الاختصاصي النفسي فرحات: الأخبار المزعجة حوّلت حياتنا لحالات ضغط متواصلة

الاختصاصي النفسي فرحات: الأخبار المزعجة حوّلت حياتنا لحالات ضغط متواصلة
د. كمال فرحات (تصوير "عرب 48")

هل أصيب مجتمعنا العربي بمرض اسمه فقدان السعادة، نتيجة انكشافه وتعرضه بشكل يومي لأخبار مزعجة ومقلقة متواترة تصل هاتفه الخليوي أو ينكشف عليها في شبكات التواصل الاجتماعي والتلفاز وغيرها من وسائل الإعلام؟

وهل ازدياد الأمراض العضوية وحالات السكري وقرحة المعدة والصداع النصفي لها علاقة بالأخبار المزعجة التي ننكشف عليها كل يوم وكل ساعة؟

عن هذه الأسئلة وغيرها أجاب الاختصاصي النفسي، د. كمال فرحات، من مدينة حيفا والذي يدير وحدة العلاج النفسي في مستشفى الناصرة، في حديث خاص لموقع "عرب 48".

"عرب 48": بداية، هل نحن نعيش في حالات ضغط نتيجة الأخبار المزعجة التي تصلنا تواترا؟ 

د. فرحات: "نحن لا نستطيع أن نعيش في بيئة معزولة وخالية من الضغوطات، وخلق الله جسم الإنسان من الناحية التشريحية والتركيبية والهرمونية مع منظومات قادرة على مواجهة حالات الضغط الدائم، وحالة الضغط الأولى التي شهدتها البشرية منذ آدم وحواء حين رأى كل واحد منهما نظيره عاريا وحاول كل منهما الغروب عن وجه الآخر وستر عورتهما بأوراق الشجر وهذا يعكس حالة ضغط وارتباك. بمعنى أن الضغوطات والتوترات هي جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية. وكما قلت إن هناك منظومات في الجسم جاهزة لكي تجعل الجسم يتصرف بشكل مختلف في حالات الضغط، أبرزها ضخ الدم بصورة أكبر، وتسارع النبض، لكي يصل الدم إلى العضلات وإلى الدماغ بشكل يمكنه من التعامل مع الحالة الطارئة".

وقال د. فرحات، إن أي جسم في حالة تأهب مستمر للتعامل مع حالات الضغط الطارئة، ومن أجل تجاوز حالة الضغط تقوم المنظومات الدفاعية بالعمل معا، وتحدث هناك إفرازات لهرمونات، وهذه الإفرازات مهمة للحظة الضغط لكي تمكن الإنسان من مواجهة حالة الضغط والتعامل معها بوسيلتين، إما المواجهة أو الهروب (fight-or-flight) وهو مصطلح معروف في علم النفس.

وضرب مثلا، حين يقود السائق سيارته بهدوء وطمأنينة، وفجأة يرى شرطيا يشير له بالتوقف، عندها تبدأ هذه المنظومات بالعمل ويشعر السائق بحرارة في جسمه ووجهه، وحين تتوقف ويقول لك الشرطي بأنه لا يقصدك وتواصل السير فإن المنظومة الدفاعية تحتاج إلى وقت حتى تهدأ وتعود إلى وضعها الطبيعي في حالة الراحة أو في الحالة الاعتيادية. ويقصد د. فرحات أن هناك إفراز هرمونات مثل "سيراتونين" و"دوبامين"، وغيرها من الهرمونات التي تسمى معا بمنظومة الأدرينالين التي تجعل الجسم قادرا على التعامل مع اللحظة الطارئة، من حيث ضخ الدم إلى العضلات والدماغ لتكون قادرة على الهرب أو المواجهة، وزيادة نبض القلب لنقل الدم بكمية كافية إلى أجهزة الجسم، وتنفس سريع لتزويد الجسم بكمية كافية من الأكسجين.

كانت تلك مقدمة حاول من خلالها د. فرحات الربط بين تواتر الأخبار المزعجة يوميا، التي تصلنا بكميات كبيرة عبر الهاتف الخليوي من شبكات التواصل الاجتماعي. هنا جريمة إطلاق نار، وهناك حادث سير مروع، وفي مكان ما غرق طفل...

