صقر أبو فخر يروي عن علاقته بعزمي بشارة و"في نفي المنفى"

عرب ٤٨: بدايةً، نهنئكم على الإصدار المهم والمُثري والممتع في آن، فهو ليس نصًًا تسجيليا – توثيقيا تقليديا وليس سجالا فلسفيا، فيه عمق لكن أيضا صراحة ومباشرة في الحديث، وهذا يدل إلى أنك تعرف د. عزمي بشارة معرفة قريبة ومطلع على أعماله الفكرية ونشاطه السياسي أيضًا. هل لك أن تطلعنا على معرفتك وعلاقتك بد. عزمي بشارة وإلى متى تعود؟

صقر أبو فخر: تعود معرفتي المباشرة بالدكتور عزمي بشارة إلى أكثر من عشرين سنة. قبل ذلك كنتُ أتابع صعوده في فلسطين من خلال ما يكتبه وما يُكتب عنه. آنذاك رأيت أن ثمة ظاهرة جديدة تتبلور في فلسطين 1948؛ ظاهر نضالية تختلف عما سبقها من ظواهر سياسية وفكرية كالحزب الشيوعي (ماكي - راكح) وأبناء البلد وغيرهما. وبالتدريج رحت اكتشف أن عزمي بشارة ليس مجرد سياسي جديد يطمح إلى أن يكون له شأن في حياة الفلسطينيين اليومية، وليس مجرد كاتب يتطلع إلى أن يتبوأ مركزاً مرموقاً في عالم الكتابة، وليس مجرد أكاديمي يسعى إلى تمتين وضعه العلمي بالتأليف، إنما هو مناضل تنويري يتوسل الكتابة والسياسة والعلم في سبيل غاية نبيلة محددة هي تغيير واقع فلسطينيي 1948 من حال إلى حال، وهو سياسي مقاوم، في الوقت نفسه، للدولة الكولونيالية الإحلالية الصهيونية، ومفكر كرّس حياته لابتداع حلول للمشكلات التي تواجه مجتمعه، وتمكن مع نفر من رفاقه من مواجهة الأسرلة والسير بخطى ثابتة نحو توكيد الهوية العربية لفلسطينيي الداخل.

