النهضة المعاقة: الدراسة ومشوار الحداثة (6)



** كتاب "طروحات عن النهضة المعاقة" للمفكر العربي عزمي بشارة صدر عام 2003، ونُشر كسلسلة مقالات في صحيفة "فصل المقال"، يجمعها همّ عرض وتحليل المعوقات التي تقف في وجه النهوض بالمجتمع العربي في الداخل الفلسطيني نحو التحديث، ويلتقي فيها البعد النظري بالاجتماعي والسياسي. نُعيد في موقع "عرب4 8" نشْرَ هذه المقالات لأهميّتها وراهنيّتها.


الدراسة ومشوار الحداثة

عندما كان الشاب العربي يفلت من إسار الأسرة الممتدة ذاهبًا إلى المدينة للدراسة الجامعيّة، كان أيضًا يكتشف الحداثة، وينفتح للأفكار الجديدة، بما في ذلك الأفكار العقلانيّة والعلميّة في تنظيم المجتمع. كان يطور نظرة نقديّة للتقاليد. وكان الطليعيّون بين المثقّفين ينقسمون بين تأييدهم للأفكار الليبراليّة الديموقراطيّة أو الاشتراكيّة. كانوا، بطبيعة الحال، يتحيّزون للدولة القوميّة كطريقة لتنظيم المجتمع الحديث. وكان لقاؤهم بشباب عرب من قبائل أخرى وأقطار أخرى وطوائف أخرى يشكل بوتقة صهر لنخبة عربيّة واعية لبناء ذاتها كمقدّمة لعمليّة بناء الأمّة Nation Building. وكانت تطالهم جميعًا شذرات ساذجة من الحداثة والتنوّر عندما يجدون أنفسهم مضّطرين للمقارنة بين المجتمع العربي والمجتمعات الأوروبيّة والحديثة، مكرسين ذلك السؤال الأبدي، الذي حيّر المُصلحين العرب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين: "لماذا تخلّف العرب وتطوّر الآخرون؟". هذا السؤال، الذي أجاب عنه البعض بضرورة التحديث وتقليد التجربة الأوروبيّة، والبعض الآخر بضرورة إصلاح ما هو قائم عبر العودة إلى الأصول وتنقيتها من الشوائب الخرافيّة التي علقت بها، من أجل تمكين النّهضة من النهوض.

اعترف هذا السؤال، رغم أي اعتراض ممكن على سذاجته، بالفرق بين التّقدّم والتّأخّر بين التّطوّر والتّخلّف. لقد انطلق من إمكانية التمييز بين التّقدّم والتّأخّر لكي يصبح التّقدّم هدفًا وإنجازه هو القضيّة. والمثقّف الذي تعرّض لهذا السؤال، لهذه الحيرة، لهذه الرّغبة في المعرفة، لحب الاستطلاع هذا.. هو المثقّف الذي انفتح فجأة وطرح أسئلة "طبيعيّة" وصحّيّة. وهو الذي عاد إلى بلدته، إذا عاد، أكثر تنورًا ممّا كان عليه عندما غادرها.

كان هذا المثقف أكثر معرفة واطّلاعًا من أولئك الذين لم يغادروا فضاء الحياة الريفيّة الرتيبة، المحكومة بالعادات والمناسبات والتقاليد، بالمواسم وتقسيمات الفصول الزراعيّة والأعياد التي ترافقها، وبالانتماءات العضويّة. كما كان أكثر علمانيّة منهم وأكثر تشككًا. وكان الناس الذين يتحلّقون حوله كأستاذ مدرسة (يحظى باحترام في تلك الفترة)، أو كموظّف أو كطبيب، يحترمون الفرق في المعرفة بينهم وبينه. وكان هنالك فرق ليحترموه، حتى لو لم يتّفقوا مع شكوكه وريبيّته وعدم تسليمه بالمسلّمات التي اعتبروها جزءًا من ترتيب العالم كمعطى.

