مرحلة جديدة: تسييس قضايا الناس المعيشية



شكلت انطلاقة حزب التجمع الوطني الديمقراطي في العام 1995 رافعة للعمل الوطني والمجتمعي، لكنه شكل أيضا رافعة في العمل البرلماني من خلال الدكتور عزمي بشارة الذي قدم نموذجا جديدا عصريا ومهنيا في العمل البرلماني المتواصل مع الناس وهمومهم المعيشية وتسييس قضاياهم.  

ففي كل بلدة من بلدات منطقة المثلث التي زرتها خلال الأسابيع الأخيرة، التقيت بأصدقاء ومناصرين لعزمي بشارة ممن عرفوه بالميدان ومتابعة قضاياهم المعيشية وليس عبر التلفاز أو الصحف. تعرفوا إليه سواء من خلال متابعة قضايا مزارعي التوت الأرضي في قلنسوة أو أصحاب المنازل المهددة بالهدم في جت أو أصحاب الأراضي المصادرة في الطيرة وكفر برا.

فمع دخول د. بشارة الكنيست نائبا عن التجمع لأول مرة في العام 1996، فتحت صفحة جديدة في العمل البرلماني لدى المواطنين العرب لم يكن معهودا من قبل، إذ تركز نشاط البرلمانيين العرب في السابق على 'القضايا الوطنية الكبرى' والصراع العربي – الإسرائيلي والقضية الفلسطينية بشكل عام، إلا أن بشارة نجح في خلف نموذج عمل برلماني نضالي متقدم ربط السياسي والوطني بالمعيشي. هذا النموذج في العمل البرلماني الذي أصبح لاحقا مهيمنا ووجهة للتقليد.

هذا النهج وضع في رأس سلم أولوياته الاهتمام بقضايا الناس والمجتمع سواء بالأرض والمسكن، الزراعة والفلاحة، التربية والتعليم، في موازاة الحفاظ على الهوية الوطنية لفلسطينيي 48 وسط التحديات ومشاريع الإسرلة التي أعقبت التوقيع على اتفاق أوسلو.

لم تكن القضايا السياسية الحارقة منعزلة عن النشاط الجماهيري للدكتور عزمي الذي عايش وعايش قضايا المجتمع العربي في معركة الدفاع عن الأرض والمسكن وصيانة الأرض وتحصين الزراعة وتثبيت الفلاح بأرضه إلى جانب القضايا الخدماتية اليومية والحقوق الجماعية والفردية، بحيث أسس لمشروع الهوية القومية للعرب بالتوازي مع الاهتمام بقضاياهم وحمل هموم الناس، إذ ركز على الحاجات والقضايا اليومية للمجتمع بعيدا عن الانتهازية السياسية والحزبية التي كانت سائدة لعقود.

خاطب عزمي بشارة العقل أمام هذا الواقع والتحديات وطرح الحلول والبدائل تفاعل مع قضايا الناس ونشط بين الجماهيري وتميز بمتابعة الملفات والقضايا إلى النهاية، مع اهتمامه ببناء شخصية الفرد والنشء، والبناء المؤسساتي لجمعيات المجتمع المدني، في قضايا التربية والتعليم، الأرض والمسكن، العمل الجماهيري والشعبي، الزراعة والفلاحة، من خلال تذويته للعمل الجماعي والاستعانة بالأدمغة وأصحاب الاختصاص بالمجتمع العربي الناس ساهموا في سيرورة البناء المجتمعي.

قضايا الأرض

لم تكن الزراعة وقضايا الأرض بعيدة عن عزمي بشارة، ولعل أبرزها كان في معركة التصدي لمشروع شارع 'عابر إسرائيل'، حيث أثمر النضال الشعبي والعمل البرلماني لتثبيت حق أصحاب الأراضي بتعويضهم عن أراض بديلة لتلك التي ستصادر لصالح الشارع، وأعتبر ذلك سابقة تاريخية في تاريخ الصراع على الأرض مع المؤسسة الإسرائيلية.

كان ذلك في مطلع نيسان/أبريل من العام 2000، عندما غزت الجرافات أراضي المرحوم الحاج فؤاد ريان أبو زياد في كفر برا بحراسة قوات معززة من الشرطة لبدء أعمال شق شارع 'عابر إسرائيل'، كان عزمي بشارة أول من لبى نداء الاستغاثة وتجذر بالأرض مع الحاج أبو زياد، حيث تم الاتفاق على نصب خيمة اعتصام وتشكيل لجنة شعبية لمتابعة التطورات وطرح مطالب الفلاحين وأصحاب الأرض.

وانضم إلى الحاج أبو زياد العشرات من أهالي القرية ومن ثم المئات من سكان القرى والمدن المجاورة وسرعان ما تحولت الخيمة لمزار، ونشطت خيمت الصمود على مدار أسابيع بأمسيات ثقافية وفنية وسياسية تدعو للتثبت بالأرض، ورفض الأهالي بمساندة د. بشارة عروض التعويضات المالية وأصروا على حقهم بأراض بديلة.