 في سنة 1997 التقينا أول مرة في الدوحة حيث كنا نشارك في مؤتمر عالمي عن القدس. وعلى الفور انعقدت بيننا محبة غامرة، ورغبت بقوة في تقديمه إلى القراء العرب الذين أدمنوا قراءة جريدة "السفير". وهكذا أجريت معه حواراً صحافياً مهماً من دون أي تحضير مسبق، فقد كنت أحفظ مواقفه وآراءه، وأعرف نشاطه بالتفصيل. ومنذ ذلك اللقاء باتت علاقتنا تتخطى الصداقة والاحترام والمحبة إلى ما هو أبعد  من ذلك؛ أي إلى الاشتراك الكامل في الرؤى والأفكار والنهج، حتى أنه حين عرّفني في بيته في عمان إلى الأخ العزيز جمال زحالقة وآخرين قال مازحاً إنني مسؤول فرع التجمع الوطني الديمقراطي في لبنان. وفي ما بعد راحت لقاءاتنا تتوالى في بيروت، خصوصاً في جريدة "السفير"، وفي منزل طلال سلمان، وكان الناس، ولا سيما الفلسطينيون، يمطرونني بالهواتف كي يلتقوا عزمي بشارة، وتحولتُ، هكذا عفو الخاطر، إلى ما يشبه منظم لقاءاته وندواته ومحاضراته مع الصديقة ميرفت أبو خليل؛ فكان الجميع يرغبون في لقياه، أو دعوته إلى محاضرة هنا أو إلى ندوة هناك، أو حتى إلى غداء أو عشاء، وكنتُ أنسق ذلك كله معه بالهاتف حين يكون خارج بيروت. وها أنا أتذكر اليوم تلك اللقاءات بحنين وأسى، فقد رحل كثيرون ممن أحاطوا "أبو عمر" بالمحبة والترحاب في بيروت أمثال أستاذي أنيس صايغ ورفعت النمر وشفيق الحوت وأبو ماهر اليماني وآخرين، وكنتُ أنا صلة الوصل بينهم. واسمح لنفسي أن تتداعى الذكريات قليلاً إلى ما قبل خروجه من فلسطين، وكان يأتينا من الجليل بفرح، ونفرح به كأن قديس مضمخ برائحة السوسن البري في تلال ترشيحا. وأذكر أنني نظمت له زيارة إلى مخيم برج البراجنة، واستقبلناه بالموسيقى، وخرج اللاجئون لملاقاته عند مدخل المخيم، وراحت النسوة حتى المحجبات يقبلنه. وعندما مازحت إحداهن قالت على مسمعه: إن رائحة فلسطين فيه. وفي دروب المخيم الضيقة أضعته ونحن في طريقنا نزولاً إلى قاعة أهل ترشيحا في "جورة التراشحة". فأسرعتُ أفتش عنه في وجل، فقال لي الشبان أن بعض الأهالي سحبوه من بين الجموع إلى منزلهم ليلتقطوا الصور معه ويحدثوا أبناءهم المهاجرين بأن عزمي بشارة زارهم في منزلهم. وفي مقبرة شهداء صبرا وشاتيلا حين كنا  نحيي ذكرى المجزرة مع الوفود الأوروبية التي تأتينا في كل عام لهذه الغاية، حجزت له مكاناً أول بين المتكلمين، لكنه تأخر في الوصول، إذ كان في لقاء مع البطريرك صفير، وخشيت أن تنتهي المناسبة قبل وصول عزمي بشارة، ورحت "أمطمط" الزمن رويداً رويداً وأتحرق لوصوله. وقبيل الختام شاهدت جمال زحالقة وواصل طه يطلان من بين الحشود، فعلمت أنه وصل، فكانت كلمة الختام له، وشاهدت بعينيّ كيف أن كثيرين ممن بدأوا يغادرون المكان عادوا على الفور ما إن سمعوا بإسم عزمي بشارة. وفي مخيم البرج الشمالي في سنة 2008 قدم له صديقنا اللواء سلطان أبو العينين السلاح وسرنا معاً بين صفوف المقاتلين المتأهبين نحو قاعة المحاضرة، وحين هممت بالاحتجاج على ذلك المشهد العسكري همس لي عزمي بشارة قائلاً: لا بأس بذلك، أنا أريد أن يُنشر هذا المشهد لأنه يمثل تحدياً مباشراً لإسرائيل. وكان ذلك بالطبع قبل النفي، وكانت معنا الزميلة ميرفت أبو خليل.

في ما يخصني أيضاً، كنت معه وإلى جانبه في معظم محاضراته في بيروت: في مسرح المدينة (2008) وفي معرض الكتاب العربي (2008) وفي الجامعة الأميركية وفي الجامعة اليسوعية، وحتى في التعزية بصديقنا الحبيب جوزف سماحة. وأذكر أن موعد محاضرته في القاعة الكبرى لمعرض الكتاب العربي، والتي قدمته فيها، جاء بعد يومين فقط من اغتيال جبران تويني رئيس تحرير جريدة "النهار". فهاتفني مقترحاً إلغاء المحاضرة. فقلت له: عندما تأتي إلى بيروت نبحث الأمر بتفصيل أكثر. وجاء إلى بيروت قبل يوم واحد من موعد محاضرته، وكانت بيروت كئيبة، وأجواؤها مضطربة. وعاد ليكرر ضرورة إلغاء المحاضرة. وتعاونتُ عليه مع الأستاذ طلال سلمان، وقلت: حتى لو حضر عشر أشخاص فقط فيجب أن تتحدث إليهم. وهكذا ذهبنا إلى المحاضرة لنكتشف أن القاعة فاضت بالحاضرين، وراحت إدارة المعرض تنقل الكراسي من القاعة الأخرى لتلبية جلوس الواقفين. وقلت له بلغة منتصرة وأنا إلى جانبه في المنبر: أَرأيت، هذا هو عزمي بشارة، فكيف تكون الحال لو أن الأوضاع في بيروت كانت طبيعية؟

