العراقيات في الاحتجاجات يخرجن عن المألوف

العراقيات في الاحتجاجات يخرجن عن المألوف
نساء عراقيات يشاركن في الإحتجاجات الشعبية (أ ب)

أثارت مشاركة النساء إلى جانب الرجال في الاحتجاجات الشعبية في العراق، جدلًا بين العراقيين، إذ اعتبر البعض أن مشاركتهن شكّلت ملامح انقلاب اجتماعي في بلدٍ محافظ بغالبيته، تسيطر عليه إلى حد كبير أحزاب دينية.

وعجّت ساحات الاعتصام خلال الأشهر الماضية بنساء تظاهرن، وأسعفن مصابين، وكتبن على الجدران، ورسمن وشومًا على أكتاف وأذرع الشبان، وشاركن في حلقات نقاش وحلقات موسيقية.

وسار الشبان والشابات من مختلف الفئات الاجتماعية جنبًا إلى جنب، وذرفوا الدموع معًا بعد فقدان زملائهم في المواجهات التي قتل فيها المئات، ويلخّص أحد المتظاهرين واقع التظاهرات في بغداد بقوله "ساحة التحرير تجعلنا نحلم"، وذلك تعليقًا على وقوع صديقه سائق عربة "التوك التوك"، في حب مسعفة تنتمي إلى عائلة مرموقة.

(أ ب)

وتردّدت عبارات "إلغاء الطبقية" و"إزالة الفوارق" على ألسنة المحتجين وفي وسائل التواصل الاجتماعي.

وأعلن أحد المتظاهرين، في العاصمة العراقية بغداد، عن خطوبته من فتاة تعرّف عليها خلال الاحتجاجات الشعبية التي تطالب بإسقاط النظام، والتي عجزت حتى الآن عن إحداث تغيير سياسي كبير، إلا أنها نجحت في كسر محرمات اجتماعية عدة.

وقال علي خريبيط البالغ من العمر 28 عامًا، والذي حضر حفل خطوبة صديقه العفوي، إنّ "استقالة حكومة عادل عبد المهدي هي هدف المتظاهرين الوحيد في مرمى السلطة حتى الآن، لكن الشخصية التي كُلفت بتشكيل حكومة جديدة هي من النظام نفسه، أما اجتماعيًا فيمكن القول أننا حققنا الكثير".

واندلعت التظاهرات احتجاجًا على الفساد والبطالة في بلدهم الغني بالنفط، والذي يعاني نحو 20% من سكانه من الفقر المدقع بعد عقود من الحروب وانعدام الاستقرار، ويعتبر العراقيون الفترة الممتدة بين إعلان الانتصار على تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) وانطلاق التظاهرات مفصلية في حياتهم، كونها أتاحت لهم فرصة اختبار العيش في ظل استقرار نسبي للمرة الأولى منذ أربعة عقود.

(أ ب)

وقال أحمد الحداد البالغ من العمر 32 عامًا، إنّ "دوامة العنف أدخلت الجيل الشاب في غيبوبة لسنوات طويلة، لكن الاستقرار فتح أعينهم على حقيقة أن هناك أكثر من النجاة من الموت، كالعيش بكرامة في مجتمع مدني، وكسر التزمت الاجتماعي، ووقف سطوة الأحزاب الدينية".

وأحدثت التظاهرات الأخيرة انقلابًا اجتماعيُ، خصوصًا في مدن الجنوب الزراعي المحافظة ذات الغالبية الشيعية، وتقول هيام الشايع التي وقفت بالقرب من متظاهرين مرتدية عباءتها الجنوبية السوداء إن "المتظاهرين الذين قُتلوا في حملة قمع أودت بحياة 550 شخصًا، ضحّوا من أجل وطن متحضر ومدني، لا متخلّف ورجعي".

ومنح الزخم الكبير عند بداية التظاهرات الشبان الجرأة على انتقاد السلطة، ورجال دين، وشخصيات أثارت الرهبة لسنوات طويلة، من بينها الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي وُوجه بسيل من الانتقادات على خلفية موقفه المتقلّب من الاحتجاجات.

(أ ب)

ولم تأت هذه التغييرات دون مقاومة من سياسيين وحتى مواطنين هاجموا مسألة الاختلاط، واتّهموا المتظاهرين بتعاطي المخدرات وشرب الكحول. وكتب أحد مستخدمي موقع تويتر أن "دماء الشهداء لم تسل من أجل السفور وقلّة الحشمة، هذه قلة وعي وليست ثقافة".

وقال مدير مركز الأبحاث في بغداد، خالد حمزة، إن "الاحتجاجات قادت أيضا إلى إنهاء قطيعة كبيرة بين جيل قديم عايش الحروب والحصار، وجيل شاب يستعجل التغيير والتقدّم في بلد تبلغ فيه نسبة الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة حوالى 60 بالمئة من 40 مليون نسمة.

ومع تراجع زخم التظاهرات في الأسابيع الأخيرة، يقف المحتجون عند مفترق طرق يرى فيه المتظاهر محمد العجيل أن "الوقت الآن هو للعمل على تحقيق الوحدة تحت مظلّة رؤية جديدة، وخطة تستجيب لاحتياجات العراقيين وإن تطلب ذلك سنوات"، مضيفًا أن "ما يحصل كبير جدًا، لكنه في الوقت ذاته جديد علينا ولا يمكن أن نتوقع أن يحدث كل شيء بين ليلة وضحاها".