هذه صورة غير دقيقة ومجرّدة. وقد يتّهمها كاتب هذه السطور نفسه في سياق آخر بالرومانسيّة. لكنها تكون على قدر كبير من الصّحة إذا نجحت في رسم صورة لمثقّف يعود من الدراسة العليا إلى بلدته أكثر تنورًا – وذلك بغضّ النّظر عن اختصاصه. هذه السطور يجب ألّا تُفسّر وكأنّها نوع من النوسطالجيا إلى فرصة الحداثة البكر المفوّتة، والتي لن تعود. والنوسطالجيا لا تصلح برنامجًا سياسيًا، ولا حتّى إلهامًا أدبيًا إلّا في الأدب الرومانسي.

لقد انتقل مجتمعنا من مرحلة الانفتاح على الحداثة والرغبة في محاكاتها والحوار معها، ومع التاريخ والواقع العربي، إلى مرحلة الحداثة المشوّهة ورد الفعل عليها. لقد دخلنا مرحلة العلاقة المتوتّرة مع الحداثة، ولا يمكن إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء. ومعالجة هذا الواقع الجديد لا تتم بالنوسطالجيا إلى مرحلة ما بين الحربين العالميتين، حين قادت النخب العربيّة، بمحدوديتها، شعوبها، وحين قادت المدينة الريف، أو حاولت أن تقوده قبل أن تتريّف. لكن التّخلي عن النوسطالجيا، رغم صعوبة الأوضاع الراهنة، لا يعني التّخلي عن قيم التّنوّر Enlightenment (التّنوّر من ظلمة الجهل وقيوده): الحريّة، العقلانيّة، الريبيّة، أوتونوميا الفرد، عقلنة قضايا المجتمع، رفض التفسير الأسطوري للطبيعة والمجتمع.

لقد بات باستطاعة من يبحث عن طريقة للتّخلّي عن هذه القيم، مقابل الأوضاع الاجتماعيّة متوتّرة العلاقة مع الحداثة، التّعلّق بحبال هواء ما بعد الحداثة والنسبيّة الثقافيّة لتبرير التكيّف مع قيم حديثة غير متنوّرة، غير حداثيّة، مشوّهة، وتُقدّم وكأنّها تقليديّة، أو أصيلة، ضمن الخصوصيّة الثقافيّة أو الدينيّة أو الوطنيّة. هكذا تجري في الواقع عمليّة مركّبة مؤلّفة من خطوات عديدة تشكل توليفة معادية للحداثة: 

أ        ما يبدو وكأنّه نقد حداثة في الغرب بمصطلحات ما بعد الحداثة يصبح مبررًا للعداء للتحديث في مجتمعات لم تصل إلى الحداثة بعد لكي تقفز إلى ما بعد الحداثة.

ب    يتم تعيين تشويهات وردود فعل حديثة متوتّرة على الحداثة المشوّهة كأنها أصالة وتقاليد.

ج    يتم تجميد هذه الأصالة والتقاليد الموهومة وتثبيتها كـ "ثقافتنا" و"عقليّتنا" في مواجهة التحديث، كما يتم إسقاطها على التاريخ، "تاريخنا"، بأثر رجعي، أي يتم إنتاج نوع من المباهاة والافتخار بالتّخلّف المستحدث.

وقد سبق أن قلنا في بداية هذه الأطروحات حول معوقات النّهضة أن تعميم التعليم وجماهيريّة وسائل الاتّصال قد ساهم بدوره في تعميم هذا النّمط من الوعي وتحويله إلى نمط جماهيري. وما نود أن نضيفه الآن هو أن هذه التوليفة الحديثة، الموصوفة أعلاه، والتي تحوّلت إلى نمط جماهيري (والجماهير والجماهيريّة مفهومان حديثان)، تميل إلى تقديم ذاتها كأصالة Authenticity مقابل ما هو وافد، ما هو غريب، أو "مستورد".