في تلك الأثناء اصطحبته إلى مؤسسة الدراسات الفلسطينية وأجرينا معه، نحن هيئة التحرير، حواراً مطولاً نشرتُ جزءاً وافياً منه في جريدة "السفير". وعندما قرر طلال سلمان إصدار "ملحق فلسطين" وعهد إليّ بتحريره كان عزمي بشارة مؤسساً شريكاً في هذا الملحق، ليس من خلال مقالته التي كانت تتصدر الملحق منذ العدد الأول فحسب، بل من خلال كتابات الأصدقاء الذين اقترحهم أبو عمر أمثال جمال زحالقة وعوض عبد الفتاح ونديم روحانا وإمطانس شحادة وأنطوان شلحت علاوة على مَن اقترحهم أنطوان شلحت وخليل شاهين أمثال مصطفى كبها وأريج صباغ خوري وهمت زعبي ونهاد بقاعي وغيرهم. وحين ألجأته إسرائيل إلى مغادرة وطنه أصدرنا في "السفير" ملحقاً خاصاً به وفيه صورة متحدية له. وقد عُلقت هذه الصورة على أبواب المنازل في المخيمات، وعلى واجهات بعض المحال والمراكز الثقافية ومكاتب بعض الأحزاب في بيروت ودمشق.

أردت من هذا العرض الموجز أن أشير إلى مكانة عزمي بشارة ليس لديَّ وحدي فحسب، بل لدى جموع الفلسطينيين واللبنانيين معاً. وفي هذا الميدان لا أنسى الشأن الكبير والدائم للصديقة والزميلة ميرفت أبو خليل في مواكبة عزمي بشارة ونشاطه وجولاته ولقاءاته، خصوصاً في "مؤتمر الثوابت الفلسطينية" الذي عقد جولة في بيروت وجولة أخرى في دمشق، وكان من بابه إلى محرابه تحت رعاية عزمي بشارة ومتابعته واشرافه بغض النظر عن النهايات البائسة لهذا المؤتمر.

عرب ٤٨: قلت في تقديم الكتاب إنك تحاول منذ سنوات إجراء الحوار، ما الدافع؟

أبو فخر: ما دفعني إلى محاورة عزمي بشارة وإصدار الحوار في كتاب مستقل هو محبتي له أولاً، ثم مكانته الفكرية والسياسية التي لا يجادل فيها أحد حتى لو اختلف مع مواقفه السياسية. ثم إن تجربته السياسية والنضالية والفكرية، في حد ذاتها، تشكل دافعاً عميقاً لإجراء حوار مسهب معه. وكثيراً ما رغبتُ في ذلك الحوار المعمّق منذ زمن بعيد. غير أن البعد الجغرافي وانهماكه في قضايا شعبه ووطنه كانا يحولان دون إنجاز ذلك الحوار على الرغم من لقاءاتنا الدائمة في بيروت وعمان والدوحة في ما بعد. وثمة أمر آخر هو أنني في جميع حواراتي التي صدرت في كتب مستقلة (صادق جلال العظم، أدونيس، كريم مروة، كمال الصليبي، نبيل الشويري)، أو في ملاحق صحافية خاصة (قسطنطين زريق، هشام شرابي، نقولا زيادة، أنيس صايغ)، كنتُ اختار مَن بلغ السبعين أو تجاوزها، لأن عصارة التجربة تكون قد نضجت في تلك السن. أما مع عزمي بشارة فقد أردت ذلك وهو دون الخمسين، لأنني أعتقد أن تجربته الكثيفة والغنية تساوي قرناً في عدد السنين. ومع ذلك احتفلت بوصوله إلى الستين وأهديته هذا الكتاب. إنه شاب في الستين. أَليس كذلك.