تثبيت الحقوق

 في معركة الأرض وحقوق المزارعين تعرف الحاج أحمد ياسين من مدينة قلنسوة وهو مزارع توت على الدكتور عزمي بشارة، حيث اعتاد ياسين الذي أعجب بطرح بشارة متابعة عمله البرلماني والميداني من خلال وسائل الإعلام. تأثر بطرحه وسرعان ما انضم للتجمع الوطني وانخرط بالعمل الوطني إلى جانب بشارة بكل ما يتعلق في تثبيت حقوق المزارعين العرب ومخصصات المياه للزراعة العربية، التي كانت مهددة بالزوال بسبب سياسة التهميش والإقصاء من قبل المؤسسة الإسرائيلية.

المزارع أحمد ياسين من قلنسوة

يقول المزارع ياسين: 'أعجبت بعزمي بشارة وطرحه وفكره الذي يخاطب العقل ويدخل القلب، فمشروعه ترجمه إلى أفعال وتمييز بحضوره المجتمعي والشعبي ونشاطه الميداني، حيث نقل قضايا المجتمع والحراك الميداني بمختلف القضايا إلى البرلمان، واهتم بمتابعة أي قضية حتى النهاية حتى التوصل للحلول واستحقاق الحقوق'.

وأضاف: 'عزمي بجهوده ومثابرته وعطائه وقدراته ومعرفته كان يساوي 119 نائبا سياسيا واجتماعيا وفكريا، حيث وظف طاقاته وقدراته ومعرفته لبناء المشروع القومي الوطني لفلسطينيي 48، وعليه كانت الزراعة والأرض التي أحبها هي الجوهر والركيزة لهذا المشروع، ولهذا تعززت الروابط فيما بيننا'.

رغم المنفى

ياسين الذي كان من كبار المزارعين في المجتمع العربي لمس مدى اهتمام د. بشارة بقضايا الزراعة والأرض، فعلاقة العمل ومعالجة هذه القضايا ساهمت بتعزيز علاقة الصداقة بين بشارة وياسين، الذي وجد منبرا من خلال بشارة لمعالجة قضايا الزراعة العرب ومخصصات المياه للفلاحة العربية وقضايا تصدير واستيراد المحاصيل الزراعية وخاصة التوت، وهي قضايا عالجها مع بشارة في لجان الاقتصاد والمالية البرلمانية، بل وانتدب العرب في مجالس الزراعة القطرية، فحب بشارة للأرض، يقول ياسين 'دفعه وحفزه لمساعدة المزارعين وأصحاب الأرضي لنيل حقوقهم'.

عُرف عزمي، يقول المزارع ياسين، 'بتواضعه وحبه للناس وعليه حظي بالشعبية بالمجتمع العربي، كونه أجاد الاستماع للناس وقضاياهم وهمومه ومشاكلهم واهتم حتى بصغائر الأمور وأخذها على محمل الجد، كنت تلمس لدية المعرفة والإدراك في أي قضية تطرح أمامه، وبالتالي علاجه ومتابعته للأمور كانت مثمرة وعن دراية ومعرفة وليس ارتجاليا أو لمجرد إثارة قضية'.

ورغم المنفى القسري، ما زال ياسين الذي يفتقد عزمي الصديق والقائد، يستذكر ويتذكر عزمي ويتابع إنتاجه الفكري، فكثيرا هي التحديات والمشاكل التي تواجه المجتمع العربي والتي يتذكر ياسين صديقه عزمي، ولعل أبرز الأحداث والمشاهد، يقول ياسين: 'عندما تم محاصرة قلنسوة وهدم 12 منزلا قبل أسابيع، وما أعقب ذلك من أحداث ما زلنا نعيشها، قلت أين أنت يا عزمي؟ لأني افتقدت ذاك القائد الميداني الشجاع الصادق الحاضر بين الناس دوما والمستعد للمواجهة'.

مرحلة جديدة

السؤال ذاته طرحه المواطن شاكر يوسف جمل في الخمسينيات من عمره وهو من سكان قرية جت المثلث، والذي تعرف إلى عزمي بشارة في مكتبه البرلماني بالناصرة في منتصف عام 1999، إذ توجه إليه طالبا مساعدته بالتصدي لأمر الهدم الفوري الصادر بحق منزله وبيت شقيقه بالسهول الغربية للقرية وذلك بذريعة البناء خارج نفوذ ومسطح البناء للقرية، ولأن الأراضي تتبع لنفوذ اللجنة اللوائية حيفا وليست للجنة المحلية للتنظيم والبناء وادي عارة.

شاكر جمل من جت

سنوات طويلة من المعاناة والمحاكمة والغرامات المالية وخطر التشريد والهدم عاشها شاكر وشقيقه سامي، فصول من المراجعات للدوائر الرسمية وجلسات من المحاكم وبروتوكولات آخر كان تعيين لجنة حدود، لكن كل ذلك لم يسعف جمل الذي غرم بمبالغ باهظة دفعها واستنفد كافة الإجراءات القضائية أشهر مفصلية تحدد مصير المنزلين ومستقبل العائلات.