لم يعد الطالب الآتي من القرية إلى المدينة اليهوديّة في الحاضر يفدها من ثقافة ريفيّة تقليديّة لينفتح فورًا على الجديد والحديث من خلال العلم والتّعلم، وليسلم نفسه تسليمًا لعمليّة التّقدّم. وقد كان هذا هدف "تغريبته" إلى المدينة. ومن أجل ذلك تحمّل مشاق الانفصال عن علاقات القرية الحميمة، وعانى من الحنين، الذي غالبًا ما دفع الطّلاب الوافدين إلى المدينة في الماضي العربي إلى كتابة الشعر والتّغنّي بالضيعة وبالقرية "البلد" من دون أن يتناقض ذلك مع حداثته وعصريّته ورغبته في التعلم. وكم من أديب مبدع في الوطن العربي نشأ ضمن حالة التّوتّر هذه محولًا الحنين إلى حضن الضيعة إلى ألف تعبير جمالي عن الحب، أو الشوق، أو الضياع العاطفي.

الطالب الوافد من القرية إلى المدينة في الحاضر يَفدها من ثقافة جماهيريّة تدّعي الأصالة، مصابة بمركب نقص انفعالي تجاه المجتمع المضّطهد بالحداثة، ومتوتّرة العلاقة مع الحداثة. إنّه يشاهد في المدينة المحطّات التلفزيونيّة ذاتها التّي كان يشاهدها في القرية، ويكاد يستهلك المواد الاستهلاكيّة ذاتها، وتتحوّل الجامعة بالنسبة له إلى مجرّد أداة لاكتساب المهنة والشّهادة الجامعيّة.

ينطبق هذا الوصف بدرجة أقل على المجتمعات العربيّة أجمع – مع فارق أكبر في تلك الحالات التي تتّسع فيها الهوّة بين الريف والمدينة بدرجة أكبر من حالة المجتمع العربي في الدولة الصهيونيّة. لكن هذا الانحسار في التّفاوت بين المدينة والقرية مقارنة مع العالم العربي يعوّض بتفاوت آخر بين القرية العربيّة والمدينة في إسرائيل نابع من الاغتراب الفردي والغربة الوطنيّة في المدينة اليهوديّة. يصبّ اغتراب العربي في المدينة اليهوديّة لصالح توسيع الفجوة بين القرية والمدينة، وبين ثقافة القرية الجماهيريّة وثقافة الجامعة. ويدفع الاغتراب عن المدينة والجامعة، بفعل الاغتراب القومي واللغوي، باتجاهين: اتّجاه المحاكاة والتقليد والاندماج الوهمي بواسطة التّخلّي عن الثّقافة العربيّة، وعبر إنكار مقوّمات التّطوّر الذاتي لديها من ناحية، واتّجاه التّعصب لثقافة جماهيريّة تطرح ضمن جدليّة الاغتراب كأصالة، أو كتأكيد لما هو قائم على الأقل وحمايته وكأنّه تأكيد وحماية للذات من ناحية أخرى. 

لا ينجب كلا الاتّجاهين القطبيّين مثقّفًا متنوّرًا. فصاحب الاتّجاه الأوّل يتملّص من العلاقة مع الانتماء الثّقافي العربي، الأمر الذي يبعده عن المساهمة في تطوير الثّقافة العربيّة، وغالبًا ما لا يكسب مكانه انتماءً آخر، فيتحوّل إلى "من أراد أن يقلد مشية الحجل فنسي مشيته"، أو يعود إلى القرية جسمانيًا، بيولوجيًا، فحسب، إذا عاد إليها. أما صاحب التّوجه الثاني فلم يغادرها أصلًا، بل تقوقع فيها ضمن ثقافتها الجماهيريّة – الريفيّة القائمة إبّان وجوده في الجامعة، وأضاف إليها مهنة لكنه لم يغدُ مثقفًا متنورًا. وتحصل باستمرار انتقالات من قطب لآخر من دون المرور بخيار الثّقافة العربيّة من منظور حداثي.