عرب ٤٨: هل الكتاب سيرة ذاتية رغم أن د. بشارة رفض الخوض بالأمور الشخصية أم هو تلخيص تجربة؟

أبو فخر: الكتاب ليس سيرة ذاتية يكتبها صاحبها بذاته. وهو ليس سيرة موضوعية أو غيرية، أي التي يكتبها شخص آخر متخصص بهذا الفن. وقد تمنّع الدكتور عزمي بشارة عن الخوض في الجوانب الشخصية في أثناء تسجيل الحوار، لكنني تمكنت من استدراجه إلى البوح في بعض الجوانب الذاتية. ومهما يكن الأمر، فهذا الكتاب الحواري فيه سرد تفصيلي لتجربة عزمي بشارة الفكرية والسياسية والنضالية، وفيه آراء وتحليلات معمقة في قضايا الحرية والديمقراطية والعلمانية والإسلام واليسار والاستبداد، وفيه إعادة طرح للموضوعات الحيوية التي تتعلق بفلسطين، وفيه رؤية جديدة أو متجددة لمصير القضية الفلسطينية، ويتضمن تقويماً نقدياً لتجربة حركة فتح والفصائل الأخرى، ولليسار العربي والفلسطيني معاً، ومحاولة اكتشاف الأسباب العميقة للتحولات العربية التي انتهت أحياناً إلى حروب أهلية. وعلاوة على ذلك ثمة استعادة لمواقفه من المقاومة وحزب الله وسورية، وتجربة الزيارات المتكررة لسورية، خصوصاً زيارات الفلسطينيين إلى أهاليهم في دمشق، والشراسة التي واجهته بها اسرائيل حين لفقت له ملفات أمنية للقضاء على "ظاهرة عزمي بشارة"، فضلاً عن موضوعات لا تُحصى كالتطبيع والطائفية وحزب الله وإيران وإمعانه في بناء المؤسسات الجديدة التي تلتهم أيام حياته. ومع ذلك، وفي خضم هذا الانغماس اليومي بجهد متشعب الرؤوس، فإن عزمي بشارة ما برح يكتب ويؤلف ويؤسس مشروعات فكرية تحتاج إلى كتيبة من المفكرين لإنجازها. وهذا الأمر، في حد ذاته، يكفي كي يكون دافعاً لإجراء الحوار.

عرب ٤٨: كم من الوقت استغرق إعداد الكتاب، عدد الجلسات وطولها، هل جرت كلها في فترة واحدة متواصلة أم على مراحل متقطعة؟

أبو فخر: استغرق الحوار فترة طويلة جداً. ويمكن القول إنه استغرق سنة كاملة. ففي البداية، ومن أجل تحضير الأسئلة، عدت فقرأت جميع مؤلفاته مع أنني قرأتها في السابق بعمق.  ثم استعدت تجربته السياسية بتفصيلاتها ووقائعها وتواريخها. وعندما باتت الأسئلة جاهزة، أرسلتها إليه كي يحذف منها ما لا يرغب فيه، أو يقترح ما يشاء من الأمور التي يرغب في الكلام عليها. وعند هذا الحد أصبحتُ مستعداً لتسجيل الحوار. وقد استغرق تسجيل الحوار نحو عشرة أيام متواصلة بين منزله في الدوحة ومكتبه في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أو نحو ثلاثين ساعة تسجيل. وفي ما بعد جرى تفريغ الشرائط، وتحرير الحوار تحريراً أولياً، وتنضيده وتصحيحه. وفي أثناء قراءته أضفت أسئلة جديدة، وأرسلتها إلى الدكتور عزمي بشارة الذي، بدوره، أضاف الكثير من الآراء والمعلومات على أجوبته الأولية. وفي أثناء المراجعة ما قبل النهائية وضعتُ هوامش إيضاحية وتفسيرية للحوار وكتبت المقدمة وسيرة مختصرة للدكتور عزمي بشارة وحررت ذلك كله بنفسي (لاحقاً ساعدني بعض الزملاء)، ثم بدأت عملية التصميم الداخلي وتصميم الغلاف وأخيراً الطباعة.

عرب ٤٨: ما الانطباع الذي خرجت به عن د. بشارة بعد ساعات مطولة من اللقاءات والحوارات؟ هل هو عزمي بشارة ذاته الذي كنت تعرفه ونعرفه جميعا؟ هل هو أقرب إلى المفكر أم المناضل السياسي؟

أبو فخر: لم يتغير ما أعرفه عن عزمي بشارة قبل الحوار عما بعده. إنه هو هو، بطيبته وخجله أحياناً ومحبته وصداقته الغامرة ونضارة تفكيره. وتلك الفترة التي أمضيناها معاً في أثناء التسجيل برهنت لي مجدداً ما كنتُ أعرفه تماماً، وهو قدرته الفائقة على التحليل، والذاكرة المدهشة، والإحاطة في معالجة أي ظاهرة أو فكرة، والشمول في الرؤية، علاوة على الصدق والالتزام الذي لا يحيد عنه في القضايا المبدئية. وقبل هذا وذاك، فعزمي بشارة، لمن لا يعرفه حق المعرفة، شديد العاطفة وعميق الاحساس بالعدالة، وغضوب إذا تعلق الأمر بالظلم والتمييز. وأحسبُ أن الدمع يكادُ يطفر من عينيه في كثير من المواقف الانسانية. وكثيراً ما كنتُ أُشفق عليه في أثناء تسجيل الحوار، لجَلَده، ودأبه على المجادلة، وكنتُ ألوم نفسي أحياناً لأنني "تسلبطت" على أوقات ربما كان يحتاجها في الراحة أو في الاهتمام بعائلته التي أُحبها كثيراً: زوجته رنا وعمر ووجد الذين تعرفت إليهم في عمان. وها أنا أرى من كان طفلاً في عمان (وجد وعمر) قد صار شاباً، وعلى قدر كبير من الاعتزار بوالده وتاريخه وتجربته وإنجازه الفكري والسياسي.

عرب ٤٨: تصف في الكتاب د. بشارة وكأنه أحد مفكر عصر النهضة الأوروبية، وهذا صحيح برأينا بسبب أفكاره التنويرية والتجديدية، ولكن أيضًا بسبب دوره ونشاطه السياسي المباشر، ويبدو أن ذلك عرضه إلى ظلم وتشويه، خصوصا في السنوات الأخيرة بسبب مواقفه. ما رأيك؟ وهل إصدار الكتاب في هذا السياق، أي كنوع من رفع الظلم عنه؟

أبو فخر: لا بالطبع. رفع الظلم عنه يكون بعودته منتصراً إلى وطنه وإلى ترشيحا وبطاح الجليل. الظلم الذي حاق بعزمي بشارة هو ظلم الاحتلال الاسرائيلي، وهو وسام عزة أولاً وأخيراً، وها هو عزمي يتابع من منفاه مقاومة المنفى كي يصبح في الإمكان يوماً ما "نفي المنفى". أما الكتاب الحواري فقد أردته تحية لعزمي بشارة في ستينيته، ومرجعاً للفلسطينيين والعرب الذين يريدون أن يعرفوا إسرائيل أكثر، وقضية فلسطين أكثر، وتجربة النضال من أجل الهوية القومية والحقوق القومية لفلسطينيي الداخل أكثر. والحوار سجّل تفصيلي لا غنى عنه، كما أعتقد، لمن يريد أن يكتشف ملحمة الصمود التي عاشها أهلنا في مناطق 1948، وحافظوا في أثنائها على لغتهم وهويتهم، وتمكنوا من أن يكنسوا صفة "العربي – الاسرائيلي"، ويسيروا فخورين بإنتمائهم الفلسطيني العربي.

عرب ٤٨: استنادا إلى معرفتك بد. عزمي بشارة الطويلة ومتابعتك الأوضاع لدى فلسطينيي الداخل وعلاقاتهم بالعالم العربي، كيف تقدر دور د. بشارة بهذا الشأن، أي شق الطريق لفلسطينيي الداخل إلى فضائهم العربي، وليس من خلال البوابة الإسرائيلية؟ هل توافق أن دوره أساسي ومركزي وساهم بتعريف العرب بفلسطينيي الداخل؟