وقال د. فرحات "إنه كلما دخل الإنسان في حالة ضغط ومن ثم واجهها بشكل أو بآخر يعود الجسم إلى وضعه الطبيعي". وعاد إلى نموذج الشرطي الذي استوقف السائق، وأضاف: "تخيل إنه استوقفك أول مرة، وسمح لك بمواصلة السير، وبعد دقائق استوقفك آخر ومن ثم ثالث ورابع عندها يفرز الجسم الأدرينالين بشكل مستمر، بمعنى أن كل الوقت النبض مرتفع والمعدة تزيد من إفرازاتها والعضلات متوترة والدماغ متأهب عندها يكمن الخطر، لأن الجسم لديه طاقة وقدرة معينة على إفراز هذه الهرمونات، فبعد فترة زمنية يرافقها ضغط وتوتر وإفراز للأدرينالين تفرغ مخازن الهرمونات، ويصل الإنسان بعدها إلى حالة من الإحباط الجسماني والإحباط النفسي، ويبدأ الإنسان يرى الحياة بصورة قاتمة وسوداوية. وهذا ما نعيشه في بلادنا وفي منطقة الشرق الأوسط. فقبل سنوات كنا حين نجلس أمام التلفزيون ننكشف على الأخبار المزعجة وكان بإمكاننا في حينه أن نغلق التلفاز أو ننهض من أمامه أو ننتقل لمشاهدة محطة أخرى، بمعنى أنك كنت تحمي نفسك من الأخبار المزعجة، أما اليوم ففي عهد الهاتف الخليوي فإنك طوال الوقت أمام إنذارات الخطر والقلق والانزعاج وهذا أخطر ما يمكن أن يكون".

"عرب 48": لماذا؟

د. فرحات: "لأن هذه الهرمونات التي تفرز في حالات الضغط مثل 'كورتيزون' على سبيل المثال، هو هرمون مسبب للسكري وقروح المعدة، فكلما ارتفعت نسب الكورتيزون في الجسم ازداد خطر عدم توازن السكر، وازدادت الإفرازات في المعدة المسببة للقروح، أو هرمون 'سيراتونين' الذي يسبب الصداع والصداع النصفي المزمن، الشقيقة 'ماغرينا'. أما على المستوى النفسي فإن حدوث نقص في هرمونات الأدرينالين وهرمونات السعادة، تجعل الإنسان يدخل في حالة إحباط وقد تصل حد الاكتئاب أو التخوف المزمن لأننا اعتدنا على سماع خبر سيء كل ساعة. وكلما وصل إلينا الخبر يصبح الحال أسوأ، والأسوأ من كل ذلك أنك تطور طريقة تفكيرية سلوكية تترقب حدوث أمر سيء كل لحظة".

"عرب 48": ما الحل؟

د. فرحات: "هناك وسائل دفاعية سكيولوجية نستعملها دائما هي 'العزل" بمعنى الانفصال الذاتي عن التعرض لهذا التيار الكهربائي الذي يصدمك طوال الوقت. هناك وسيلة عزل أخرى لدى الإنسان تكمن في التخلص من الأفكار السلبية، فإذا كنت في كل مرة قبل خروجك من البيت تفكر في أن عطب ما سيحدث في السيارة أو أنك ستتعرض لحادث سير أو أنك لن توصل أولادك في الوقت إلى المدرسة أو غيرها من الأفكار السلبية فإنك في هذه الحالة لا تبرح المنزل! لذلك فإن جاء مصطلح 'الإنكار والعزل' وهو ما يجعل الإنسان ينهض متفائلا إلى حد ما ويتنكر لواقعه المليء بالأحداث المزعجة من أجل أن يستطيع أن يزاول أعماله اليومية، ولكن لا يستطيع الإنسان أن يعيش كل حياته في حالة 'الإنكار والعزل' والتنكر لواقعه وهو خائف ومتوتر، فعندها لا يعود هذا المصطلح فعالا، ويصبح الإنسان يرى كل الظروف المحيطة به الكبيرة منها والصغيرة كعوامل مهددة".