كان المثقّف يعود إلى بلدته أكثر تنورًا ومعرفة وعقلانيّة وريبيّة مما غادرها. وقد لا يعود المتعلّم حاليًا أكثر تنورًا. والطامة الكبرى أنه قد ينشأ في المرحلة الراهنة وضع يجعله يعود إلى البلدة بعد التخرّج أقل تنورًا منه عندما غادرها. ذلك لأنه قد يضيف عناصر جديدة للثّقافة الجماهيريّة التي حملها إلى المدينة، تبدو وكأنّها أعمق وأحدث لكنها لا تعدو أن تكون عناصر ثقافة جماهيريّة من ثقافة أخرى، إسرائيليّة في هذه الحالة. وقد تكون عودته الأقل تنورًا ناجمة عن أن ردّة الفعل على الحداثة، المفروضة قسرًا كنقيض لما كان قائمًا وعلى خرائبه، تؤدي إلى رفض عناصرها المتنوّرة والعقلانيّة تحديدًا، رفضًا يبدو وكأنّه أصالة أو تمسّكًا بالهويّة الدينيّة أو الوطنيّة.

وقد فقدت البلدة أو القرية العربيّة سذاجتها وعزلتها وباتت هي ذاتها هامشًا للمدينة. لذلك فهي لا تستقبل العائدين إليها من غربة الجامعة كمن عادوا من مهمّة جمع المعرفة أو كسفراء للحداثة في "مجاهلها". فهؤلاء، الوافدون إليها بالعشرات والمئات، تعلموا مهنة لا يكسبها أهميّة إلا قدرتها على التحوّل إلى مرتبة اجتماعيّة أو إلى مرتبة اقتصاديّة في المجتمع القروي ذاته، وقدرتها على دمج صاحبها بشكل أكثر نجاعة في العلاقة بين المركز المديني اليهودي والهامش العربي.

لم تُبقِ الحداثة المفروضة لدى هذه البلدة حب استطلاع معرفي. فالمدينة تصلها عبر التلفزيون ووسائل الاتّصال الحديثة. وهي تصل إلى المدينة عبر العمل المأجور وبيع الخدمات. المدينة تصلها عبر تعميم أنماط الاستهلاك والسياسة الموسميّة الانتخابيّة. وهي تتصل بالمدينة سياسيًا بضرورة تحصيل الميزانيات اللازمة للبلديّة والمجلس المحلي، أو ضرورة توسيع مسطّح القرية للبناء، وهكذا. 

علاقة المجتمع العربي بالمدينة اليهوديّة هي علاقة الهامش بالمركز، وعندما ينتقل الشاب العربي للدراسة في المدينة لا يحدث انتقال نوعي من عالم إلى آخر، كما كان الحال في الماضي، بل يبقى يتشظّى ويتفسخ في العالم ذاته، ويعيد إنتاج العلاقة بين الهامش والمركز في داخل المدينة وتكريسها، وكذلك الأمر عند العودة من جديد إلى القرية.

يحدث الانتقال عندما يتبنّى المثقّف قيم الحداثة والتنوّر ويُخضع هذه العلاقة ذاتها، أي علاقة الهامش بالمركز، إلى نظرة فاحصة ونقديّة. قد يحمل المثقّف العلاقة بين الهامش والمركز في داخله عند إقامته الجسديّة في المركز، أو قد ينحاز إلى أحد طرفي العلاقة ثقافيًا، لكن التّحدي هو التحرر ثقافيًا من العلاقة بين الهامش والمركز ليصبح بالإمكان التحيّز للهامش كحالة تمييز عنصري اضّطهادي من دون تبنّي ثقافة الهامش المشوّهة الغاضبة، في ردّة فعل على ثقافة المركز الواهمة أنها مدينيّة. بوعي هذا التشوّه يصبح بالإمكان تبنّي قيم التنور كقيم عربيّة أيضًا من دون محاكاة علاقة المركز بالهامش إعجابًا به كتعبير عن هويّة مأزومة. ولا يمكن الانتصار في هذا التّحدي من دون وعي وجوده. فوعي وجوده يدفع باتّجاه مواجهته وإنتاج ثقافة مضادة. وحدها مواجهة التّحدي، تؤدي إلى تعديل طبيعة الإنتاج الثقافي.


تعليقات Facebook