أبو فخر: إن دور عزمي بشارة في تعريف فلسطينيي 1948 إلى العالم العربي دور مشهود جداً، وآثاره تتخطى كثيراً الجانب الانساني، أي إعادة وصل ما انقطع بين الأخ وأخيه وأخته على جانبي الحدود. وجوهر هذا الأمر هو إعادة التأكيد على العمق العربي للفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال الاسرائيلي، وفتح مسارب لهؤلاء نحو بلادهم العربية خصوصاً سورية. وذلك كله خلافاً، بل نقيضاً للتطبيع الذي كان قد أصبح سياسة معلنة لبعض النظم العربية ولبعض القوى السياسية العربية في الوقت نفسه. ما فعله عزمي بشارة في تنظيم زيارات متكررة للفلسطينيين إلى سورية كان شوطاً جديداً في مسار طويل من المواجهة مع الدولة الاسرائيلية، وطريقة متجددة في بلورة الهوية العربية للفلسطينيين. واكتشفنا في أثناء تلك الزيارات الفارق الكبير بين مَن يريد أن تندرج زيارته إلى دمشق في سياق التطبيع كي يكسب جوائز اسرائيلية، وبين مَن يعمل على تطوير هذه البوابة إلى فعل سياسي يناقض على طول الخط سياسة التطبيع. ولا ننسى خطبتين لعزمي بشارة آنذاك: خطبته في القرداحة في الذكرى الأولى لرحيل الرئيس حافظ الأسد حين دعا سورية وجميع القوى السياسية الفلسطينية واللبنانية، إلى انتهاج خيار المقاومة، وخطبته في أم الفحم التي عبر فيها عن الفرح بالنصر الذي حققته المقاومة في جنوب لبنان بدحرها الاحتلال بلا قيد أو شرط. وبهذا المعنى، فإن تطوير علاقة الفلسطينيين بعمقهم العربي الذي دشنه عزمي بشارة، كان يجري في سياق الانتماء إلى خط مقاومة الاحتلال أولاً وأخيراً. واسرائيل هي أوضح صورة من صور الاحتلال في التاريخ الانساني المعاصر.

عرب ٤٨: ختاماً؛ الفصل الأخير من الكتاب، "العودة إلى ترشيحا"، مؤثر جدًا ووجداني؛ كيف يتعامل د. بشارة مع قضية المنفى وعدم القدرة للعودة إلى فلسطين؟ أسألك لأنني اعتقد أنه تحدث إليك بصراحة بهذا الموضوع ولأول مرة، وكشف أنه كان يخطط للتقاعد في بلدة والده ترشيحا؟

أبو فخر: نعم، صار عزمي بشارة منفياً في بلاده. وهذا هو الثمن الكبير الذي دفعه لقاء مواقفه المبدئية. صحيح أن فلسطين ملعبه ومدرج طفولته وفتوته، ومرتع نضاله السياسي، إلا أن بلاد العُرب أوطانه حقاً، وهو ليس لاجئاً سياسياً على الإطلاق، وإنما انتقل، ولو قسراً، من ميدان للمواجهة إلى ميدان آخر. ونعرف جميعاً أن منتهى أشواق عزمي بشارة وغاية آماله هو حرية شعبه في فلسطين والبلاد العربية، وأعتقد أنه ما زال يجهد في هذا السبيل حتى لو اختلفت الجغرافيا. وبالتأكيد تمكن الاسرائيليون من إرغامه على العيش في "المنفى" ولو موقتاً، لكنه في كل يوم يبرهن أن في الإمكان "نفي المنفى". ولئن ابتعدت ترشيحا عن ناظريه مباشرة، فإن عودته إلى فلسطين تتحقق تحت جفنيه كالحلم في كل ليلة، حيث لا أسوار ولا احتلال ولا حواجز ولا موانع. وإلى أن يتطابق الحلم مع الواقع، ها هو عزمي بشارة في بلاده العربية ينثر في هذه البيداء المترامية بذوراً واعدة للحرية والديمقراطية والعَلمانية والعروبة. وأنا متأكد أنه سيعود يوماً إلى فلسطين حين ينقف فيها الدحنون الأحمر القاني، ويزهر الجليل بالأقحوان والأزاهير العطرية التي تمتد في بهائها نحو هضاب الجولان وقمم حرمون وتلال الكرمل وسفوح جبل عامل. حينذاك، أنا متأكد من أننا سنقرأ معاً "نشيد الانشاد الذي لنا"، وتطوى أوراق المنفى، وينتصر الجمال على القبح، والخير على الشر، والحق على مغتصبي الحقوق. 


تعليقات Facebook