"عرب 48": هل هناك حد فاصل بين الحالة النفسية السيئة وبين حالة الاكتئاب؟

د. فرحات: "الاكتئاب نوعان: السلوكي والطبي، وفي الحالتين يؤثر الاكتئاب على هرمونات السعادة، هذه الهرمونات تتأثر بعدة عوامل اجتماعية واقتصادية وغيرها، وكل ناقوس خطر يحفز هذه الهرمونات، وكلما كثرت نواقيس الخطر فإنها تفرغ مخازن هذه الهرمونات، وعندها يدخل الإنسان إلى نفق الاكتئاب أو بارانويا والإحباط واليأس والكآبة. وعندما يدخل الإنسان في واحدة من هذه الحالات يصبح بحاجة إلى تناول أدوية تعمل على إعادة تركيز هذه الهرمونات إلى الحالة التي كانت عليها من قبل. هذه الأدوية ليست مهدئات وإنما هي أدوية تستهدف الخلايا المسؤولة عن هذه الهرمونات وتحاول تركيز هذه الهرمونات بين الخلايا التي كانت موجودة فيها. هذا على الصعيد البيولوجي (الطبي) فإن ضخ الجسم لهذه الهرمونات مرة بعد مرة مع سماع كل خبر أو تحفز أو تفرغ وتضعف مخازن الهرمونات. أما على الصعيد السكيولوجي (النفسي) فإن هناك قانون 'الاشتراط' السلوكي بمعنى أنك اعتدت على حالة من الضغط كشرط أساس في حياتك اليومية، فإن الإنسان يكوّن في نفسه 'اشتراط داخلي' لأجواء مشحونة بالضغوطات والتهديدات. وهنا نلاحظ أن الجانب البيولوجي والجانب السكيولوجي والتشريحي والسلوكي كلها تكمل بعضها البعض وتتأثر من الضغوطات، ومن المفاجآت المزعجة بغض النظر من تكون الضحية وأين يكون موقع الحدث. وللأسف، شرقنا الأوسط وبلادنا ومجتمعنا مليئة بهذه الأحداث لدرجة أننا ما عدنا نرتاح حتى في سفرنا وأثناء تواجدنا خارج البلاد أو برحلة نقاهة أو في عطلة أو فرح، ويصبح لدينا هاجس العودة إلى الظروف السيئة المهددة والتوتر والقلق. هذا القلق موجود أيضا لدى الأهل على الأولاد وهم في المدرسة وهم يسهرون مع الأصدقاء وهم يسيرون في الشارع، فيكاد ينعدم الفكر الإيجابي في مجتمعنا، ففي الحالة الطبيعية يحب الأهل أن يروا أولادهم وقد كبروا ونضجوا واعتمدوا على أنفسهم، بينما في الحالة غير الطبيعية التي نعيشها فإن خوف الأهل وقلقهم على الأولاد يكبر كلما كبروا... الخوف من التعرض إليهم في الطريق، ومن ارتكابهم حماقة مع شخص خطر، من السهر خارج المنزل. وهنا نرى أن بلوغ الأبناء سن الرشد أصبح هاجسا سلبيا في مجتمعنا".

"عرب 48": كيف تربط هذه الحالات النفسية بالأمراض العضوية؟

د. فرحات: "كما ذكرت لك في السابق فإن الأمراض الـ'بيسخوسواتيك' ومنها أمراض تصيب الجلد، والأزمة (ضائقة التنفس) والقلب والمعدة، آخذة في الازدياد في مجتمعنا نظرا لأن الهرمونات تزيد من مادة 'كورتيزون' وهو واحد من المسببات لمرض السكري والضغط وقرحة المعدة".

"عرب 48": هل يكمن الحل في الانعزال والتنكر للواقع والنأي بالنفس عن مصادر الأخبار المزعجة؟

د. فرحات: "في الواقع حتى لو حاولت لوحدك التنكر للواقع فإنه يلاحقك... يجب أن يكون التنكر جماعيا، لأنك لو أردت التنكر لواقعك فإنك حين تذهب إلى العمل لا تجد زملاءك يتحدثون عن ورد الربيع والمطر والثلج! بل يتحدثون عن جريمة الأمس وغرق الطفل وسقوط العمال في ورشات العمل ووو... وللأسف، اليوم، كل المجتمع مُسمّم بالأخبار المزعجة. وحتى لو أردت الهرب إلى الوحدوية أو إلى الأصدقاء فإن هذا ستجده غائبا عن مجتمعنا. وأكثر من ذلك أقول إنه حتى في الأعراس تكاد لا ترى شخصا مسرورا، بل أصبحت عبئا اجتماعيا واقتصاديا، قد لا تجد الوقت أو لا تجد الميزانية للمشاركة في الفرح إذا صحت تسميته بالفرح".   

  

 

 

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية