاره ومعتقداته حول هذه المشاكل وكسر الدائرة السلبية من الأفكار والمعتقدات والمشاعر، وأيضا يساعد الفرد على تبديل الأمور لأكثر إيجابية وتفكير داعم بدلا من التفكير الهدام والسلبي.

عندما يقوم الشخص بتحديد المشكلة التي يعاني منها، يساعد المعالج الفرد على مشاركة أفكاره الخاصة تجاه المشكلة، وهذا يتضمن مراقبة الكلام الشخصي الذي يسرده المريض عن تجربة معينة، بالإضافة إلى مراقبة تفسيره للموقف ومعتقداته الخاصة والشخصية عن نفسه وعن الآخرين وعن الأحداث، كما يمكن أن يقترح المعالج على الفرد البدء بتسجيل الأفكار الخاصة به على كراسة أو دفتر خاص".

الطاقة للتعايش

تحديد الأفكار السلبية وغير الصحيحة، اعتبرتها الأخصائية محسن، "خطوة تساعد الفرد على تحديد طريقة التفكير والسلوك التي ربما قد تكون ساهمت في المشكلة، وهنا يحث المعالج النفسي الفرد على الانتباه إلى ردود الفعل الجسدية والعاطفية والسلوكية التي يتخذها في المواقف المختلفة التي قد يتعرض لها".

يمكن للعلاج السلوكي، حسب محسن، أن "يساعد على علاج أعراض الأمراض العقلية ومنع الانتكاسة في ظهور هذه الأعراض، كما يفيد هذا العلاج في بعض الحالات التي يكون فيها العلاج بالأدوية ليس خيارا علاجيا مناسبا، بالإضافة إلى كون العلاج السلوكي المعرفي يساعد الناس على تخطي إصاباتهم بالأمراض الطبية الأخرى، وتعليمهم كيفية السيطرة على أعراض الأمراض المزمنة، ويساعد أيضا في حالات الحزن والخسارة".

قد لا يعالج العلاج السلوكي المعرفي حالتك ولا يساعدك على التخلص من موقف سيء، ولكنه بالتأكيد حسب محسن، "يعطيك الطاقة للتعايش مع موقفك بطريقة سليمة، والشعور بشكل جيد حيال نفسك وحياتك. ويمكنك أن تتخذ خطوات للحصول على أقصى استفادة من العلاج الخاص بك، وأن تساعد في نجاحه، فيكون العلاج فعالا بدرجة أكبر عندما تكون مشاركا نشطًا وتشارك في اتخاذ القرارات، فيعتمد النجاح مع المعالج على رغبتك في مشاركة معتقداتك ومشاعرك وتجاربك، وأن تكون منفتحًا على الرؤى والطرق الجديدة للقيام بالأمور".

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية