التسوّل في غزّة.. مهنة البطالة والحاجة والفقر

التسوّل في غزّة.. مهنة البطالة والحاجة والفقر
(أ ب أ)

ينتشر أكبر عددٍ من المتسولين في مدينة غزة عند مفترق السرايا وسط المدينة، الذي يعتبر أكثر نقاط السير ازدحامًا، يقفون على أقدامهم أو يجرون أنفسهم على كراسي متحركة إلى أبواب السيارات عند توقف الإشارة، يتوزعون في الاتجاهات الأربعة مثل "أرجل الأخطبوط المترامية" كما يصفهم أحد سائقي سيّارات الأجرة الذي كان يقود بِنا إلى البيت في مساءٍ صيفي حار في غزة. يستخدم هؤلاء المتسولون وسائل مختلفة للحصول على المال والتبرعات من المارّة يغلب عليها رسم صورة الانكسار والضعف في مشهد مؤلم للأيادي البريئة الممتدّة مع صوت مرتجف ودعاءٍ لا ينتهي، سواء من سيدات أو رجال أو حتى أطفال: "الله يوفقكم ساعدوني .. الله يوفقكم بس شيكل".

بين هذه الدعوات تنام حكايات متفرقة للمتسولين الّذين يخرجون من منازلهم أفرادًا أو عائلات بأكملها، ينتشرون بين المحالات التجارية وإشارات المرور، وعلى أبواب المساجد، وغالبًا ما يذهبون إلى أماكن بعيدة عن مكان سكنهم، فيذهب المُقيم شمال غزة إلى جنوبها والعكس، لتجنب الحرج الذي قد يقعون به. يختلف ظنّ الغزّيّين حولهم، منهم من يرى أن الوضع الاقتصادي السيّئ هو السبب الأساسي لهذه الظاهرة، وآخرون يرون أنه يتم استغلالهم لاسيما الأطفال والنساء منهم ويشككون في مصداقيتهم في طلب المساعدة، وقصص كثيرة تختزلها هذه الأيادي الممددة على قارعة الطرقات.

تسوّل بالنّعنع

يزدحم كورنيش بحر غزّة بوفود من المتسولين: أطفالٌ لا تزيد أعمارهم عن عشر سنوات، ونساء في العشرين من عمرهنّ غالبًا ما يُغطين وجوههن بنقاب أو خمار، ورجال كبار في السن تتجاوز أعمارهم الستين، يزيد إلحاحهم لطب المساعدة كلما أبعد عنهم المارة وتجاهلوا مساعدتهم. 

عبد العزيز طفل في العاشرة من عمره التقته مراسلة "عرب ٤٨" على كورنيش غزة، وسألته عن السبب الذي دفعه للتسول، فأجاب: "أبي عاطل عن العمل، ما يضطرّني للنّزول مع إخوتي إلى الشارع وطلب المساعدة من الناس لتأمين احتياجنا اليومي، وأشعر بالخجل عندما أمد يدي للناس" وقطع حديثه ضاحكًا: "بعصر ع حالي ليمون عشان نوفر أكلنا".

يخبرنا عزيز، كما يحبّ أن يُنادى، أنّه عاد ذات مرّة إلى منزله باكيًا لأخيه الأكبر بسبب سوء معاملة الناس له، فما كان من أخيه إلا أن أخبره أنه إذا بقي بهذا اللين و"الدلع" فلن يفلح في حياته، ثمّ اقترح على والده أن يشتري بعض ضُمم النعناع لعرضه للبيع على الناس بدلًا من مد يده لهم مباشرة، وإذا لم يتجاوبوا معه سيضطر هو للتسول مباشرة. 

الظاهرة في تزايد

وأكّد الناطق باسم الشرطة في غزة، أيمن البطنيجي، لموقع "عرب 48" أنّ "هذه الظاهرة تكبر يومًا بعد يوم"، وبيّن أنّ كثيرًا من الأهالي يجبرون أطفالهم على التّسوّل، مبيّنًا أنّه "سبق وأن قمنا بحملتين للحد من ظاهرة التسول خاصة عند الأطفال، وتأكدنا أن ذويهم يجبروهم على ذلك، أوقفنا بعضهم وقابلنا ذويهم وتعهدوا بالتوقف عن استغلال أطفالهم لأجل ذلك". 

أيمن البطنيجي

ويجرّم القانون الفلسطيني امتهان التسول، إلّا أنّ هذه القوانين شبه معطّلة، أو على الأقلّ يتم تجاهلها ومغافلتها لأسباب مختلفة، منها مراعاة الظروف الاقتصادية السيئة. وأوضح البطنيجي أنه لا بد أن يكون هناك متابعة بالرغم من كل هذه الأسباب وأنه: "سيكون متابعة بشكل أدق لظاهرة التسول خلال الفترة القادمة خاصة بعد كثرة الشكاوى"، وأكد على ضرورة الحد منها ومن أنها قضية اجتماعية وإنسانية بالدرجة الأولى وليست على علاقة مباشرة بالشرطة فقط، مطالبًا الجميع بالمساعدة في الحد منها.

استغلال 

قد يبدو الأمر بسيطًا في مظهره الخارجي، لكن المُتابع لتفاصيل الطريق التي يقصدها المُتسولون الأطفال منهم خاصة يعرف كيف يتم استغلالهم من أشخاص يُشغلونهن مستغلين حاجتهم للمال، وهذا ما أكده طفل الكورنيش عزيز، وهو يُخبئ عينيه بكيس بلاستيكي أسود خجلًا، مُتحدثًا عن شخصٍ يُدعى علي، يجمعهم في مجموعات ويوزعهم على أماكن مختلفة للتسول فيها ويجمعهم في نهاية اليوم في ذات النقطة، يأخذ هو النصف ويعطيهم النصف الآخر، قبل أن يهرب مسرعًا في ذات اللحظة التي كانت فيها الشمس تهرب خلف البحر الطويل المُمتد على ساحل غزة، تاركًا تقريرنا مع أسئلة أخرى كثيرة.