يقول شاكر جمل: 'جلست مع عزمي قرابة الساعة والنصف ولخصت له سنوات من المراجعات والمحاكمة، وقد استغربت عندما كان على علم ودراية بالقضية الشخصية وأيضا بالقضية العامة لمناطق النفوذ والخارطة الهيكلية بالقرية والمعطلة منذ ثمانينيات القرن الماضي، أتذكر رده حين قال نحن في فترة انتخابات سأبرق لوزير الداخلية سويسا رسالة بخصوص المنزلين ومناطق النفوذ ولجنة الحدود في جت وسأطالبه بتجميد الإجراءات لحين البت بمناطق النفوذ'.

أتى رد الوزير سريعا بعد أسابيع، بلغ بشارة الجمل رسميا بأنه حصل على تعهد رسمي من وزير الداخلية في حينه بتجميد أوامر الهدم للمنزلين لحين البت في مناطق النفوذ والتوصيات النهائية للجنة الحدود، وبطلب المجلس المحلي بضم مئات النفوذ بملكية خاصة لأهالي القرية لمسطح البناء ونفوذ لجنة البناء المحلية.

فصل المقال - ١٩٩٨

متابعة القضايا

منذ انتخابات 1999، يقول جمل 'تنفسنا الصعداء، خطر الهدم أزيل وللمنزلين وصلت شبكة الطرقات ومشاريع البنى التحتية وخط الكهرباء، واليوم في العام 2017، أعلن عن نتائج نهائية للجنة الحدود بضم 700 دونم لمسطح القرية ونفوذ البناء للمجلس ولجنة التنظيم، وعليه افتقد عزمي بالذات في هذه الأيام، فما عمله لحل مشكلة شخصية في ساهم أيضا بحل مشكلة جماعية للقرية، أي تثبيت الحقوق من خلال الإبقاء على المنزلين ما مهد اليوم لتوسيع مسطح النفوذ وضم مئات الدونمات بالمنطقة للخارطة الهيكلية'.

وتابع جمل: 'لقد لمست الجدية لدى عزمي في متابعة القضية، فكان يصغي بذكاء ويعيش قضايا الناس وعلى دراية تامة بالأمور ويهتم بكافة القضايا والمجالات، إذ لم يكن بعيدا عن الجماهير وقد زارني في منزلي عقب هذا الإنجاز بعد أن وجهت له دعوة لزيارة عائلاتنا لنقدم لكل الشكر والتقدير على جهوده، فكان صادقا في طرحه ووعوده. شخصيا أذكره بالخير دائما، لكن الأهم أنه ترك بصمات ما زالت راسخة بالعمل الجماهيري والسياسي بالمجتمع العربي'.

وخلص إلى القول: 'عزمي برلماني مميز بشجاعته وجرأته والبدائل التي طرحها وأصبح الجميع يرددها ويقلدها، وتحدى السياسة الإسرائيلية وتعامل بندية مع الإسرائيليين وتفوق عليهم بالخطاب والفكر العميق وحتى في اللغة العبرية التي أجدها أفضل من أعضاء كنيست ووزراء إسرائيليين، لذا واجه سنوات طويلة من التضييق والملاحقة السياسية فما عادت المؤسسة الإسرائيلية تتحمل طرحه وتستوعب ما يطرحه من مشاريع وحلول، وحاولت التخلص منه بالسجن وعبر المنفى القسري. خسرنا برلمانيا مميزا مثل عزمي بشارة'.

آليات النضال

رئيس اللجنة الشعبية للدفاع عن الأرض والمسكن، أحمد ملحم، تعرف إلى عزمي بشارة مباشرة من خلال عمله الجماهيري والسياسي. والمرحلة التي توطدت العلاقة بينهما فيها عندما توسط ملحم من أجل ضم هاشم محاميد وحزبه لصفوف التجمع الوطني الديموقراطي، حيث جمعته بعزمي بشارة جلسات سعى من خلالها للتوافق وترسيخ الوحدة في التيار الوطني.

فصل المقال -  ١٩٩٦

يقول ملحم: 'حظي بشارة بشعبية في منطقة وادي عارة وأم الفحم وكان حضوره بارزا بمعالجة قضايا الناس وحمل همومهم، إذ ساهم باستحداث آليات النضال، وظهر بخطاب سياسي غير تقليدي، سرعان ما دخل هذا الخطاب عقل وقلب كل مواطن حتى وإن لم ينتسب للتجمع الوطني'.

ولفت ملحم إلى أن بشارة حمل رسالة واضحة وأسس لمشروع سياسي عصري في الداخل الفلسطيني وكان رياديا في تأسيس وبناء جمعيات المجتمع المدني في مختلف المجالات، الزراعة، الأرض والمسكن، الحقوق، الإعلام، قضايا المجتمع، التعليم الأكاديمي، وهذا الطرح والعمل استقطاب الكثير من الطاقات والقدرات التي انخرطت بهذه المشاريع وساهمت بالبناء المجتمعي.

أحمد ملحم

 


تعليقات Facebook